الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, خصال الإيمان
محمد بن سالم الشهري
الظهران
جامع إسكان قوى الأمن الداخلي
1-وجوب محبة الله ورسول صلى الله عليه وسلم وتحقيقها بطاعتهما واتباع رسوله. 2- بعض العلامات التي تدل على محبة العبد لله ولرسوله. 3- الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد.
أيها الناس، اتقوا الله وقوموا بطاعته وطاعة رسوله لتبرهنوا على صدق محبتكم لله ورسوله التي يجب تقديمها على محبة كل شيء، حتى على النفس والولد والأهل.
أيها المسلمون، إن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وإن لله تعالى هو الذي وهب للعباد كل ما أوتوا من نعمة، قال تعالى: وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ?للَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ?لضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ [النحل:53] .
ونعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ?للَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل:18] . فكل النعم التي أوتيتموها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر نعمة الصحة والبصر والسمع والعقل والعلم والمال والولد، وأعظم من ذلك كله نعمة الإسلام الذي هداك الله له وقد ضل عنه خلق كثير، كل ذلك بفضل الله ورحمته وتوفيقه، لك ليس بحولك ولا قوتك، وإذا شاء الله سلب منك تلك النعم في أي لحظة، ولذلك يجب عليك أيها العبد الفقير إلى ربه أن تعبد الله وحده لا شريك له مخلصًا له الدين وأن تقدم محبته ومحبة رسوله على محبة كل شيء.
أيها المسلمون، إن محبة الله واجبة وكذلك محبة رسول الله ، فإنها تابعة لمحبة الله ولازمة لها، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك أن رسول الله قال: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين( ) .
ومتى كان عند العبد شيء أحب إليه من الله ورسوله فهو الشرك الذي لا يغفره الله لصاحبه البتة ولا يهديه الله قال تعالى: قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْو?نُكُمْ وَأَزْو?جُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْو?لٌ ?قْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـ?رَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـ?كِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ ?للَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى? يَأْتِىَ ?للَّهُ بِأَمْرِهِ وَ?للَّهُ لاَ يَهْدِى ?لْقَوْمَ ?لْفَـ?سِقِينَ [التوبة:24] .
فكل من قدم طاعة أو قول أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قولهما أو قدم خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه فلم يحقق تقديم محبة الله ورسوله على ما سواهما، وإن قاله بلسانه فهو كاذب.
أيها المسلمون، إن من علامات محبة الله اتباع رسوله ، فقد جعل الله اتباع رسوله علمًا وشاهدًا لمن ادعى محبته فقال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ?للَّهَ فَ?تَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ?للَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31] .
وقد ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره أن الحسن البصري وغيره من السلف قالوا:"زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله قال: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) )".
فإذا كنت فعلًا تحب الله فعلامة صدقك في هذه المحبة أن تطيع الله وتتبع الشرع المحمدي، فإن المحب لمن يحب مطيع، إذ كيف تدعي محبة الله ورسوله وأنت لا تطعهما، بل تقدم هوى نفسك وشهوتها وملذتها الدنيوية على طاعة الله ورسوله، فمن الناس من يدعي محبة الله وهو لا يؤدي الصلاة ولا يجيب داعي الله، والبعض يصلي يوم الجمعة فقط والبعض يصلي متى يحلو له، وكأن الصلاة بالمزاج، فأصبح حب الراحة لديه مقدم على محبة الله.
ومن الناس من يدعي محبة الله وهو لا يأمر أولاده بالصلاة ولا يربيهم عليها ولا يأمرهم باحترام شعائر الإسلام ولا ينهاهم عن إيذاء الناس، ولو تأخر أبناؤه عن الدراسة لأقام الدنيا وأقعدها ولتعامل معهم بحزم وجِد، ولا يعاب عليه حزمه في ذلك ولكن أين هذا الحزم مع أبنائه إذا صدر منهم تهاون في القيام بأمر الله أو صدر منهم معصية لله، فتجده لا يهتم لذلك، فهو لا يريد أن يغضبهم ولو عصوا ربهم وتركوا واجبهم.
ومن الناس من يدعي محبة الله وهو يشرك بالله ويتعامل بالربا ويزني ويشرب الخمور ويتعاطى المخدرات ولا يتورع عن ارتكاب المنكرات والمحرمات.
إذًا فتلك دعوى كاذبة، فإن المؤمن إيمانًا حقيقيًا يسلم لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه يعلم أنه ليس له الخيرة من أمره قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?للَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـ?لًا مُّبِينا [الأحزاب:36] .
وإن من صفات وعلامات الذين يحبهم الله ويحبونه ما بينه الله في قوله: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ?للَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ يُجَـ?هِدُونَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَلاَ يَخَـ?فُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54] . ففي هذه الآية أربع علامات لمحبة الله للعبد:
الأولى: الذلة للمؤمنين فيكون رحيمًا بهم محسنًا إليهم عطوفًا عليهم متواضعًا لهم.
والثانية: العزة على الكفرين كما قال تعالى في آية أخرى أَشِدَّاء عَلَى ?لْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح:29] .
الثالثة: أن يكون مجاهدًا في سبيل الله بالنفس والمال واللسان والقلب.
الرابعة: أن لا تأخذه في الله لومة لائم.
فالمؤمن متواضع لإخوانه المؤمنين، عزيز على خصمه وعدوه من الكافرين، لا يرده عن الجهاد في سبيل راد، ولا يصده عنه صاد، لا يرده لومة لائم ولا عذل عاذل.
بارك الله...
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله، اعلموا إن هناك أسبابًا كثيرة جالبة لمحبة الله لكم، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله عشرة منها في كتابه مدارج السالكين فقال رحمه الله:"الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها عشرة:"
أحدها: قراءة القران بالتدبر والتفهم لمعانيه.
الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض.
الثالث: دوام ذكره لله على كل حال باللسان والقلب، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر.
الرابع:إيثار محاب الله على محابك عند غلبة الهوى، والتسنم إلى محابه، وإن صعب المرتقى.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها. وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومبادئها. فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، أحبه لا محالة.
ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب.
السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه، ونعمه الباطنة والظاهرة. فإنها داعية إلى محبته.
السابع: وهو من أعجبها انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى.
الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل، لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه. ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر. ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك، ومنفعة لغيرك.
العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل"."
فمن طريق هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة. ودخلوا على الحبيب. وملاك ذلك كله أمران: استعداد الروح لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة.