الرقاق والأخلاق والآداب
آفات اللسان
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-المدح وبعض سلبياته. 2- النهي عن كلمة:"لو"وبيان مفاسدها. 3- النميمة وأضرارها. 4- وفقة محاسبة مع النمامين. 5- أمور ليست من النميمة. 6- النهي عن الغيبة. 7- أسباب وقوع الإنسان في الغيبة. 8- حالات يظن أنها ليست من الغيبة وهي غيبة. 9- حالات يجوز فيها الغيبة.
أما بعد: عباد الله، الآفات التى سوف نتكلم عنها في هذا الأسبوع ـ بعد توفيق الله عز وجل ـ هي آفة المدح، وآفة النهى عن لفظة:"لو"، وآفة النميمة، وآفة الغيبة.
أيها المسلمون، آفة المدح هي الآفة الثالثة عشرة من آفات اللسان وزلاته وعثراته، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في صحيحة: (( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ) )، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث معاوية رضى الله تعالى عنه: (( إياكم والتمادح؛ فإنه الذبح ) ).
إن المدح ـ يا عباد الله ـ له مساوئ كثيرة، ولا يمكن للمادح إلا أن يقع في أحد منها، فمن سلبيات المدح أنه قد يفرط فيه صاحبه فتنتهي به إلى الكذب؛ وذلك بأن يقوم المادح بذكر أوصاف ليست موجودة في الممدوح، وهذه هي مصيبة الشعراء في مدحهم وثنائهم على بعض الولاة، فيقومون بذكر أوصاف ليست فيهم، فيقعون في الكذب. قال خالد بن معدان:"من مدح إمامًا أو أحدًا بما ليس فيه على رؤوس الأشهاد بعثه الله يوم القيامة يتعثر بلسانه".
ومن سيئات المدح أيضًا أنه قد يدخله في الرياء؛ لأن المادح مظهر للحب ولا يعلم ما في قلبه حقيقة، ولا يعلم ما يعتقده، وقد يكون مبغضًا للممدوح لكن يمدحه لمصلحة معينة، فيكون بذلك مرائيًا منافقًا.
ومن سلبيات المدح أيضًا أنه قد يقول ما لا يعلمه ولا سبيل له إلى الاطلاع عليه، فيقوم بمدحه وذكر صفات قد لا تكون في الرجل الممدوح، عن أبي بكر رضي الله عنه أن رجلًا ذُكر عند النبي فأثنى عليه رجل خيرًا، فقال النبي: (( ويحك، قطعت عنق صاحبك ـ يقوله مرارًا ـ إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسبه الله ولا أزكى على الله أحدًا ) )، وعن أبى موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمع النبي رجلًا يثني على رجل ويطريه في المدح فقال: (( أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل ) ).
يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلًا يثني على رجل، فقال: أسافرت معه؟ قال: لا، قال: أخالطته في المبايعة والمعاملة؟ قال: لا، قال: فأنت جاره صباحَه ومساءه؟ قال: لا، فقال: والذى لا إله إلا هو، لا أراك تعرفه.
وأيضًا من سلبيات المدح ـ أيها الإخوة ـ أنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق، وذلك غير جائز، يقول الحسن البصرى رحمه الله تعالى:"من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصى الله تعالى في أرضه".
ومن مساوئ المدح أيضًا ـ يا عباد الله ـ أنه يحدث في نفس الممدوح الكبر والإعجاب، وهذا يقع فيه غالب الناس فإنها تتعاظم نفسه عندما يمدح، وتتطور القضية عنده، فيرضى عن نفسه ويعجَب بها، فيغتر عن العمل، ولهذا إذا انطلقت الألسنة بالثناء عليه ظن أنه قد أدرك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (( قطعت عنق صاحبك ) ).
أيها المسلمون، الآفة الرابعة عشرة من آفات اللسان: التلفظ بكلمة"لو"، لو فعلت كذا لكان كذا، أو ليتني فعلت كذا، وهذه لفظة منهي التلفظ بها يا عباد الله، ولكن مع الأسف كثيرًا ما نسمعها ولا ينجو منها أحد إلا من رحم ربي.
قال الله تعالى: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا [آل عمران:154] ، وقال سبحانه: الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان ) ).
نعم إن هذه الكلمة تفتح عمل الشيطان، هذه الكلمة التي شاع استعمالها وعمّ وطمّ، فلم يكد يخلو منها لسان إلا وتلفظ بها، ولا فم إلا وتفوه بها، إنهما حرفان فقط، ولكنهما تدلان على أشياء كثيرة وعظيمة، تدلان على ضيق صدر المتلفظ بهما، وضعف إيمانه بقدر الله تعالى، وعدم تسليمه واستسلامه لله سبحانه، دلت على سوء الخلُق مع الأزواج والأحباب والإخوة والأصحاب، دلت على نقصان الصبر، أجل إنها تفتح عمل الشيطان، عن أنس رضي الله عنه قال: ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله ، ولا شممت رائحة أطيب من رائحة رسول الله ، ولقد خدمت رسول الله عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا.
أجمِل به من خلق، وأحسِن به من ذوق إسلامي فاضل، أين نحن من هذه الأخلاق؟! ما أكثر تأففات القلب، وما أعظم تأففات اللسان، إنها نار تتأجج وحروف تلدغ وكلمات تقتل وأقوال تحرق، ويا لها من ألسنة.
ما أكثر ما يقول الناس: لم فعلت؟ ألا فعلت كذا وكذا؟ لو فعلت كذا، ويا ليتهم يعلمون أنهم يخطئون، بل يحسبون أنهم في هذا مهتدون.
اللهم اهدنا لكتابك وسنة نبيك العظيم، واجعلنا من المتخلّقين بأخلاقه النبوية عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
عباد الله، الآفة الخامسة عشرة من آفات اللسان النميمة، والنمام ـ يا عباد الله ـ هو الذي ينقل الحديث من إنسان إلى آخر على جهة الإفساد والشر.
قال الله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم:11] ، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا يدخل الجنة نمام ) )متفق عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله مرّ بقبرين فقال: (( إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ) ).
أيها النمامون، يا أعداء المحبة، يا هواة الفرقة والخلاف، انظروا لأنفسكم فعسى أن يكون قد اقترب أجلكم.
هل أشبعتم غيظكم وملأتم قلوبكم الحاقدة فرحًا وغبطة بالنميمة والأذى؟! ماذا جنيتم أيها البلهاء؟! أتظنون أنفسكم قد أحسنتم صنعا؟! فلا والله ما أحسنتم، كم فرقتم بين القلوب، وكم بألسنتكم الجائعة للشر قتلتم الأبرياء،كم حملتم من الأوزار والآثام والخطايا.
اعملوا ما شئتم فستجزون على كل ذلك، لا تحسبوه خيرًا لكم بل هو شر لكم، بئس السعاده هذه أن تفسدوا على المسلمين معيشتهم، ونِعم الشقاء الذي تعدونه شقاء أن يكفّ المرء لسانه عن إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، ويحكم يا ساقطي الهمة، ما أشدّ جبنكم، إنكم تقاتلون بالنميمة من وراء جدر محصنة، تتسللون لواذا، لا تقوون على المواجهة، بالخفاء تدبرون مؤامراتكم، عذاب الناس حياة قلوبكم وذهاب غمومكم، لبئس ما أنتم عليه من حال، ولبئس ما سيكون لكم من مآل.
فاتقوا الله أيها المسلمون، إن شر النميمة عظيم؛ مذمومة عند الله وعند عباد الله. لا تعرضوا أنفسكم لغضب الله تعالى بذكر الناس وأكل لحومهم.
يحكى أن رجلًا ذكر لعمر بن عبد العزيز رجلًا بشيء، فقال عمر: يا هذا، إن شئت نظرنا في أول فإن كنت صادقًا فأنت من أهل الآية: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] ، وإن كنت كاذبًا فأنت من أهل الآية: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم:11] ، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا.
أيها الإخوة، ليس من النميمة أن يخبر الرجل صاحبه بما يقال فيه إن كان في ذلك مصلحة كمأمور الزواج مثلًا، ودليل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: قسم رسول الله قسمة فقال رجل من الأنصار: والله، ما أراد بهذا وجه الله، فأتيت رسول الله فأخبرته، فتمعّر وجهه وقال: (( رحم الله موسى، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر ) ). فالرسول عليه الصلاة والسلام لم ينكر على الصحابي الذي نقل له الخبر بأن فلانًا قال كذا وكذا؛ لأن نقل الخبر كان لمصلحة فدل على جواز ذلك.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
أما بعد: عباد الله، الآفة السادسة عشرة من آفات اللسان: الغيبة، قال الله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:12] ، وقد عرف الرسول الغيبة بقوله في الحديث الصحيح: (( الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلقه ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره ) ).
أيها المسلمون، إن الإنسان الذي عود لسانه اغتياب الناس لا يمكن أن يكون يفعل ذالك من غير دوافع.
فمثلًا: بعض الناس يقع في الغيبة عن طريق الحسد، وهذا كثيرا ما تجده، يحسد رجلًا إما لمنزلته في قلوب الناس، أو لوفرة ماله، فيقع الحسد في قلبه عليه، فيترجم ذلك عن طريق الغيبة.
وبعض الناس يقعون في الغيبة من أجل اللعب والهزل وإضحاك الآخرين؛ تجده من أجل النكته يغتاب عباد الله، فإننا نُذكّر مثل هذا بقول الرسول: (( ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ) ).
ومن الناس من يمارس هواية الغيبة المحرمة لكثرة الفراغ عنده والشعور بالملل والسآمة، فيشغل وقته بذكر أعراض الناس وعيوبهم.
وبعض الناس يقع في الغيبة للتقرب لدى أصحاب الأعمال والمسؤولين، وهذا كثيرًا ما يحصل في مجال العمل؛ ليرتقى لمنصب أفضل، فيكون ارتقاؤه على أكتاف الآخرين.
ومن الناس من يوقعه لسانه في الغيبة لشعوره بالنقص، فيريد رفع نفسه، فليس له وسيلة كما يعتقد إلا بتنقيص غيره.
أيها المسلمون، هناك أمور يظن الناس أنها ليست من الغيبة وهي في حقيقتها غيبة محرمة وآفة من آفات اللسان، ولكن لاعتياد الناس عليها ظنوا أنها ليست من الغيبة.
فمن ذلك مثلًا: قد يغتاب الرجل شخصًا، ما فإذا أنكر عليه قال: أنا على استعداد للقول أمامه. فيا أخي المسلم، إن استعدادك للحديث أمامه أمر آخر مستقل، لا يمنع من أنك وقعت في غيبته.
ومن الأمثلة أيضًا: قول بعض الناس إن هذا صغير تجوز غيبته، فهذه أيضًا غيبة أيها الإخوة، وتعد من الكبائر؛ لأنه لا دليل على جواز غيبيه الصغير.
ومن الأمثلة الشائعة أيضًا: قولك: هذا هندي أو مصري أو بدوي أو قروي أو سباك أو غير ذلك إذا كان قلته تحقيرًا وتنقيصًا، فإنها تُعدّ من الغيبة وهي حرام.
أيها المسلمون، هناك ستة مواضع أجاز الإسلام للشخص فيها أن يغتاب:
الموضع الأول: حال التظلم، كالتظلم للسطان أوالقاضي أو ولي الأمر، ودليل ذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ـ عندما اشتكت هند زوجها أبا سفيان، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال عليه الصلاة والسلام ـ: (( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) ).
الموضع الثاني الذي يجوز فيه الغيبة: حال الاستفتاء؛ كأن يقول للمفتى: ظلمني فلان فما طريقي في الخلاص.
الموضع الثالث: حال الاستعانة على تغيير منكر أو رفع بلاء عن مسلم.
الموضع الرابع: حال تحذير المسلمين ونصحهم من أصحاب الشر، ويدخل فيه المشاورة في أمور الزواج أو المشاركة أو المجاورة ونحو ذلك.
الموضع الخامس: في ذكر المجاهر بما فيه أو صاحب البدعة ببدعته. عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا استأذن على النبي فقال: (( ائذنوا له، بئس أخو العشيرة ) ).
قال النووي في رياض الصالحين:"احتج البخاري به في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب".
الموضع السادس:حال التعريف إن كان معروفًا بلقب معين، كالأعرج والأصم والأعمى ونحو ذلك، ولا يحل إطلاقه على وجه التحقير والتنقيص، وإن أمكن تعريفه بغير ذلك فهو أفضل وأولى.