فهرس الكتاب

الصفحة 4502 من 5777

من عجائب الآيات: النحل

التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة

أعمال القلوب, الربوبية, مخلوقات الله

حمادة بن غازي أبو عبيد

طور سيناء

جامع الكيلاني

1-دعوة للتأمل والتدبر في مخلوقات الله وملكوته. 2- حقائق وأسرار في حياة النحل. 3- دروس وعبر مستفادة من حياة النحل.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد: فحياكم الله أيها الإخوة الأحباب، والله أسأل أن يجمعنا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

"من عجائب الآيات"هذا هو عنوان لقائي مع حضراتكم في هذا اليوم الطيب المبارك، والذي نقضيه في بيت من بيوت الله العامرة مع هذه الوجوه النيرة، وسأطوف مع حضراتكم حول هذا الموضوع من خلال العناصر التالية: أولًا: دعوة للتأمل والتدبر. ثانيًا: آية عجيبة. ثالثًا: دروس وعبر. والله أسأل أن يعلمنا ما جهلنا وأن ينفعنا بما علمنا.

أولًا: دعوة للتأمل والتدبر:

أحبتي في الله، إن الكون كتاب مفتوح جعله الله تبارك وتعالى ليُقرَأ بكل لغة وبكل لسان، ويدرك بكل الحواس وبأي وسيلة للوقوف على صنع الله الذي أتقن كلّ شيء، والذي أعطى كل شيء خلقة ثم هدى. هذا الإبداع الرباني الذي ينطق بعظمة الخالق جل وعلا؛ السماء وارتفاعها واتساعها وما فيها من مجرّات دائرة وكواكب نيرة ونجوم زاهرة، والأرض وانبساطها وانخفاضها وما فيها من جبال وبحار وثمار وأشجار وأنهار وإنسان وحيوان، تجعل القلب ينطق قبل اللّسان: أإله مع الله؟! قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ءَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ءَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ ءَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ءَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ءَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:59-64] .

لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك

ولعل ما فِي النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك

والكون مشحون بأسرار إذا حاولْتَ تفسيرًا لها أعياك

قل للطبيب تَخطَّفته يد الردى من يا طبيب بطبِّه أرْدَاك؟!

قل للمريض نَجا وعُوفِيَ بعدما عجزت فنون الطب: من عافاك؟!

قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاك؟!

قل للبصير وكان يَحذر حفرة فهَوَى بها من ذا الذي أهواك؟!

بل سائل الأعمى خَطَا بين الزحا م بلا اصطدام من يقود خطاك؟!!

قل للجنين يعيش معزولا بلا راعٍ ومرعى ما الذي يرعاك؟!!

قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك؟!!

وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حَشَاكَ؟!!

واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تَحيا وهذا السمُّ يملأ فَاكَ؟!

واسأل بطون النَّحل كيف تقاطرت شهدًا وقل للشهد من حلاَّك؟!!!

بل سائل اللبن الْمُصَفَّى كان بين دم وفرث ما الذي صفَّاك؟!

وإذا رأيت الْحي يَخرج من حَنَايا ميتٍ فاسأله من أحياك؟!!

قل للهواء تَحثُّه الأيدي ويخفى عن عيون الناس من أخفاك؟!

قل للنبات يَجفُّ بعد تعهُّدٍ ورعاية من بالجفاف رَمَاك؟!!

وإذا رأيت النَّبت في الصحراء يربو وحده فاسأله من أَرْبَاكَ؟!!

وإذا رأيت البدر يسري ناشرًا أنواره فاسأله من أسْرَاك؟!

واسأل شعاع الشمس يدنو وهي أبعد كل شيء ما الذي أدناك؟!

قل للمرير من الثمار من الذي بالمرِّ من دون الثمار غذاك؟!

وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من يا نَخل شقَّ نواك؟!

وإذا رأيت النار شبَّ لَهيبها فاسأل لهيب النار من أوراك؟!

وإذا ترى الجبل الأشَمَّ مناطحًا قِمم السَّحاب فسَلْه من أرساك

وإذا ترى صخرًا تفجر بالْمياه فسله من بالماء شقَّ صَفَاك؟!!

وإذا رأيت النهر بالعذب الزُّلال جرى فسَلْه من الذي أجراك؟!

وإذا رأيت البحر بالملح الأُجاج طغى فسَلْه من الذي أطغاك؟!!

وإذا رأيت الليل يغشى داجيًا فاسأله من يا ليل حاك دُجاك؟!

وإذا رأيت الصُّبح يسفر ضاحيًا فاسأله من يا صبح صاغ ضُحَاك

إنه الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

أين أنت ـ يا عبد الله ـ من التدبر في آيات الله؟! بل في نفسك أنت مَن الذي ركبك ذلك التركيب البديع؟! وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:20، 21] . هل جلست مع نفسك جلسة مغلقة لتحدثها عن آيات الله في كونه؟! هل قلت لها: ويحك أين أنت من آيات الله؟! فالتدبر والتفكر من أعظم العبادات، وهو من عبادات الأنبياء؛ نبي الله إبراهيم لما أراد الوصول إلى الحقيقة قال عنه ربه: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ [الأنعام:75] ، ورسول الله في غار حراء قبل البعثة يجلس طويلا ليتدبر آيات الله في الكون، بل الأعرابي الذي يسكن الصحراء لما سئل: كيف عرفت الله؟ قال: سبحان الله! إن البعر يدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟! سبحانه.

سل الواحة الخضراء والماء جاريا وهذه الصحاري والجبال الرواسي

سل الروض مزدانًا سل الزهر والندى سل الليل والإصباح والطيْر شاديا

وسل هذه الأنسام والأرض والسما وسل كل شيءٍ تسمع الحمد ساريا

فلو جم هذا الليل وامتد سرمدًا فمن غير ربِّي يرجع الصبح ثانيا؟!

ولذلك كان التفكر من أفضل العبادات، فهو يورث الحكمة، ويحيي القلوب، ويغرس فيها الخوف والخشية من الله عز وجل. فما طالت فكرة امرئ قط إلا علم، وما علم امرؤ قط إلا عمل، ولو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل، والفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك.

قال أبو سليمان الداراني:"إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله فيه نعمة ولي فيه عبرة"، ولما سئلت أم الدرداء عن أفضل عبادة أبي الدرداء قالت: التفكر والاعتبار، وعن محمد بن كعب القرظي قال:"لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ (إذا زلزلت) والقارعة لا أزيد عليهما وأتردد فيهما وأتفكر أحب إلى من أن أهذّ القرآن ليلتي هذًا ـ أو قال: ـ أنثره نثرًا"، وعن طاوس قال:"قال الحواريون لعيسى ابن مريم: يا روح الله، هل على الأرض اليوم مثلك؟ فقال: نعم من كان منطقه ذكرًا وصمته فكرًا ونظره عبرة فإنه مثلي".

والتفكر يكون في نعم الله وفي كل شيء إلا في ذات الله تعالى، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُو السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] .

وقد كثر الحديث في كتاب الله تعالى عن الاعتبار والتدبر والنظر والتفكر، قال تعالي: يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَُ [البقرة:219] ، وقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام:50] ، وقال: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [الروم: 8] ، وعن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة، فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أماه كما قال الأول:"زُر غِبًّا تزدد حبًّا"، قال فقالت: دعونا من رطانتكم هذه، قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ، قال: فسكتت، ثم قالت: لما كانت ليلة من الليالي قال: (( يا عائشة، ذريني أتعبّد الليلة لربي ) )، قلت: والله، إني لأحب قربك وأحبّ ما سرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بلّ حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟! قال: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! لقد نزلت على الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ [آل عمران:190] ) ).

فلله في كونه آيات عجيبة تستحق الوقوف أمامها طويلًا، وهذا هو عنصرنا الثاني مع حضراتكم، ألا وهو: آية عجيبة:

إنها مخلوق صغير الحجم عظيم المنفعة، قد تنظر إليه ولا تعطيه أي اهتمام على الإطلاق، بل منا من لم يفكر فيه من الأصل، ومنا من ينظر إليه على أنه مصلحة مالية تجارية دون العبرة والاتعاظ. إنها النحلة التي شبه رسول الله المؤمن بها، تخيّل ذلك الإنسان وما به من حواس ومَلَكات يشبهه رسول الله بهذا المخلوق الصغير الضعيف، ولكن لعظيم فائدته قال رسول الله ـ كما في أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وقال الهيثمي:"رجاله رجال الصحيح"ـ: (( والذي نفسي بيده، إن مثل المؤمن كمثل النحلة؛ إن أكلت أكلت طيبًا، وإن وضعت وضعت طيبًا، وإن وقعت على عود لم تكسره ولم تفسده ) ). جاء في شعب البيهقي عن مجاهد قال: صاحبت عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة، فما سمعته يحدث عن رسول الله إلا هذا الحديث: (( إن مثل المؤمن كمثل النحلة؛ إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك، وكل شأنه منافع ) ).

هذا المخلوق لو نظرت إلى تركيبه البديع وكيف وضع الله فيه من عجائب لوجدت العجب العجاب؛ النحل مأمور بالأكل من كل الثمرات خلافًا لكثير من الحشرات التي تعيش على نوع معين من الغذاء، وتعجب أنها لا تأكل من التبغ، فلا تأكل إلا الطيبات، فهل يعتبر بذلك أهل الغفلات؟! زودها الله بقرنين استشعار، وجعل فيهما شعيرات عصبية دقيقة يصل عددها إلى ثلاثين ألفًا، تشكل حاسة الشم والسمع واللمس، وتعمل كالكشاف في ظلام الخلية، فسبحان من وهبها ذاك وبه زودها.

للنحلة عيون كثيرة؛ في حافتي الرأس عينان، وعينان أخريان في أعلى الرأس، وتحتهما عين ثالثة، مما جعل لها سعة أفق في النظر، فالنحلة ترى أقصى اليمين وأقصى الشمال والبعيد والقريب في وقت واحد، علمًا بأن عيونها لا تتحرك، ولذا فالنحل يعيش في أماكن يكون فيها السحاب معظم شهور السنة، مع أن رؤية الشمس ـ كما هو معلوم ـ ضرورية لمعرفة مكان الحقول التي فيها غذاء النحل، وهنا تكمن الحكمة في قوة رؤية النحل، فبإمكانها رؤية الشمس من خلال السحب، كل ذلك لئلا يموت جوعًا في حالة اختفاء الشمس خلف الغمام كما هو في بعض البلدان. إنها لحقيقة مذهلة تدل على حكمة الله وقدرة الله ووحدانية الله وكمال تدبيره، فتبارك الله أحسن الخالقين.

أما فم النحلة فمن أعاجيب خلق الله في خلقه، إذ هو مزوّد بما يمكّنه من أداء جميع الوظائف الحيوية؛ فهو يقضم ويلحس ويمضغ ويمتص، وهو مع هذا شديد الحساسية لما هو حلو الطعم طبيعيًا، ولا يتحرج من المواد المرة إذ يحولها إلى حلوة بإذن ربه الذي ألهمه، فسبحانه وبحمده لا شريك له.

أما سمع النحل فدقيق جدًا؛ يتأثر بأصوات وذبذبات لا تستطيع أن تنقلها أذن الإنسان، فسبحان من زوده بها. وتحمل مع ذلك النحلة ضعفي وزنها، وبسرعة أربعمائة خفقة جناح في الثانية الواحدة، فسبحان الله! سبحان من خلق فسوى وقدر فهدى! فمن الذي هداها إلى ذلك؟! إنه الله رب العالمين، فتبارك الله أحسن الخالقين.

ومع ذلك ـ أحبتي في الله ـ لنا معها وقفات فيها دروس وعبر، ذلك المخلوق الصغير لنقارن بيننا وبينها، وهذا هو العنصر الثالث والأخير، والذي نتعرف عليه بعد جلسة الاستراحة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله ولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين.

ثم أما بعد: هيا بنا ـ أحبتي في الله ـ نطوف مع حضراتكم مع هذا العنصر المهم حول وقفات لنأخذ منها الدروس والعبر:

تعالوا بنا لنقف على هذا المخلوق، كيف يتعامل مع ربه سبحانه وتعالى؟ وكيف نتعامل نحن مع الله؟ وهذه هي الوقفة الأولى؛ طاعة وامتثال يظهر فيها حسن تعامل النحل مع أوامر ربه، يظهر فيها كيف يتعامل هذا المخلوق مع أوامر الخالق، فمنذ أن أوحى الله سبحانه وتعالى إلى النحل بقوله: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا [النحل:68، 69] ، منذ ذلك الوقت يستحيل أن تجد للنحل بيوتا في غير هذه الأمكنة الثلاث: الجبال والشجر والبيوت، على نفس ترتيب الآية. أمرٌ من الله أعقبه تنفيذ من النحل بلا تسويف ولا تحايل ولا تباطؤ. أين أنت ـ يا عبد الله ـ فيما أمرك الله به، لِمَ تجعل الله أهون الناظرين إليك؟! لِمَ نتباطأ في تنفيذ أوامر الله؟! مع الله هذا المخلوق ينفذ أمر ربه دون مماطلة ولا تسويف، بل انظر إلى حسن الامتثال وكمال السمع والطاعة عند النحل تجد أيضا أن أكثر بيوت النحل في الجبال وهي المتقدمة في الآية، ثم الشجر، ثم فيما يعرش الناس ويبنون بيوتهم.

وكذلك تجد أن أرقى وأجود أنواع العسل هي عسل نحل الجبال، ثم عسل نحل الشجر، ثم عسل نحل البيوت. وهنا لا يجب أن يفوتنا أن نضع هذه الصورة جنبا إلى جنب مع صورة تعاملنا نحن بني البشر مع أوامر ربنا عز وجل.

ومن حسن امتثاله لأوامر ربه أنه دائما ما يتخذ البيوت قبل المراعى، فهي إذا ما أصابت موضعا مناسبا بنت فيه بيوتها أولًا، ثم بعد ذلك تخرج من تلك البيوت ترعى وتأكل من كل الثمرات، ثم تأوي إلى بيوتها؛ لأن ربها سبحانه وتعالى أمرها بذلك، أمرها باتخاذ البيوت أولًا ثم الأكل بعد ذلك. وهنا قد تبعد المراعي عن البيوت الأميال والأميال، وقد يفصل بين المراعي وبيوت النحل السهول والجبال آلاف الأميال. أنت يا صاحب العقل والحواس والملكات، يا من كرمك الله على سائر خلقة بل كرمك حق التكريم.

واعلم أن هذا الخُلُق من النحلة هو من خُلق الأنبياء والمرسلين والصالحين؛ انظر كيف أمر الله نبي الله نوح لما أمره الله بأن يصنع الفلك في البيئة الصحراوية، وانظر إلى سيدنا موسى لما أمره الله أن يضرب بعصاه البحر، وانظر كيف تعامل سيدنا إبراهيم مع أمر الله له بذبح إسماعيل، لكن انظر كيف كانت درجة السمع والطاعة من هؤلاء جميعًا، وكيف كانت النتائج؛ ليتأكد لك أن السعادة والفوز يكمنان في حسن تنفيذ العبد لأوامر ربه, فاعتبر يا عبد الله.

الوقفة الثانية: علو الهمة؛ انظر إلى علو الهمة في هذا المخلوق العجيب، فمن طبائعه أنه يرفض رفضًا باتًا أن يوجد في مملكته عاطل عن العمل، فمن طبائع النحل أنها لا تترك عندها بطالًا إلا نفته وأبعدته وأقصته عن الخلية؛ لأنه يضيق المكان ويُفني العسل ويعلِّم النشيط الكسل. وهذه مهارة إدارية راقية ما أحوجنا أن نمتثلها واقعًا في حياتنا الإدارية. وكيف أن النحل يجيد توظيف الطاقات، فالنحل يجيد هذه المهارة. وهذه مهارة لازمة للأمم والأفراد والجماعات، ولا يرقى الإنسان إلا بها، فمن النحل من يعمل العسل, وبعضها يعمل الشمع, وبعضها يسقي الماء, وبعضها يبني البيوت, وبعضها يقوم بأعمال النظافة، وبعضها يقوم بأعمال التكييف والتبريد والتهوية, وبعضها يقوم بالتلقيح, وبعضها يقوم بالاستكشاف والاستطلاع، الكل يعمل وينتج، كل حسب سنه ووظيفته وقدراته وميوله واستعداداته، ومنهم من يقوم بالحراسة لطرد الغريب والدخيل، بل الكيميائيات يتأكدن من حفظ العسل ونضجه. من الذي علمها ذلك وأرشدها إلى ذلك؟! إنه الله جلا جلاله.

وانظر يا أيها اللبيب العاقل، فمن أجل أن تقوم النحلة بإطعامنا كيلو جرام واحدا من العسل تقوم بما يقرب ستمائة ألف إلى ثمانمائة ألف طلعة، وتقف على مليون زهرة، وتقطع ما يزيد عن عشرة أضعاف الكرة الأرضية رغم الرياح والأنواء، وكأن الرسول لما شبه المؤمن الحق بالنحلة أراده أن يتمثل هذا الخلُق، وأراده أن يتحلّى بثقافة النحل في السمو وعلو الهمة والتعامل مع الأمور بجدية وقوة من يبتغي وجه الله؛ طالب العلم مع علمه، والعامل في صناعته، والتاجر في تجارته، والمزارع في زراعته، والداعي إلى الله في دعوته.

فيا فاتر الهمة، أين أنت من الدعوة إلى الله؟! وهذا أيضا من خلق الأنبياء؛ انظر كيف عانى الأنبياء حتى بلغوا رسالة الله إلينا.

الوقفة الثالثة: الإخلاص ومقت الرياء تظهر كيف أن النحل يفضل العمل في صمت وهدوء، وبعيدًا عن أعين الناس، فيروَى أن آرسطا طاليس صنع بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما يصنع النحل، فأبت أن تعمل حتى لطخته بالطين من الداخل، لطخته بالطين حتى تنأى بنفسها عن الظهور، وكأنها وعت خطورة آفة الرياء والنفاق وحب الظهور وحب الرياسة، وكلها آفات مهلكات، لطخت بيتها بالطين من الداخل بحثًا عن الإخلاص، وكأنها تدرك قول ابن القيم رحمه الله تعالى:"الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدًا غير الله، ولا مجازيًا سواه". لطخته وكأنها أرادت أن ترسل لنا من خلف الطين رسالة مفادها: إن عليكم بالإخلاص في كل أعمالكم وأقوالكم، وكأنها علمت قول رسول الله الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة: (( قال عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه ) )، وفي الحديث المتفق عليه قال: (( من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به ) )، وفي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ, فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك, قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد, فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) ).

فيا من تصلي ليقال: إنك مصلي تذكر قوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء:142] . ويا من تنفق من أجل الناس تذكّر قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ [البقرة:264] . ويا من تخرج من بيته لفعل الخير للناس تذكّر: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47] .

فاحذر يا عبد الله؛ لأن رسول الله قال كما في مسند أحمد: (( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي ) )، قالوا: وما هو؟ قال: (( الرياء ) ). فأخلصوا أعمالكم لله كما تفعل هذه النحلة.

الوقفة الرابعة: اغتنام الوقت، وهذه الوقفة يحتاجها كل المسلمين لأننا لا نحسن استغلال الوقت كما ينبغي، وهذه الوقفة يظهر فيها حسن استخدام النحل للوقت؛ فالنحل لديه قدرة فائقة على الاستخدام المزدوج للوقت، فهو لا يضيع وقته أبدًا فيما لا فائدة منه، بل يستغل كل ثانية فيما هو نافع. فمثلا في طريقها الذي قد يصل إلى عشرات الكيلو مترات من مكان رحيق الأزهار إلى خلاياها تجري النحلة عدة عمليات كيميائية بالغة التعقيد لتحويل الرحيق إلى عسل، ويتم هذا في الطريق ولا تنتظر حتى تعود. ولقد أخذ اليابانيون هذه الفكرة من النحل في مجال الصناعة؛ فمعروف أن اليابان ليس عندها مواد أولية، وهم من كبار مصدري الستانلس، هذه المادة تتواجد بوفرة في أستراليا، والمسافة بين البلدتين شاسعة، فصنع اليابانيون بواخر عملاقة تصل إلى أواخر أستراليا، تأخذ المواد الأولية من هناك وفي الطريق إلى أسواق الشرق الأوسط يتم تصنيع هذه المواد الأولية في البواخر أثناء العودة، ثم يتم تسليمها مصنعة جاهزة إلى أسواق المستهلكين في كل مكان، وهذا ما تفعله النحلة، وهذا ما يجب أن يتحلى به المؤمن الحق.

فالوقت سلاح ارتقى من أتقن حسن استغلاله، وتعِس من عطله. وتاريخ الأمم خير شاهد؛ فالأمة التي لا تنشئ أبناءها على كيفية إتقان إدارة الوقت والاستفادة من كل وحداته أمة مهزومة لا يمكن لها ولا لأبنائها أن يرتقوا أو يتبوَّؤوا منزلة بين العظماء. والله الذي لا إله غيره، أول أمنية تتمناها أنت وأنت على فراش الموت هي أن ترجع إلى الدنيا لتستغل الوقت في طاعة الله، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [المؤمنون:99، 100] .

بل اعلم أن الله قد شرف الوقت والزمان بذكرهم في القرآن، بل أقسم بالوقت وهذا دليل على قيمته عند الله تعالى إذ قال: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1، 2] ، وقال: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1، 2] ، وقال: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1، 2] ، بل قال رسول الله كما في البخاري من حديث ابن عباس: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ).

فأين أنت من الوقت واستخدامه في طاعة الله كما فعل ابن عقيل؟! كان يحبذ سفَّ الكعك على مضغ الطعام، قالوا له: ولِم؟ قال: لأني وجدت الوقت بين سفّ الكعك ومضغ الطعام وقت قراءة خمسين آية. الله أكبر! أين أنت من هؤلاء؟! قال الخليل بن أحمد:"أصعب ساعة تمر عليّ ساعة آكل فيها وتمنعني عن ذكر الله". الله أكبر! بل كان جد الإمام ابن تيمية إذا دخل الخلاء قال لأحد أحفاده:"اقرأ عليّ القرآن فإني أخاف أن تمر عليّ أوقات لا أشغلها بعمل يرضي الله".

فيا من تضيّع الوقت في اللهو والمرح والبعد عن الله، أين أنت من هؤلاء؟! بل أين أنت من ذلك المخلوق الصغير؟! فاعتبر يا عبد الله.

والله أسأل أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا واهد بنا وثبت على الحق أقدامنا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت