فهرس الكتاب

الصفحة 5408 من 5777

ماذا ينقمون من الهيئة؟!

العلم والدعوة والجهاد

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عبد الله بن سعد قهبي

جدة

جامع أم القرى

1-الأمة القائمة على حدود الله. 2- النجاة للأمة المصلحة. 3- التحذير من التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 4- أهمية الصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 5- فضل رجال الحسبة. 6- الرد على الطاعنين والمستهزئين برجال الهيئة.

أيها المسلمون، إن الأمّة الّتي يقع فيها الفساد أيًّا كان نوعه وفي أيّ صورة من صوره ثم يوجد في تلك الأمّة من ينهض لدفعه أمّةٌ ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتّدمير، ولا يحل عليها السخط والغضب، قال تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اْلقُرَىْ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُوْنَ [هود: 117] . وإنّ البلاد الّتي لا يزال المصلحون ينهون فيها عن الفساد لهي بلاد محميّة مأمونة من عذاب الله، ومأمونة من أذى المجرمين بفضل الله ثم بفضل دعوة المصلحين من العلماء والدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الذين يجعلون بدعوتهم وتذكيرهم في قلب كل مسلم حارسا يحرس القلب من الهم بكلّ خطيئة من قتل أو سرقة أو منكر أو أذى. أتدرون من الحارس؟! إنه الإيمان، نعم الإيمان الذي يمنع المرء من الإخلال بأمن البلاد والعباد خوفا من الله وعقابه ونيل عذابه.

ولا عجب ولا غرابة اليوم حين نجد بلادنا وبشهادة الأعداء أنها أقلّ بلاد العالم في الجريمة وفشو المنكر، كل ذلك سببه بعد الله تعالى الإيمان الذي يوقد من وقت لآخر في قلوب المؤمنين المنتفعين بالذكرى على يد المصلحين من العلماء والدعاة، قال تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ اْلقُرُوْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوْا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ اْلفَسَادِ فِيْ اْلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيْلًا مِمَّنْ أنَجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا مَا أُتْرِفُوْا فِيْهِ وَكَانُوْا مُجْرِمِيْنَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اْلقُرَىْ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُوْنَ [هود: 116، 117] .

في هذه الآية الكريمة يبين جلّ جلاله أن النّجاة عند نزول العذاب هي من حقّ الأمة الآمرة بالمعروف والنّاهية عن المنكر فقط، أمّا من عداهم فهو هالك، سواءٌ فاعل الذنب أو السّاكت عنه، قال تعالى: فَلَمَّا نَسُوْا مَا ذُكِّرُوْا بِهِ أَنْجَيْنَا اْلَّذِيْنَ يَنْهَوْنَ عَنِ اْلسُّوْءِ وَأَخَذْنَا اْلَّذِيْنَ ظََلَمُوْا بِعَذَابٍ بَئِيْسٍ بِمَا كَانُوْا يَفْسُقُوْنَ [الأعراف: 165] .

ويحذّرنا المعصوم من التّهاون في هذا الأمر فيقول: (( كلا واللهِ، لتأمرنّ بالمعروفِ ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكرِ ولَتَأْخُذُنَّ على يدِ السّفيه وَلَتَأْطِرُنَّه على الحقِّ أَطْرًا أو ليضربنّ الله قلوبكم بقلوب بعضٍ، ثمّ ليلعنكم كما لعن بني إسرائيل ) )، وفي المسندِ وغيره قوله: (( يا أيّها النّاس، إنّ الله يقول: لتأمُرنَّ بالمعروف وَلَتَنْهَوُنَّ عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم ) ).

فالدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر تكليفٌ ليس بالهيّن ولا باليسير إذا نظرنا إلى طبيعته واصطدامه بشهوات النّفس، ففي النّاس المنحرفُ الّذي يكره الاستقامة، وفيهم الّذين ينكرون المعروف ويعرفون المنكر، فلا بد إذًا من وجود جماعةٍ تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهذا ما يدلّ عليه النّصُّ القرآنيّ الكريم: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُوْنَ إِلَى اْلخَيْرِ وَيَأْمُرُوْنَ بِاْلمَعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اْلمُنْكَرِ وَأُلَئِكَ هُمُ اْلمُفْلِحُوْنَ [آل عمران: 104] ، ومتى ما حقَّق العباد عبادةَ الله وقاموا بها خيرَ قيام أمَّنَهم الله من المخاوف، وحقَّق لهم الأمنَ في الدنيا والأمن في الآخرة، قال تعالى: الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [الأنعام: 82] ، ويقول سبحانه: وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ [النمل: 89] .

والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر موصوفون في كتاب الله بأنهم المفلحون، وما أعظمها من كرامة والله، قال تعالى: وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

من هنا نقول: أيها المحتسبون من رجال الهيئة، هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اصبروا وصابروا ورابطوا، واحتسبوا الأجر عند الله، وأبشروا بالعاقبة الحميدة إن شاء الله تعالى، قال تعالى على لسان لقمان حين وعظ ابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان: 17] . ونقول لكم: هنيئا لكم المكافأة التي وهبها لكم الله، فقال سبحانه: وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [التوبة: 88] ، وهنيئا لكم المكافأة التي وعدكم بها رسول الله فقال: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ) ).

عباد الله، كم نسمع في هذه الأيام وكم نقرأ ما يُنشر مِن سخريّة بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وحطٍّ من قدرهم ونيل من أعراضهم، وقد يخرجهم هذا من الإسلام وهم لا يشعرون، قال تعالى: أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: 2] . ونحن نقول لهؤلاء المنحرفين: ألم يكن محمد داعيا إلى الله آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر؟! لماذا لا تتأسّون به طالما تدَّعون أنه رسولكم ونبيكم؟! ألم يقل الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف: 157] ، فأين أنتم من هذه الآية، أم ترون أن في اتباعه رجوعا عن اتباع أسيادكم من اليهود والنصارى؟! هل تريدون أن تنزع الأمة لباس حيائها لتعيش عيشة البهائم التي يركب بعضها بعضا؟! لماذا تنازعوننا في لباس حيائنا وقيمنا وتمسكنا بديننا؟! أين أنتم من التوبيخ الإلهي الذي يقول الله فيه: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 49] ؟! أين أنتم من قول النبي: (( إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ) )رواه البخاري؟! والحرب من الله قد تكون في نفسك وأهلك ومالك.

أيها المسلمون، كان في عهد النبي جماعة من المنافقين سخروا من النبي وأصحابه، فأنزل الله قوله سبحانه: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65، 66] . أفلا يتّقي الله عزّ وجلّ هؤلاء ويقولون قولًا سديدًا ويعلمون أنّهم غدًا مُحاسبون على ما قدّمت أيديهم وكَتَبَتْه وما تلفّظت به ألسنتهم ونطقت به؟! فليكتبوا ما شاؤوا، وليقولوا ما شاؤوا، فسيقفون بين يدي خالقهم، وليس ثم إلا الجنة أو النار.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: 27] ، ويقول سبحانه: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: 29] .

فيا أيها اللامز، اليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل، فاعمل ما شئت فإنّك به مُدان، قال تعالى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: 79] .

أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِيْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى مَا فِيْ قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِيْ الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيْهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالْنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: 204، 205] .

أخيرا، هذه نصيحة من قلب صادق ناصح لهؤلاء المستهزئين بشعائر الله، أقول: عجبًا لكم! أما وجدتم ما تفترون وتستهزئون به إلا رجال الحسبة؟! أما وجدتم إلا هؤلاء الرجال الأبطال والجنود المجهولين الذين واصلوا سهر الليل بالنهار، وأبت عليهم هموم الأمة ومصائب المجتمع وحراسة الفضيلة التمتع بما يتمتع به غيرهم من إجازات صيفية وسياحة وبرية بل وصلوات رمضانية وتهجدات ليلية، قلوبهم تتقطع حسرة وهم يرون الوفود تتجه في العشر الأواخر من رمضان إلى بيوت الله مصلية عاكفة داعية وهم يجوبون الأسواق والمجمّعات يحفظون أعراض المسلمين، ثم يأتي متكئ على أريكته يتنعم بنعمة الأمن التي حفظها الله علينا ودفع ضدها بفضله ثم بجهود أولئك الأخيار فلا يجد له عملًا ولا شغلًا إلا التندّر برجال الحسبة، نقول لهؤلاء: اخسئوا فلن تعدوا قدركم، وقد فضح الله أمركم، وبان عواركم، وصدق الباري سبحانه: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِيْنَ سَبِيْلُ الْمُجْرِمِيْنَ [الأنعام: 55] ، ففي استبانة سُبُل المجرمين إيضاحٌ لسُبُل المهتدين ونجاه للمؤمنين المتقين.

فاللهم عليك بدعاة الفساد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، اللهم عليك بهم وبمن يؤيدهم، اللهم وأنزل عليهم بلاء يشغلهم وفتنة تفتك بهم، اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أسعد المؤمنين وأفرحهم بهلاك الظالمين يا رب العالمين...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت