فهرس الكتاب

الصفحة 2058 من 5777

موعظة من كتاب الله: مع من نحن؟

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

أمراض القلوب, القرآن والتفسير

أمين بن نور الدين بتقة

بوزريعة

عثمان بن عفان

1-وقفة مع الغافلين عن الآخرة. 2- حال المؤمنين الخائفين الوجلين. 3- صفات الغافلين.

أما بعد:

أيها المؤمنون، الناس في هذه الدنيا قسمان: نائم متكاسل ويقظ عامل. فالأول هو الذي أقبل على الدنيا حتى أنسته الآخرة، فهو في نار الجحيم، والثاني هو الذي أنزل هذه الدار منزلتها، ولم يرفعها أكثر من قدرها، فهو في جنات النعيم.

قال الله تعالى: إَنَّ ?لَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِ?لْحَيو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?طْمَأَنُّواْ بِهَا وَ?لَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـ?تِنَا غَـ?فِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ ?لنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ?لأنْهَـ?رُ فِي جَنَّـ?تِ ?لنَّعِيمِ دَعْو?هُمْ فِيهَا سُبْحَـ?نَكَ ?للَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [يونس:7-10] .

إنها النار، عذاب العزيز الجبار، النار الحامية التي تنسي صبغةٌ منها أنعمَ أهل الدنيا من أهل النار كلَّ لذاته الماضية. فمن هم أهلها؟

إنهم المنهمكون في الشهوات، الغافلون عن الآيات البينات، الكافرون برب الأرض والسماوات.

?لَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ، لا يتوقعونه أبدا، فلا يخشوننا، نحن الذين بالعذاب توعدناهم، ولا يرجوننا، نحن الذين بالفوز والسلامة وعدناهم، دائما هذه حالهم، يعلمون اليوم الآخر لكنهم غير متيقنين منه، فلا خوف ولا رجاء، بل تحقق فيهم أنهم وَرَضُواْ بِ?لْحَيو?ةِ ?لدُّنْيَا بدلا عن الآخرة فلها يعملون، واطمأنوا بها فسكنت أنفسهم لها، وفرحوا بها، حتى لم يخطر ببالهم ما ينتظرهم من العذاب، ثم لم يكفهم هذا التكالب على الدنيا ونسيان الآخرة، حتى زادوا أنهم عَنْ ءايَـ?تِنَا غَـ?فِلُونَ ، فيظنون أنها ظواهر طبيعية كونية فقط، لم يقولوا أبدا: إن هذا الإتقان الموجود في الكون يدل على حكمة الله، وأن من رحمته أن جعل الليل سكنا والنهار معاشا، ومن عزته أن يزلزل الأرض، ويمنع الأمطار، ومن رحمته أن ينزل الغيث، وينشئ الرياح، إلى غير ذلك.

فهم غافلون عن كل هذا، وهم غافلون أيضا عن الآيات الشرعية فلا يرفعون للوحي رأسا.

فبهذين الأمرين: التعلق بالدنيا الدنية، والابتعاد عن السنن الشرعية والكونية استحقوا العذاب، أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ الذي يلتجئون إليه ?لنَّارُ ، وليس ما اطمأنوا إليه، بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ فعليه كانوا يداومون، وله كانوا يعملون، وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ [الأعراف:177] .

أمّا الذين آمنوا بالله واليوم الآخر فقدموا لأنفسهم، ففي الغرفات هم آمنون، إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ?لأنْهَـ?رُ فِي جَنَّـ?تِ ?لنَّعِيمِ دَعْو?هُمْ فِيهَا سُبْحَـ?نَكَ ?للَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [يونس:9، 10] .

أيها المسلمون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن لكم.

إَنَّ ?لَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ، ها أنت ممن يرجو لقاء الله، فتخافه بترك معاصيه والتوبة منها، وترجاه بفعل الطاعات والإكثار منها، (( من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة ) ) [1] .

وَرَضُواْ بِ?لْحَيو?ةِ ?لدُّنْيَا بدلا عن الآخرة، فلها يعملون، أولئك الذين قال الله فيهم: مَن كَانَ يُرِيدُ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ ?لَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ إِلاَّ ?لنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:15، 16] . لا يرجون بعباداتهم الآخرة بل الدنيا فقط.

عابد الدينار هو الراضي بالدنيا، (( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط ) ) [2] ، هو الذي يعمر دنياه على حساب آخرته، دخل أحدهم على فاضل فقال له: أين متاعكم؟ فقال: إن لنا بيتا نوجه إليه متاعنا، فقال له: إنه لا بد لك من متاع ما دمت هنا، فقال: صاحب الدار لا يدعنا فيها.

فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل

إن الذي لا يرجو من عبادته إلا السلامة في الدنيا، ولا يطلب خير الآخرة هو من الراضين بالدنيا، كل من لم يطمع في الآخرة، ولم يعمل لها كان فيه من الرضا بالدنيا بحسبه، فمستقل ومستكثر.

وَ?طْمَأَنُّواْ بِهَا فلم يؤمنوا باليوم الآخر، أو هو عندهم حديث نفس فقط، فلم يروا أنفسهم مغادرين هذه الدنيا، ولم ينزعجوا لذلك، فأخلدوا إلى الأرض.

أما المؤمن فهو في غربة، (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ) [3] .

والغريب همّه أن يجمع في رحله ومتاعه ما ينفعه إذا رجع إلى وطنه الأم، ووطنك الأم ـ يا عبد الله ـ هو الجنة.

فحي على جنات النعيم فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم

هذا في الإقبال على الدنيا.

أمّا في الإعراض عن الآيات، وَ?لَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـ?تِنَا غَـ?فِلُونَ ، فحاسب نفسك ـ يا عبد الله ـ كم مجلسا للعلم تحضره في الأسبوع؟ وكم من آية تقرؤها؟ وكم مرّة قلّبت فكرك في الكون باحثا عن العبر والعظات والحكم الإلهية؟ وكل إنسان يعرف نفسه، بَلِ ?لإِنسَـ?نُ عَلَى? نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14] .

إَنَّ ?لَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِ?لْحَيو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?طْمَأَنُّواْ بِهَا وَ?لَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـ?تِنَا غَـ?فِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ ?لنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ?لأنْهَـ?رُ فِي جَنَّـ?تِ ?لنَّعِيمِ دَعْو?هُمْ فِيهَا سُبْحَـ?نَكَ ?للَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [يونس:7-10] .

فلنتب إلى الله أيها المسلمون، ولنحافظ على دينه.

اللهم ثبتنا على دينك...

[1] أخرجه الترمذي في صفة القيامة [2450] ، والبيهقي في الشعب (1/512) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال:"حسن غريب"، وصححه الحاكم (4/343) ، وقال الألباني في صحيح الترغيب [3377] :"صحيح لغيره".

[2] أخرجه البخاري في الرقاق [6435] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري في الرقاق [6416] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت