الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي
عبد العزيز بن محمد القنام
وادي الدواسر
جامع النويعمة القديم
1-تكريم الله بني آدم بالعقل. 2- المخدرات والخمور تفقد الإنسان كل التكريم فيه. 3- المخدرات سلاح فتاك يستخدمه الأعداء ضدنا. 4- أدلة تحريم المسكرات وما جاء فيها من الوعيد. 5- أضرار المخدرات الاجتماعية والأخلاقية. 6- دعوة للقيام بالمسئولية تجاه مروجي المخدرات وبائعيها
أما بعد:
اتقوا الله أيها الناس، وراقبوه في السر والعلن، فبتقوى الله عز وجل تصلح الأمور وتتلاشى الشرور ويصلح للناس أمر الدنيا والآخرة.
عباد الله، لقد كرم الله عز وجل بني الإنسان على كثير من مخلوقاته فقال سبحانه: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ وَحَمَلْنَـ?هُمْ فِى ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ وَرَزَقْنَـ?هُمْ مّنَ ?لطَّيّبَـ?تِ وَفَضَّلْنَـ?هُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70] .
كرم الله عز وجل بني آدم بخلال كثيرة، امتاز بها عن غيره من المخلوقات من جماد وحيوان ونبات وجان، كرمه بالعقل، وكرمه بالفهم، ووجهه بالتدبر والتفكر، فكان العقل من أكبر نعم الله على الإنسان، به يميز بين الخير والشر، والضار والنافع، به يسعد في حياته وبه يدبر أموره وشئونه، به يتمتع ويهنأ، به ترتقي الأمم وتتقدم الحياة.
العقل جوهرة ثمينة، يحوطها العقلاء بالرعاية والحماية اعترافًا بفضلها، وخوفًا من ضياعها وفقدانها.
وإذا ما فقد الإنسان عقله، لم يفرق بينه وبين سائر الحيوانات والجمادات، ومن فقد عقله لا نفع فيه ولا ينتفع به، بل هو عالة على أهله ومجتمعه.
هذا العقل الثمين يوجد في بني الإنسان من لا يعتني بأمره ولا يحيطه بسياج الحفظ والحماية.
بل هناك من يضيعه تحت قدميه، ويتبع شهوته وتعمى بصيرته، متى يكون ذلك ظاهرًا جليًا.
عندما يشرب صاحبه كأس خمر أو جرعة مخدر، أو عند استنشاق مسكر أو شرب مفتر، يفقد الإنسان عقله، فينسلخ من عالم الإنسانية ويلبس قميص الإجرام والفتك والفاحشة.
فتُشلّ الحياة وينسى السكران ربه، ويظلم نفسه ويمزق حياءه، أيتم أطفاله، وأرمل زوجته لما فقد عقله.
وبذلك كله يطرح ضرورة من الضروريات الخمس التي أجمعت الشرائع السماوية على وجوب حفظها ألا وهي ضرورة العقل، إنها واجبة الحفظ والرعاية، ففاقد العقل بالسكر أو المخدر يسيء إلى نفسه ومجتمعه، ويوقع مجتمعه وبني ملته في وهدة الذل والدمار، فيخل بالأمن ويروع المجتمع.
إن مستعملي المخدرات يفقدون السيطرة على ما تحت أيديهم وعلى عقولهم، وقد ذهب عشرات المئات من المسلمين بسبب المخدرات والمسكرات.
ارتفعت أرواحهم إلى ربهم يشكون الفسقة المجرمين ممن ألقوا بأنفسهم وأصحابهم إلى التهلكة، نعم لقد قضت هذه المخدرات على أرباب أسر زُج بعائليهم في السجون سنين عديدة، جزاء لما ارتكبوه، وبقيت أسرهم بلا عائل، ونساؤهم كالأرامل، وأولادهم كاليتامى، وأضاع شبابه وزهرة حياته، وحطم مستقبله بمعول أعدائه، وأصبحت السجون تئن بما أثقلت به.
فالكثير في غفلة مما حلّ به، وضعفاء العقول يتلقون ما جلبه الأعداء وروجه السماسرة المفسدون.
إنها مصائب حلت بالمسلمين، وهم في غفلة وانشغال عما يراد بهم، وقد عرف الأعداء المدخل على المسلمين.
وصدق الله العظيم حيث قال سبحانه في قوله: وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـ?تِلُونَكُمْ حَتَّى? يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:217] .
إن العجب كل العجب ممن يشتري بماله ما يفسده.
كيف لا يتعظ شاربها بمن نكبوا من أهلها، فدمرتهم تدميرًا، وكيف ينقل نفسه من جماعة العقلاء الشرفاء إلى طائفة المجانين مسلوبي العقل.
قال الحسن البصري رحمه الله، لو كان العقل يُشترى لتغالى الناس في ثمنه.
فكيف بمن يخرب عقله بنفسه، إنها لمصيبة حلت بأبناء المسلمين، نسأل الله الهداية.
وبذلك يكون تعاطي كل ما يذهب عقل الإنسان أو يفتره من الأشربة أو الأطعمة أو غير ذلك فإنه حرام.
واقتضت حكمة الإسلام تحريم القليل والكثير من الخمر والمسكرات والمخدرات، لأن القليل يستجر إلى الكثير، ثم إلى الاعتياد والإدمان، عن جابر قال: قال رسول الله: (( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) )رواه أبو داود والنسائي.
بل إن الصحابة الكرام فهموا من نص الآية أن الخمر لم تحرم فقط، وإنما جعلت عدلًا للشرك الذي هو أعظم ذنب يرتكبه الإنسان على الإطلاق.
عن ابن عباس قال: لما نزلت تحريم الخمر مشى أصحاب النبي بعضهم إلى بعض فقالوا: حرمت الخمر وجعلت عدلًا للشرك. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
وذلك أن الله تعالى قال في الخمر: رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ?لشَّيْطَـ?نِ [المائدة:90] ، وقال في الشرك فَ?جْتَنِبُواْ ?لرّجْسَ مِنَ ?لاْوْثَـ?نِ [الحج:30] .
ولقد تضافرت الأحاديث النبوية والقرآن الكريم على تحريم الخمر والتحذير منها، والنهي الشديد عن معاقرتها أو الاقتراب منها، فالخمر رمز الغواية والضلال وعنوان الفواحش والمنكرات كما جاء في الحديث ليلة الإسراء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( أُتي ليلة أُسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما ثم أخذ اللبن، فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، ولو أخذت الخمر غوت أمتك ) )رواه البخاري.
ومن الأحاديث النبوية التي تدل على تحريم الخمر، ما نقل عن رسول الله ، قال: (( ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت بها عليه الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية ) )رواه الطبراني بإسناد صحيح.
والذي يشرب الخمر في الدنيا يُحرم منها في الآخرة كما في الحديث عن ابن عمر أن رسول الله قال: (( من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها حُرمها في الآخرة ) )رواه البخاري ومسلم.
وفي الحديث عن النبي: (( لعن الله في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وساقيها، وشاربها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، والمشتراة له، كل أولئك ملعون على لسان محمد ) ).
ومما يجب الحذر منه الشجرة الملعونة وهي الحشيشة وغيرها من المخدرات الجهنمية التي تفتك بأجسام وعقول شاربيها فتجعلهم مختلي الوزن، ضعيفي القوة والعزيمة، فشرب هذه القاذورات يطمس البصر ويعمي البصيرة، ويجعل المرء عند الناس ناقص العدالة سيئ التصرف، يضحك من غير عجب، ويبكي من غير سبب، تدور عيناه كأنما يُغشى عليه من الموت.
كما أن أعداء الإسلام جعلوا للمخدرات أصنافًا وأنواعًا، فجعلوها على شكل حبوب مخدرة ضارة مركبة من الهروين، فمن أضرارها الصحية أنها تنشف الدماغ، وتحدث الخبل والغشيان والدوران، وضعف ضربات القلب، وتحدث التشنج في العصب وشلل الأطراف واختلال بالدورة الدموية كما تحدث لمستعملها الخوف والقلق، فهو يرى أن كل صيحة عليه، قد أحاطت به المخاوف من كل جانب، يخاف سوء العاقبة، وسوء الأمراض.
فهو متحلل من كل فضيلة، متلبس بكل رذيلة، فكم من الجرائم ارتكبت تحت تأثير المخدرات بأنواعها وكم من الفواحش والآثام اقترفت في غياب عقل الإنسان وإرادته، وكم من الأعراض انتهكت، وكم من الأموال سرقت، وكم من حوادث السير وقعت، وكم من بريء وبريئة خطفت، كلها تدخل تحت تأثير المخدرات.
عباد الله، أن أعداء الإسلام لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة، يحاولون الفتك بالمسلمين وبشباب الإسلام، وفي سبيل ذلك لجئوا إلى طريقة في تصنيع المخدرات تجعل تناولها وحملها سهلًا على الصغار قبل الكبار، حتى انتشرت لدى كثير من شباب المسلمين مع الأسف، وجعلت بعضهم وديع المستشفيات النفسية وبعضهم وديع السجون.
فقام أعداء الإسلام بزج كميات رهيبة من جميع أصناف المخدرات إلى بلاد المسلمين حسدًا من عند أنفسهم يريدون للأمة المسلمة أن تتورط بهذه السموم.
كما أن لنا أعداء من بني جلدتنا يتاجرون في هذه السموم، فيوجد في العالم العربي فقط نصف مليون تاجر مخدرات.
فاحذروا يا عباد الله واحذروا أيها الشباب التقليد والمجاملة لرفقاء السوء، بل على العاقل أن يبتعد عن مجالسهم السيئة، واحذر يا من ابتليت بشيء من هذه السموم، احذر أن تصم أذنيك، وأن تستغشي ثيابك حينما تسمع التوجيه من الموجهين، والنصيحة من الناصحين، بل كن من الذي لهم آذان يسمعون بها وقلوب يعقلون بها، لعلك أن تكون من الراشدين الشاكرين.
وأنتم أيها الآباء عليكم واجب مهم في هذا الباب، فالأبناء مستهدفون بهذه المخدرات فواجبكم مراقبتهم، والحرص عليهم والدعاء بإخلاص ونية صادقة أن يحفظنا جميعًا من هذه الأوبئة المدمرة.
والتعاون في محاربة هذا الوباء هو الحصن الحصين.
وحديثنا عن هذا الوباء الخطير من باب النصح والتوجيه وأخذ الحيطة، فأعداء الدين من حولنا يسلكون كل السبل للإيقاع بالإسلام وأهله والقضاء على شبابهم، أولئك الذي يجب على آبائهم أن يربوهم على الاستقامة والصلاح، ونبذ كل ضار ومفسد، فنكون بذلك ملبين نداء الخالق جل وعلا.
ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ?للَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .
فالله الله أن نكون كما أراد الله لنا، نوفي بما علينا من التزامات تجاه ربنا، ولا ننسى قول رسول الله: (( كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ) ).
ولنتعاون جميعًا مع ولاة أمورنا في صد كل هجمة شرسة تريد إلحاق الضرر بنا أو أذيتنا انطلاقًا من قوله تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ?لْبرِ وَ?لتَّقْوَى? [المائدة:2] .
حمانا الله من كل ضرر وشر، ووفقنا للصلاح والإصلاح، إنه مجيب الدعاء.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله وكفى وسلام على عبادة الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وقادنا إلى رضوان الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون حق تقواه واعملوا بطاعته واطلبوا رضاه.
عباد الله، إن الحق تبارك وتعالى يقول: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?سْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ?لْمَرْء وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] .
إن للمخدرات والمسكرات أضرارًا دينية وصحية واجتماعية.
أما أضرارها الدينية، فما ذكره الله تعالى في قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ ?لشَّيْطَـ?نُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ?لْعَدَاوَةَ وَ?لْبَغْضَاء فِى ?لْخَمْرِ وَ?لْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ?للَّهِ وَعَنِ ?لصَّلَو?ةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ [المائدة:91] .
فالمسكرات تصد عن الصلاة التي هي عِمادُ الدين، وتصد عن ذكر الله وتمنعُ صحبة الملائكة، لما روى البزارُ من حديث ابن عباس: (( لا تقربُ الملائكة سكران ) )وإذا تخلت عنه الملائكة اقترنت به الشياطين وفرح به قرينه، فما مدمنٍ على هذه المخدرات، وما من متعاط لها إلا وجدته ثقيلة عليه كلُ طاعة، مصروفًا قلبهُ عن الخيرات، مُحبًا للمحرمات، لأن قلبه قد اصطبغ بهذه القاذورات، فدينه في انتقاص، وحالهُ دائمًا في انتكاس.
وإننا لنحمد الله تعالى أننا في هذه البلاد بلاد الحرمين الشريفين من أفضل بلاد العالم في قلة انتشارها وفي الحرص على محاربتها، وإن كل عامل مخلص محب لدينه وأمته ليرفع تحية إكبار وإجلال للمسئولين في منافذ بلادنا، وفي الداخل لهؤلاء الرجال على سعيهم الدؤوب في محاربة المخدرات والمسكرات.
وندعو أنفسنا وإخواننا وكل غيور على بلاده وحرمات المسلمين أن يتعاون مع رجال الأمن وفقهم الله في الإبلاغ عن المروجين، والإخبار عن المهربين، وتحذير المتعاطين وكشف المتلاعبين، فذلك من باب قوله تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ?لْبرِ وَ?لتَّقْوَى? وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ?لإِثْمِ وَ?لْعُدْوَانِ [المائدة:2] ، وهذا يلزمنا جميعًا أن نتكاتف ونتعاون عسى الله تبارك وتعالى أن يحمي بلادنا وأبناءنا وشبابنا وذرياتنا من هذا الداء المهلك العضال، إنه تبارك وتعالى سميع مجيب الدعوات.
هذا وصلوا على رسول الله امتثالًا لأمر الله حيث أمرنا سبحانه بقوله: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيما [الأحزاب:56] .