الإيمان
الجن والشياطين
مهران ماهر عثمان نوري
الخرطوم
خالد بن الوليد
1-صفة نزول عيسى عليه السلام. 2- الوظائف التي يقوم بها بعد نزوله عليه السلام. 3- الحكمة من نزوله عليه السلام. 4- حال الناس معه. 5- مدة بقائه عليه السلام. 6- شبهات المنكرين لنزوله عليه السلام. 7- الفرق التي أنكرت نزول عيسى عليه السلام.
أما بعد: لا يزال الحديث عن نزول عيسى عليه السلام، وحديثنا اليوم عن سبع مسائل تتعلق بنزوله لا بد من بيانها.
عباد الله، بيَّن نبينا الصفة التي ينزل عليها عيسى عليه السلام بقوله: (( يَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ ـ أي: حبَّات الفضة، تشبيهًا لقطرات الماء التي تنحدر منه ـ كَاللُّؤْلُؤِ فَلا يَحِلُّ ـ أي: لا يمكن ـ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ ) )أخرجه مسلم.
فما الوظائف التي يقوم بها عليه السلام إذا نزل؟
1-يدعو عليه السلام إلى دين الإسلام، وهذا معنى قوله تعالى: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ كما مرَّ معنا في الجمعة الماضية، وقوله: (( ويضع الجزية ) )أي: لا يقبل من أهل الكتاب إلا الإسلام، ويكسر الصليب إبطالًا لعقائد النصارى، ويقتل الخنزير ويحكم بالعدل. وقد مضت الأدلة على ذلك، ومن الأدلة قوله: (( لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلاصُ فَلا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ ) )أخرجه مسلم.
2-يقتل المسيح الدجال عند لد، فإنَّ عيسى عليه السلام يطلبه ويلحقه بباب لد، فإذا رآه الدجال ذاب، فيطعنه عليه السلام برمحه.
3-يدعو الله أن يخلِّص الناس من شر يأجوج ومأجوج، كما سيأتي بيانه في الخطب القادمة إن شاء الله.
4-يقوم بالحج أو العمرة أو يجمع بينهما؛ لقول النبي: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا ) )أخرجه مسلم. وإننا نؤمن بذلك كلِّه؛ لأن محمدًا هو الذي أخبر به.
عباد الله، فما الحكمة من نزوله عليه السلام؟ ذكر أهل العلم ثلاث حكم لذلك:
الأولى: إبطال عقيدة التثليث والصلب بكسر الصليب ودعوته للإسلام.
الثانية: إبطال دعوى اليهود أنهم قتلوه، وإبطال دينهم بدعوته للإسلام، فينزل ويقتل زعيمهم الدجَّال.
الثالثة: أن الله تعالى قد قضى وقدر أنَّ كلَّ مخلوقٍ لا بد أن يُدفن في الأرض، قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه: 55] .
فما حال الناس إذا نزل فيهم عيسى عليه السلام؟
الجواب يأتيك من نبيك إذ يقول: (( ثُمَّ يُقَالُ ـ بعد هلاك يأجوج ومأجوج ـ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى إنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ ) )أخرجه مسلم، وقال: (( وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَتَقَعُ الأَمَنَةُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الأُسُودُ مَعَ الإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لا تَضُرُّهُمْ ) )أخرجه أحمد.
عباد الله، كم يمكث عيسى بعد نزوله؟
ثبت في صحيح الإمام مسلم أنَّ نبينا بين أن مكثه سبع سنين، وفي مسند الإمام أحمد: (( فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ) ). ولا يمكن أن يقع تعارض في حديث النبي ، فأقول: لما رُفع عيسى عليه السلام كان له من العمر ثلاث وثلاثون سنة، ثم ينزل فيمكث سبع سنين، فتكون جملة السنوات التي مكثها أربعين سنة.
أيها المؤمنون، لقد أنكرت شرذمة من الجهلة نزول عيسى عليه السلام، واستدلوا بأمور:
الشبهة الأولى: استدلالهم بقول الله تعالى: إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ [آل عمران: 55] . والجواب من وجوه، فهذه الآية فيها ثلاثة أقوال:
الأول: مُتَوَفِّيكَ أي: منيمك؛ لأن النوم وفاة، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر: 42] ، فالنوم وفاة، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ [الأنعام: 60] أي: بالنوم.
الثاني: مُتَوَفِّيكَ أي: قابضك، قال الإمام الطبري:"وقال آخرون: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض فرافعك إليَّ، قالوا: ومعنى الوفاة القبض، كما يقال: توفيتُ من فلانٍ ما لي عليه، بمعنى قبضته واستوفيته. قالوا: فمعنى قوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ أي: قابضك من الأرض حيًا إلى جواري، وآخذك إلى ما عندي بغير موت، ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك".
الثالث: مُتَوَفِّيكَ مميتك، فمعنى الآية على ذلك: رافعك ومتوفيك بعد نزولك؛ لأن الواو لا تفيد الرتبة. قال ابن هشام في شرح قطر الندى وبلِّ الصدى:"أجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين أن الواو تفيد الجمع ولا تفيد الترتيب"، فتكون الوفاة بعد نزوله. قال الإمام الطبري:"وقال آخرون: معنى ذلك: إذ قال الله: يا عيسى إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا". وقال القرطبي رحمه الله:"وقال جماعة من أهل المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ: على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة، والمعنى: إني رافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء، كقوله: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه: 129] ، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزامًا".
ولو سلَّمنا جدلًا ـ ولا نسلم بذلك أبدًا ـ أن عيسى مات وثبتت النصوص بأنه سينزل فما الذي يمنع من إحياء الله له لينزل إلى الأرض؟! وقد ذكر الله عددًا من مخلوقاته أماتهم ثم أحياهم في الدنيا الحياة التي نعيشها، كقتيل بني إسرائيل وطير إبراهيم والذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف حذر الموت والذي مر على قرية وهي خاوية ومعه حماره قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟!
والأظهر أنَّ المراد هو القول الثاني.
الشبهة الثانية: الاستدلال بقوله تعالى: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: 117] .
وللإجابة عن هذا اسمحوا لي بفسح المجال لشيخ المفسرين ليخبرنا عن معنى الآية ومراد الله بها، قال الإمام الطبري:"فلما قبضتني إليك".
الشبهة الثالثة: استدلالهم بحديث النبي: (( لا نَبِيَّ بَعْدِي ) )أخرجه البخاري ومسلم. والجواب من وجوه:
الأول: أن عيسى سينزل حكمًا وداعيًا إلى دين الإسلام، وليس ناسخًا لدين الإسلام.
الثاني: قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81] . قال ابن كثير رحمه الله:"يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ ثم جاءه رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته". فلا مانع إذًا من أن يأتي رسول بعد رسولنا مصدقًا به وإلا لكان الكلام معيبًا.
الثالث: جمع الله الأنبياء للنبي وصلى بهم عند بيت المقدس، فهل ننكر ذلك أيضًا؟!
الشبهة الرابعة: قالوا: أحاديث نزول عيسى عليه السلام ضعيفة مردودة. والجواب:
وليس يَصِحُّ في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
وقد سبق في الخطبة الماضية بيان تواتر أحاديث نزوله عليه السلام.
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من آيات وذكر حكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه غفور رحيم.
الحمد لله الكبير المتعال، مقلب الليل والنهار، إليه المرجع والمآل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى الصحب والآل.
أما بعد: فقد اعتذر بعض الصحافيين لهذا الذي أنكر نزول عيسى عليه السلام بأنه مجتهد، والمجتهد مأجور. وهذا مما يندى له الجبين ويتفطر له القلب، ألا يعلم هؤلاء أنَّ الاجتهاد لا يمكن أن يكون في القطعيات؟! أيمكن أن يأتي منظرٌ غدًا ويقول: الواجب على المسلم أن يصلي الظهرَ خمسًا أو يصوم يوم الشك وأنَّ الحجَّ يجب مرتين على القادر؟!
إن عمرَ بن الخطاب يعلِّمُنا كيف نتعامل مع من يعبث بثوابتِ الدِّين بمتشابه النصوص، فقد كان صُبيغ بن أسلم يشوش على الناس بمتشابه القرآن، فطلبه عمر ثم جلده بجرائد النخل، حتى سالت دماؤه، ثم أراد عمر أن يعيد ضربه ثانيةً، فقال صبيغ: حسبك يا أمير المؤمنين، فوالله لقد ذهب الذي كنت أجده.
إنَّ مثل هذه المسائل لا تحتمل العبث بها ولا التشكيك فيها، فمن سلف المنكرين لهذه العقيدة؟! يقول الثعالبي رحمه الله: وأجمعت الأمةُ على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى عليه السلام في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجَّال ويفيض العدل، ويُظهر هذه الملة ملةَ محمد ، ويحج البيت ويعتمر. ولم ينكرها إلا شرذمةٌ لا يُعتدُّ بخلافهم ولا يُفرح بوفاقهم، وهم بعض المعتزلة والجهمية.
أسأل الله أن يجعلنا من خير عباده المؤمنين المصدقين بما أخبر به النبي الكريم...