فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 5777

المنجمون(التحذير من المنجمين)- البشرى الثالثة للمرأة المسلمة

الأسرة والمجتمع, التوحيد

الشرك ووسائله, المرأة, نواقض الإسلام

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

الحكمة من خلق النجوم كما قال قتادة - أقسام التنجيم الثلاثة وحكمها - الأول: مبني على دين

الصابئة أن الموجودات مركبة من تأثير الكواكب , الثاني: الاستدلال بالأحوال الفلكية على

الحوادث الأرضية , الثالث: تعلُّم المنازل لمعرفة القبلة وأوقات الصلاة - تكاثر السحرة في هذا

العصر , والواجب على المؤمن تجاه ذلك - دور المرأة الصالحة ومكانتها - حال نساء السلف

وزهدهنَّ وتحملهنَّ ( أسماء بنت الصديق )

أما بعد... فقد قال الله تعالى: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون [الأنعام: 97] .

قال قتادة رحمه الله: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء ورجومًا للشياطين وعلامات يُهتدى بها فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به.

نقول إن قول قتادة هذا رحمه الله دل عليه القرآن العظيم قال تعالى: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين [الملك:5] وقال سبحانه: وعلامات وبالنجم هم يهتدون [النحل: 16] .

فهذه الأجرام السماوية التي سخرها الله سبحانه ليستفيد بها الإنسان في مثل هذه المجالات ليستدل بها على الأزمنة والأمكنة كما هو الشأن في الشمس والقمر، يقول تعالى عن القمر: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [البقرة: 189] .

أما الادعاء بأن للنجوم والكواكب صلة بالحوادث التي تجري للناس على الأرض فهذا حكمه كحكم السحر.

قال: (( من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر ) ) [1] .

واعلموا أن التنجيم على ثلاثة أقسام أولها: القول بأن الموجودات في العالم مركبة على تأثير الكواكب، وأن الكواكب فاعلة مختارة هذا هو مبنى دين الصابئة الذين كانوا يعظمون الشمس والقمر والكواكب، ويسجدون لها ويتذللون ويسبحونها بتسابيح ويقدمون لها طقوسًا معروفة في دينهم، فهذا القسم كفر بإجماع المسلمين.

وثاني الأقسام الثلاثة: الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية أي الزعم بأن لمسير الكواكب والنجوم واجتماعها وافتراقها وغير ذلك من أحوالها صلة بما يجري للناس من حوادث ووقائع على الأرض ويدعون مع ذلك علم الغيب وإن كان المشتغلون بهذا القسم يقولون كل هذا يجري بقدرة الله ومشيئته هذا القسم وإن كانوا اختلفوا في كفره فإنهم لم يختلفوا في تحريمه وهو إلى الكفر أقرب لما فيه من ادعاء علم الغيب الذي استأثر الله به.

وثالثها: تعلم المنازل للاستدلال على القبلة وعلى الجهات وعلى معرفة أوقات الصلوات ونحو ذلك من المصالح الدينية والدنيوية.

هذا هو المشار إليه في قوله تعالى: جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر

[الأنعام: 97] .

وبقوله: وعلامات وبالنجم هم يهتدون [النحل: 16] .

وهذا القسم لا شك في مشروعيته كما أن القسمان الأوليان محرمان مفضيان إلى الكفر وهما داخلان في قوله: (( من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر ) ).

وفي زماننا هذا تكاثر هذا النوع من السحرة والكهان، تكاثر المنجمون الذين يزعمون الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية ويدعون علم الغيب يدعي أحدهم علم ما جرى لك فيما مضى أو ما سيجري في المستقبل.

يدعون علم الغيب وقد يسمون أنفسهم بالروحانيين وما هم إلا من السحرة أو الكهنة كذابين أصحاب المائة كذبة يكذبون ويأكلون أموال الناس بالباطل ويستغلون ضعف النفوس وضعف العقول ممن يصدقونهم.

والمؤمن الموحد مأمور بألا يصدق هؤلاء المنجمين بأن يحذر منهم ولا يصدقهم ولا يعول على أقاويلهم فإنهم يفسدون عليه إيمانه ويضعفون صلتهم بالرب تعالى ويضعفون توكله عليه وحسن ظنه بالرب سبحانه وتعالى.

إلى جانب ما في تصديقهم والتعويل على أقاويلهم واللجوء إليهم ما فيه من الذنب العظيم والكفر العظيم كما أخبر بذلك سيدنا الأمين سيدنا محمد في قوله: (( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ) ) [2] وفي الحديث الآخر الذي في الصحيح: (( من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) ) [3] .

وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله: (( ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر ) ) [4] .

فالمؤمن الموحد يعلم أن تصريف الأمور كلها بيد الرب سبحانه وتعالى هو الذي بيده تصريف الأمور وتدبير شئون العباد وهو الخالق القادر العظيم القاهر فوق عباده له الملك وله الخلق والأمر أليس هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن فله الملك وله الأمر وله الخلق بيده تصريف الأمور وبيده شئون العباد.

ليس من شأن المؤمن الموحد أن يترك هذا الرب الخالق العظيم ويتعلق بالمخلوق.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] مسند أحمد (1/311) ، سنن أبي داود (3905) ، سنن ابن ماجة (3726) .

[2] مسند أحمد (2/429) .

[3] صحيح مسلم (2230) ولفظه (( من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) ).

[4] مسند أحمد (4/399) .

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فإن المرأة المسلمة الصالحة التي تفقهت في دينها وعرفت ما أوجب الله عليها تجاهد في ميدانها الذي عينه لها العزيز الحكيم اللطيف الخبير: ميدان الأسرة والبيت وتربية النشء والأولاد هي قوام حياة الزوج قوام الحياة الزوجية الصالحة الآمنة التي توافر فيها لها السكن وتوافرت لها الطمأنينة وبغير هذين لا يستطيع الرجل أن يفعل شيئًا، إذا فقد هذين: السكن والطمأنينة في حياته الزوجية فإن الرجل تفسد حياته، ولذلك فإن الشارع العزيز الحكيم سبحانه وتعالى جعل المرأة في بيتها وميدانها جعل جهادها كجهاد الرجل في ميادينه التي شُرعت له هما في ذلك سواء فإليك أيتها المرأة المسلمة الصالحة إليك البشارة الثالثة من النبي المصطفى.

فقد أخرج يحيى والبراز عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"أتين النساء إلى النبي وقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بفضل الجهاد في سبيل الله ومالنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله فقال: (( مهنة إحداكن في بيتها تدرك بها عمل المجاهدين في سبيل الله ) )."

صدق الرسول وبلغ الرسالة وأدى الأمانة، نعم فهذا هو مقتضى القسمة الربانية قسمة العزيز الحكيم اللطيف الخبير الذي قسم الحياة بين الرجل والمرأة قسمها بينهما ميدانين فللرجل ميدانه وللمرأة ميدانها وكل منهما إذا جاهد في ميدانه وأصلح وأحسن نيته وأبلى في ذلك بلاءً حسنًا فله أجره وثوابه عند الله سبحانه وتعالى وهما في ذلك سواء.

وقد فقه نساء الصحابة ذلك الدرس النبوي وطبقنه في حياتهن رضي الله عنهن وأرضاهن جميعًا، فهذه أسماء بنت أبي الصديق ذات النطاقين ومن لا يعرف أسماء وهي في منزلتها ومكانتها وسابقتها في الإسلام فاسمعوا طرفًا من حياة هذه الصحابية العظيمة ترويه بنفسها رضي الله عنها وأرضاها كما في صحيح البخاري تقول أسماء: لما تزوجني الزبير - الزبير بن العوام فارس رسول الله - لم يكن له في الأرض من مال ولا مملوك - ما كان يملك شيئًا - ولا شيء غير فرسه فكنتُ أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحة وأعلفه واستقي الماء وأعجن وأخبز ولم أكن أحسن الخبز فكانت جارات لي من الأنصار يخبزن لي وكنا نسوة صدق.

تقول رضي الله عنها وكنت أحمل النوى على رأسي من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله وهي على ثلثي فرسخ مني (أي تبعد ميلين عن بيتها رضي الله عنها وأرضاها وأرضى الزبير- هذه لا تزال معروفة حتى اليوم وراء جبل أحد من الشمال، فكانت رضي الله عنها تحمل النوى من أرض الزبير على رأسها إلى بيتها) قالت: فجئت يومًا أحمل النوى على رأسي فلقيني رسول الله ومعه نفر من أصحابه فدعاني وقال أخّ ليركبني خلفه ويحملني خلفه - أي أنه أناخ راحلته ليردفها خلفه - قالت رضي الله عنها: فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرتُ غيرة الزبير فعرف النبي أني استحييت فمضى. فجئت الزبير فقلتُ: لقيت رسول الله وأنا أحمل النوى على رأسي فأناخ لي راحلته ليركبني معه نفر من أصحابه فاستحييت وعرفت غيرتك.

فقال الزبير رضي الله عنه:"لحملك النوى على رأسك أشد علىّ من ركوبك معه. تقول أسماء: حتى أرسل إليّ أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس ومؤنته فكأنما أعتقني"رواه البخاري من كتاب النكاح في صحيحه [1] .

هذا طرف من حياة هذه المرأة الصحابية العظيمة أسماء ذات النطاقين وأسماء هي أسماء من منا لا يعرفها وهي من السابقات إلى الإسلام ماذا نقول في شرح كلامها هذا والتعليق عليه، إنه أوضح وأبلغ من أي شرح أو تعليق.

أما بعد:

فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.

واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة ومنهج الصحابة الأخيار رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تُدان.

ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب: 56] .

وقال: (( من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [2] .

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علىَّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] صحيح البخاري (5224) .

[2] صحيح مسلم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت