الرقاق والأخلاق والآداب
فضائل الأعمال
خالد بن محمد الشارخ
الرياض
اللحيدان
1-الدنيا سفر والآخرة دار المقام. 2- من الناس من يصل إلى الجنة، ومنهم من يصل إلى النار. 3- السابقون بالخيرات. 4- السائرون إلى الجنة يلزمهم العلم والعمل. 5- أنواع الناس وأقسامهم في تحصيل العلم والعمل. 6- صور من عبادة السلف.
أما بعد:
إخوة الإيمان، فالعبد من حين استقرت قدمه في هذه الدنيا, فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كُتب له إلى أجله. فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل سفره، فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر.
ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان:
فقسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاء، فكلما قطعوا منها مرحلة, قربوا من تلك الدار, وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته، فقطعوا تلك المراحل بمساخط الله ومعاداة رسله وأوليائه ودينه, والسعي في إطفاء نوره, وإبطال دعوته, وإقامة دعوة غيره, وحاديهم في السفر إبليس اللعين، وأزِّ الشياطين. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا ?لشَّيَـ?طِينَ عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم:83] ، أي تزعجهم إلى المعاصي والكفر إزعاجًا وتسوقهم سوقًا.
والقسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام، وهم ثلاثة أقسام:
ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعى إلى الله، ولكنهم متفاوتون في التزود للسير وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه.
فالظالم لنفسه مقصر في الزاد, غير آخذ منه ما يبلغه المنزل، قضى نهاره بالنوم وليله باللهو، قد قطع أيامه بين هذه وتلك، وليس له في حياته إلا تقطيع الساعات وإضاعتها، دون عمل يؤهله لمشاركة الصالحين، أو يمكنه من اللحوق بركب السائرين.
وأما المقتصد فقد اقتصر من الزاد, على ما يبلغه الطريق فحسب، ولم يشدّ مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، إلا أنه لم يتزود بما يضره في سفره, فهو سالم غانم؛ لكن فاتته المتاجر الرابحة، وأنواع المكاسب الفاخرة.
وأما السابق بالخيرات: فهمه في تحصيل الأرباح فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، قد ملأ وقته تسبيحًا وذكرًا، وتلاوةً ووردًا.
فيالله! كم من دمعة سكبها لله! ولله كم من ليلة قطعها بالصلاة يراوح بين جبهته وقدميه! فلله دره!
ونسأل الله أن يُلحقنا بركبه, وأن يجعلنا منهم، وأن لا يحرمنا الله من فضله.
فاختر لنفسك أحد القسمين, وأنزل فيما شئت من المنزلتين، ولا بد لكل نعمة من حاسد ولكل حق من جاحد ومعاند.
أيها المسلمون, إذا تقرر هذا المعنى وعرفنا وأيقنا جميعًا أننا في طريق سفر، وإن كنا مقيمين في منازلنا ودورنا وبين ذرارينا وأهلينا، وأن الطريق موحشة ومفازة منقطعة، تتخللها معاطب ومهالك ودونها قطاع طريق، وقطاع سبيل. إذا تقرر هذا, فاعلم -يا رعاك الله- أن السائر إلى الله والدار الآخرة بل كل سائر إلى مقصد, لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية، وقوة عملية.
فبالقوة العلمية يُبصر مواقع الطريق، وبالقوة العملية يصل إلى منتهى الطريق.
فبالقوة العلمية يعرف الطريق، ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل.
فقوته العلمية كنوز عظيمة بيده, يمشي في ليلة عظيمة مظلمة شديدة الظلمة، فهو يبصر بذلك النور ما يقع الماشي في الظلمة في مثله من المتالف, ويعثر به من الأحجار والشوك وغيره.
وبالقوة العملية يسير في الطريق ويقطع الليالي والأيام مسافرًا إلى ربه.
والناس في هذا على ثلاثة أقسام:
إما إنسان ليس له قوة علمية ولا عملية, وهذا هالك لا محالة.
وإما إنسان له قوة علمية تكشف له عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارفها ومعاثرها، يعرف الفضائل، يدرك المحرمات، ويعرف مواقع رضا الله، ويعلم مواقع سخطه، يتلو القرآن ويحفظ الحديث أحيانًا، فعنده قوة علمية لكنه ضعيف في القوة العملية, يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحقر العمل، وإذا حقر العمل شارك الجهال في التخلف، فارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمه الله، ولا قوة إلا بالله.
وأما الإنسان الذي له قوة عملية وهمة عالية في الطاعة والعبادة والخير والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والجد والتشمير في العمل ولكنه ضعيف القوة العلمية, فهو أعمى لا يبصر مواقع الرضا، قلبه ضعيف عند ورود الشبهات عليه.
والسعيد حق السعادة والفائز حق الفوز من له القوتان، القوة العلمية الكاشفة له عن الطريق ومهالكه، والقوة العملية التي يشمر بها إلى العمل، فهو سائر إلى ربه, يبصر الطريق وأعلامها ويبصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها.
ومن بلغ هذه المرتبة, فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر, وهو أن يضع عصاه على عاتقه, ويشمر نافرًا في الطريق قاطعًا منازلها منزلة بعد منزلة، فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى، واستشعر القرب من المنزل فهانت عليه مشقة السفر.
وكلما سكنت نفسُه من تعب السير ومواصلة الرحيل وعدها قرب التلاقي وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطًا وفرحًا وهمة، فهو يقول: يا نفس أبشري فقد قرب المنزل، ودنا التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة.
فإن صبرت وواصلت السير وصلت حميدة مسرورة، وتلقتك الأحبة بأنواع الكرامات وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة، فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، وعمرك درجة من درجات تلك الساعة.
فاللهَ اللهَ لا تنقطعي في المفازة فهو والله الهلاك والخسارة لو كنت تعلمين فإن استعصت عليه فليُذكِّرها ما أمامها من أحبابها، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء.
إن رجعت فإلى أعدائها رجوعها، وإن تقدمت فإلى أحبابها مصيرها.
وإن أحس بالوحشة في الطريق فليعلم أن هذه وحشة لا تدوم بل هي من عوارض الطريق فسوف تزول، وسوف يخرج إليه المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم، فيا قرة عينه إذ ذاك! ويا فرحته إذ يقول: ي?لَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ ?لْمُكْرَمِينَ [يس:26، 27] .
لا يستوحش مما يجده من تعب الطاعة وقلة الراحة، فإن دون هذا التعب راحة أبدية وحياة سرمدية، يتنعم فيها بالملذات والأنس بالأحبة, وفوق هذا كله يرى ربه في الجنان, وأنعم بها من تاج كرامة ووسام وحباوة.
والمحروم كل المحروم من عرف طريق الله ثم أعرض عنها, ورأى بريق الفضائل وذاق حلاوة محبة الله، ثم أعرض عنها وتركها، هابطًا من الأوج الأعلى إلى الحضيض الأدنى، قد مضت عليه برهة من أوقاته وكان همه الله وبغيته رضاه, وإيثاره على كل ما سواه, على ذلك يصبح ويمسي، وكان الله في تلك الحال وليه لأنه ولي من تولاه وحبيب من أحبه ووالاه، فأصبح في سجن الهوى بعد أن كان في طاعة الله، وفي أسر العدو مقيمًا، وفي بئر المعصية ساقطًا.
كان قلبه يحوم حول العرش فأصبح محبوسًا في أسفل الحش.
فأصبح كالبازي المنتف ريشه يرى حسرات كلما طار طائر
وقد كان دهرًا في الرياض منعمًا على كل ما يهوى من الصيد قادر
إلى أن أصابته من الدهر نكبةٌ إذا هو مقصوص الجناحين حاسر
فيا من ذاق شيئًا من معرفة ربه ومحبته ثم أعرض عنها واستبدل بغيرها منها, يا عجبًا له بأي شيء تعوض؟!
وكيف قر قراره فما طلب الرجوع إلى عبادته وما تعرض؟
كيف طاوعه قلبه على الاصطبار ووافقه على مساكنة الأخيار؟
فيا معرضًا عن حياته الدائمة ونعيمه المقيم، ويا بائعًا سعادته العظمى بالعذاب الأليم, إنما هي لذة فانية وشهوة منقضية، تذهب لذاتها وتبقى حسراتها، فرح ساعة لا شهر، وغم سنة بل دهر، طعام لذيذ مسموم, أوله لذة وآخره هلاك.
فسوف يندم حين لا تنفع الندامة ويستقيل حين لا تقبل الاستقالة.
فطوبى لمن أقبل على الله بكليته، وعكف عليه بإرادته ومحبته، فإن الله يقبل عليه بمحبته وعطفه ورحمته. وإن الله إذا أقبل على عبد استنارت جهاته وأشرقت ساحاته وتنورت ظلماته، وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال.
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قلت ما قد سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه, أما بعد, اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسامكم على النار لا تقوى، واعلموا أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرًا.
أيها المسلمون, لعلكم بعد هذه الكلمات قد رقت قلوبكم، وسمت نفوسكم إلى المسابقة في الخيرات والمسارعة لإرضاء رب الأرض والسموات.
فلا تستوحش ولا تسأم فلست بالطريق وحدك بل معك أناس قد شمروا وعملوا.
فإما أناس قد سبقوك إلى الدار الآخرة، وإما أناس يعيشون معك على ظهر هذه الدار.
وهذه بعض أخبار السلف في العبادة وتشميرهم في الطاعة لتكون حادينا في الطريق ونقطع بها سويًا عناء السفر, فكم والله لأخبار السلف من لذة, وزيادة في الهمة، ومن أراد ذلك فعليه بكتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، وعليكم به فإنه يُزهد في الدنيا ويُرَغِّب في الآخرة.
قال حماد بن سلمة:"ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعًا، فكنا نرى أنه لا يحسن يعص الله عز وجل".
قال أبو عوانة:"لو قيل لمنصور بن زذان: أنك ميت اليوم أو غدًا ما كان عنده من مزيد في العبادة".
وقال خلف بن حوشب:"كنا مع الربيع بن أبي راشد فسمع رجلًا يقرأ ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ?لْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـ?كُمْ مّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ [الحج: 5] ، فقال: لولا أن أخالف من كان قبلي ما زايلت مسكني حتى أموت".
وقال إسحاق بن إبراهيم:"كنا في مجلس الثوري وهو يسأل رجلًا رجلًا عما يصنع في ليله فيخبره حتى دار القوم، فقال: أنت كيف تصنع؟ فقال: لها عندي [يعني نفسه] أول نومة تنام ما شاءت لا أمنعها فإذا استيقظت فلا أقيلها والله".
وكان صفوان لا ينام إلا جالسًا منذ أربعين سنة.
اللهم أيقظنا من سبات الغفلات وارزقنا توبة قبل الممات يا سميع الدعاء.
اللهم أعز الإسلام...