فقه
الصلاة
عبد السلام بن محمد زود
سدني
مسجد السنة
1-تغميض العينين في الصلاة. 2- أخطاء يقع فيها المستعجلين لإدراك الركوع. 3- انتظار المسبوق قيام الإمام. 4- سحب المسبوق رجلا من الصف الممتلئ. 5- عدم تسوية الصفوف وإقامتها. 6- السكوت عند الانتهاء من التشهد أو تكراره. 7- التنفل بعد إقامة الفريضة.
أما بعد: فلا زلنا ـ إخواني في الله ـ مع الأخطاء التي يقع فيها بعض المصلين في صلاتهم، ونظرًا لأن هناك الكثير من الأخطاء التي لم نتعرض لها في الخطب الثلاث الماضية فإننا سنواصل في جمعتنا هذه الحديث عن هذه الأخطاء، سائلين الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ومن الأخطاء تغميض العينين في الصَّلاة، قال ابن القيم رحمه الله:"ولم يكن من هديه تغميضُ عينيه في الصَّلاة، وقد تقدَّم أنه كان في التشهد يُومئ ببصره إلى إصبعه في الدُّعاء، ولا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إشارَتَهُ". وبعد أن اختلف الفقهاء في حكم تغميض العينين في الصلاة بين قائل بالكراهة وقائل بالإباحة، قال ابن القيم في زاد المعاد (1/294) :"والصَّواب أن يُقال: إنْ كان تفتيح العين لا يُخِلُّ بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتّزويق أو غيره مما يُشوش عليه قلبه فهنالك لا يُكره التغميضُ قطعًا، والقول باستحبابه في هذا الحال أقربُ إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة. والله أعلم".
وهناك خمسة أخطاء يقع فيها بعض المصلين عندما يدخلون المسجد والإمام راكع، فبعضهم يرسل إشارات إلى الإمام أن ينتظره كقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153] أو يتنحنح، وهذا خطأ، والسنة أن تدخل المسجد برجلك اليمنى وتقول: (( بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ) )رواه ابن السني وحسنه الألباني في الكلم الطيب، (( اللهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ ) )رواه مسلم عن أبي حميد أو أبي أسيد، لا أن تقول: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ، ثم لِم لا تذكِّر نفسك أنت بهذه الآية، وتصبر حتى تصل إلى الصف بهدوء، وتترك هذا التشويش على المصلين؟!
وبعضهم يسرع الخطى حتى يدرك الركعة مع الإمام قبل أن يرفع منها، وهذا خطأ أيضا، والسنة أن تمشي بهدوء وسكينة حتى تصل إلى الصف، فإن أدركت الركوع معه فالحمد لله، وإن لم تدركه فقد فاتتك الركعة وتكملها بعد تسليم الإمام، فعن أبي قتادة قال: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ ـ أي: أصواتهم حال حركتهم ـ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: (( مَا شَأْنُكُمْ؟ ) )قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: (( فَلاَ تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ) )رواه البخاري.
وبعضهم لسرعته يكبر تكبيرة الإحرام وهو يهوي إلى الركوع، وهذا خطأ، والواجب أن تكبر تكبيرة الإحرام وأنت قائم، لقوله: (( إذا قمت للصلاة فكبر ) )، ومن هنا صرَّح جمهور الفقهاء بوجوب الإتيان بتكبيرة الإحرام حال القيام. قال النووي:"يجب أن يكبر للإحرام قائمًا حيث يجب القيام، وكذا المأموم الذي يدرك الإمام راكعًا، يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه، فإن أتى بحرفٍ منها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته فرضًا بلا خلاف، وفي انعقادها نفلًا الخلاف" [المجموع 3/296] ، وقال ابن قدامة:"وعلى المسبوق أن يأتي بالتكبيرة منتصبًا، فإن أتى بها بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع أو ببعضها لم يجزئه، لأنه أتى بها في غير محلّها" [المغني مع الشرح الكبير 1/544] ، وقال الإمام علي القاري في هذه المسألة:"وأما لو كبَّر منحنيًا كما يفعله العامة والجهلة من جهة العجلة فلا تنعقد صلاته، إذ القيام شرط في تكبير التحريمة للقادر عليه، كيف وبعضهم يكبِّرون حال الركوع؟! وحينئذ لا يكون محسوبًا أبدًا" [فصول مهمة لوحة 79] .
ملاحظة: في هذه الحالة لا داعي لوضع اليد اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام وقبل النزول، لأن وضع اليدين يكون حال القراءة، ولا قراءة في هذه الحالة.
وبعضهم يكبر تكبيرة واحدة للإحرام وللركوع، وهذا خلاف الأولى، لأن السنة أن تكبر تكبيرة الإحرام أولا وأنت قائم كما أسلفنا، وهي ركن لا تسقط بحال من الأحوال، ثم تكبر تكبيرة الركوع وأنت تهوي إليه. وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله: إذا حضر المأموم إلى الصَّلاة والإمام راكع هل يكبّر تكبيرة الافتتاح أو يكبِّر ويركع؟ فأجاب رحمه الله:"الأولى والأحوط أن يكبر التكبيرتين: إحداهما تكبيرة الإحرام، وهي ركن، ولا بدّ أن يأتي بها وهو قائم، والثّانية تكبيرة الركوع، يأتي بها حين هويه إلى الركوع. فإن خاف فوت الركعة أجزأته تكبيرةُ الإحرام في أصح قولي العلماء، لأنهما عبادتان اجتمعتا في وقت واحد، فأجزأت الكبرى عن الصغرى، وتجزئ هذه الركعة عند أكثر العلماء"انتهى [فتاوى ابن باز 1/55] ، وكذلك أفتى الشيخ عبد الله بن الجبرين، وصرح جماعة من العلماء الأقدمين كالزّهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك بأن التكبيرة الواحدة في مثل هذه الحالة تجزئ. [فتح الباري 2/21، 7/218] .
وبعضهم من سرعته يفتتح صفا جديدا والصف الذي أمامه لم يكتمل بعد، وهذا خطأ، والسنة أن تكمل الصف الذي أمامك أولا، فعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله: (( أَلاَ تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟! ) )فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: (( يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ ) )رواه مسلم. إذًا هؤلاء استعجلوا فوقعوا في هذه الأخطاء خشية أن تفوتهم الركعة، لكن إن فاتتهم الركعة فحدِّث عن تباطؤهم بعدها ولا حرج.
ومن ذلك أن بعضهم إذا دخل المسجد وكان الإمام ساجدًا أو جالسا مثلا فإنه يأتي إلى الصف بهدوء وسكينة ويبقى واقفا حتى يرفع الإمام، فإذا قام دخل معه في الصلاة، وهذا خطأ ومخالف للسنة، والصواب أن يدخل مع الإمام على أية حالة كان عليها الإمام، قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو جالسًا، فعن أبي قتادة قال: قال رسول الله: (( إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ) )رواه البخاري، قال ابن حجر:"ويستدل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وجد عليها". [الفتح 2/118] . وروى الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله: (( إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلاَةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ ) )، وعن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله: (( إذا وجدتم الإمام ساجدًا فاسجدوا، أو راكعًا فاركعوا، أو قائمًا فقوموا، ولا تعتدوا بالسجود إذا لم تدركوا الركعة ) ) [السلسلة الصحيحة 1188] . فسبحان الله، انظر كيف يتلاعب الشيطان بالناس حتى يصدهم عن الصلاة.
ومن الأخطاء سحب أحد المصلين من منتصف الصف بعد اكتماله للصلاة معه، بعض المصلين إذا دخل المسجد فوجد أن الصف قد اكتمل ولم يجد له مكانا فيه، قام بسحب واحد من الصف ليقف بجواره خشية أن يقف في الصف لوحده، وهذا خطأ، أولا: لأنه تسبب في قطع الصف، والنبي يقول كما في حديث ابن عمر: (( مَنْ وَصَلَ صَفّا وَصَلَهُ اللّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفّا قَطَعَهُ اللّهُ ) )رواه النسائي والحاكم وقال:"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". والثاني: أنه أخرج المصلين من خشوعهم بسبب تلك الفجوة التي أحدثها في الصف، والتي جعلت أهل الصف ربما كلّهم يتحركون يمينا أو شمالا لسدّ هذه الفرجة التي فتحها أخونا، هذا فضلا عن إيذائه لذلك الرجل الذي سحبه، بل قد يعاند معه حتى يصل الأمر بينهما إلى الخصام أحيانا أثناء الصلاة.
والحل في مثل هذه الحالة أن يبحث عن فرجة في صف فيدخل فيها، فإن لم يجد فليقف وحده في الصف وصلاته صحيحة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وتصح صلاة الفذّ لعذر، وقاله الحنفية، وإذا لم يجد إلا موقفا خلف الصف فالأفضل أن يقف وحده، ولا يجذب من يصافه" [الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية 42] .
ومن الأخطاء عدم تسوية الصفوف في الصلاة كما ينبغي، فإن البعض هداهم الله يتساهل في سدّ الفرج التي تكون بين المصلين، وهذه مخالفة عمّت بها البلوى، فإنك لا تكاد ترى صفا مستويا كما كان على عهد النبي ، وقد أمر النبي بتسوية الصفوف فقال: (( سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ ) )متفق عليه من حديث أنس، وليست تسويتها بإلصاق الخنصر بالخنصر فحسب، أو بوضع إصبع الإبهام على الخطّ إن كان هناك خط، بل إن تسويتها يكون بإلصاق الكتف بالكتف والكعب بالكعب، فعن أنس أن النبي قال: (( أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري ) )، قال أنس: (وكان أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه) رواه البخاري، بل وركبته بركبته كما في حديث النعمان بن بشير قال: أقبل رسول الله على الناس بوجهه فقال: (( أقيموا الصفوف ـ ثلاثًا ـ والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ) )، قال النعمان: فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه. صحيح رواه أبو داود. وهذه السنة كانت على عهد النبي ثم تهاون الناس بها بعد ذلك، ففي مسند أبي يعلى بسند صحيح على شرط الشيخين قال أنس: (لقد رأيت أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، ولو ذهبت تفعل ذلك اليوم لترى أحدهم كأنه بغل شموس) يعني: لا يسمح لك بأن تلصق قدمك بقدمه، والعياذ بالله تعالى. وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه:"باب: إثم من لم يتم الصفوف"، وساق بسنده عن بشير بن يسار الأنصاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: (مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّكُمْ لاَ تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ) .
إخواني في الله، إذا كان أنس بن مالك ينكر على أولئك القوم في القرن الأول من القرون المفضلة، ينكر عليهم عدم إقامة صفوفهم، فكيف لو رأى ما نحن فيه اليوم من إخلال بالصلاة قبل الإخلال بالصف وغيرها؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله. فظهر أن إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصّفوف سنّة، قد عمل بها الصّحابة رضي الله عنهم خلف النبي ، وهو المراد بإقامة الصّف وتسويته على ما قال الحافظ ابن حجر. وبالمقابل فقد حذر النبي من عدم تسوية الصفوف، فعن النعمان بن بشير قال: كَانَ رَسُولُ اللّهِ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: (( عِبَادَ اللّهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ ) )رواه مسلم. قال النووي:"والأظهر أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب... لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن".
ثم اعلم ـ أخي ـ أن المسافة التي بينك وبين مَن بجانبك قد أمرك النبي بسدّها، وإن لم تسدّها فقد أفسحت مجالا للشيطان ليقف بينك وبين أخيك، فعن ابن عمر أن رسول الله قال: (( أَقِيمُوا الصّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ المَنَاكِبِ، وَسُدّوا الْخَلَلَ، وَلاَ تَذَرُوا فَرُجَاتٍ لِلشّيْطَانِ ) )رواه أبو داود بإسناد صحيح.
ومن لم تنبهه هذه الأحاديث لأهمية هذا الأمر وخطورته فليستمع إلى حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: (( وَمَنْ وَصَلَ صَفّا وَصَلَهُ الله، وَمَنْ قَطَعَ صَفّا قَطَعَهُ الله ) )رواه أبو داود بإسناد صحيح، ألا تحبّ ـ أخي ـ أن يصلك الله؟! ثم أذكرك ـ أخي ـ بفضل المشي لسدّ الفرجات بين الصفوف وإن كنت في الصلاة، قال: (( مَنْ سَدّ فُرْجَةً رفعه الله بها درجة وبنى له بيتًا في الجنة ) ) [صحيح الترغيب 505] . وأنبه هنا إلى أن الأئمة مسؤولون عن تسوية الصفوف أيضا، وأن اقتصار بعضهم على قول:"استووا استووا"فقط لا يكفي في إقامة الصفوف، فقد كان عمر بن الخطاب يوكّل رجالًا بإقامة الصفوف، فلا يُكبّر حتى يُخْبَر أن الصفوف قد استوت، وكان علي وعثمان يتعاهدان ذلك أيضًا، وكان علي يقول: (تقدّم يا فلان، تأخر يا فلان) [جامع الترمذي والموطأ] . فتعاونوا ـ إخواني ـ على إقامة الصف بارك الله بكم.
ملاحظة: وبهذه المناسبة أجدني مضطرا للتنبيه إلى ما يفعله بعض الإخوة ممن يطبقون هذه السنة، وهي أنك تراه أحيانا يلصق رجله برجل من بجانبه بقوة حتى يؤذيه، ولا أقول هذا من فراغ، بل حصلت معي وفي هذا المصلّى، فلهؤلاء أقول: اتقوا الله ولا تنفّروا إخوانكم من الصلاة، ولأولئك أقول: اتقوا الله ورصّوا صفوفكم ولا تذروا فرجات للشيطان.
ومن الأخطاء أيضًا قراءة التشهد مرة أخرى أو الصمت، بعض المصلين إذا فرغ من قراءة التشهد والإمام لا يزال جالسًا ولم ينته بعد فإن المصلين يقعون في هذه الحالة في خطأين: فبعضهم يعيد التشهد مرة أخرى ليقطع سكوته، ويكون بإعادته للتشهد قد فعل فعلا محدثًا في الصلاة، والرسول يقول: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) )متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها. والبعض الآخر: لا يعيد التشهد، بل يبقى ساكتًا حتى يقوم الإمام إذا كان في التشهد الأول، أو حتى يسلم إذا كان في التشهد الأخير، وهذا السكوت والصمت في الصلاة أيضًا خطأ، وإنما السنة في هذه الحالة أن يتخير المصلي من الدعاء ما شاء، وليدع به، ولا يبق ساكتًا، ولا يعيد التشهد، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: (( إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع به ربه عز وجل ) )رواه أحمد وغيره.
ومن الأخطاء التنفل عند إقامة الصلاة، بعض المصلين إذا دخل المسجد مباشرة يكبر ويشرع في صلاة السنة أو تحية المسجد جزاه الله خيرا، ولكن بعد تكبيره تقام الصلاة، ومع ذلك يستمر في صلاته وتفوته تكبيرة الإحرام، وربما فاتته الركعة الأولى بكاملها، ولا شك أن هذا خطأ، والسنة أن يقطع صلاة النافلة، ويدخل في صلاة الفريضة مع الإمام مباشرة من البداية، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَة ) )رواه مسلم، قال ابن عبد البر:"ومعنى قول المؤذن في الإقامة: (حي على الصلاة) معناه: هلموا إلى الصلاة، أي: التي يقام لها، فأسعَد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره" [انظر: فتح الباري 2/150-151] ، والفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها من النافلة. وعن مَالِكُ بْنُ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ لاَثَ بِهِ النَّاسُ ـ أي: أحاطوا به وداروا حوله ـ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: (( الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟! الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟! ) )رواه البخاري، هو استفهام إنكار ومعناه: أنَّه لا يشرع بعد الإقامة للصُّبح إلاَّ الفريضة، فإذا صلَّى ركعتين نافلة بعد الإقامة ثمَّ صلَّى معهم الفريضة صار في معنى من صلَّى الصُّبح أربعًا، لأنَّه صلَّى بعد الإقامة أربعًا. ويوضح هذه الرواية ما رواه مسلم عن مالك بن بحينة أيضا أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلاَةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لاَ نَدْرِي مَا هُو، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نقول: مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: قَالَ لِي: (( يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ أَرْبَعًا ) ). وفي هذا الحديث أن الدخول مع الإمام في الصّلاة عند سماع الإقامة أولى من ركعتي الفجر، وقد أظهر رسول الله الكراهية لمن فعل ذلك، ولم ينكر على مَنْ قضاها بعد الفريضة، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة.
إذًا فالشروع في صلاة النافلة أو الاستمرار فيها بعد شروع المؤذن في الإقامة منهي عنه صراحة، سواء كانت سنة الفجر أو غيرها، والسنة إدراك الصلاة من أولها مع الإمام ما أمكن إلى ذلك سبيلا، اللهم إلا إذا كان في نهاية النافلة ويستطيع أن يدرك الإمام في تكبيرة الإحرام فعندها يكمل النافلة التي هو فيها ثم يقوم إلى الفريضة مع الإمام.
وهناك خطأ آخر تابع لهذا ألا وهو أنه إذا أقيمت الصلاة وأراد أن يقطع صلاة النافلة ليدخل مع الإمام قطعها بالتسليم وهو واقف، وهذا خطأ، ولم يثبت فيه سنة عن الرسول ، والتسليم لا يكون إلا في آخر الصلاة، فتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، والصواب أن يقطعها من غير سلام، ويخرج منها مباشرة، ويدخل مع الإمام.
وأخيرا ألخص لكم أخطاء اليوم فأقول: لا تغمض عينيك في الصلاة إلا إذا كان تفتيحهما يخل بالخشوع، فعندها يجوز لك تغميضهما.
إذا دخلت المسجد والإمام راكع فلا تشوّش على المصلين بإرسالك إشارات للإمام لينتظرك، بل ادخل بهدوء وسكينة.
لا تسرع الخطى لتدرك الإمام في الركوع قبل أن يرفع منه، بل السنة أن تمشي بهدوء وسكينة حتى تصل إلى الصف، فما أدركته فصله، وما فاتك فأتمه.
لا تكبر تكبيرة الإحرام وأنت تهوي إلى السجود فتبطل صلاتك، بل السنة أن تكبرها وأنت قائم.
لا تجمع تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع في تكبيرة واحدة، بل السنة أن تكبر لكل واحدة منهما تكبيرة.
لا تفتتح صفا جديدا والصف الذي أمامك لم يكتمل بعد، بل السنة أن تتمه كما تتم الملائكة صفوفها.
إذا دخلت المسجد ووجدت الإمام ساجدًا أو جالسا فلا تبق واقفا حتى يرفع لتدخل معه في الصلاة، بل ادخل معه على أية حالة كان عليها، قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو جالسًا.
إذا دخلت المسجد فوجدت الصف ممتلئا فإياك أن تسحب أحدا منه ليصف معك، بل السنة أن تبحث عن فرجة في أي صف فتدخل فيها، فإن لم تجد فقف وحدك في الصف وصلاتك صحيحة.
لا تترك فرجة للشيطان بينك وبين أخيك بل سدها، وذلك بإلزاق منكبك بمنكبه، وكعبك بكعبه، حتى يستوي الصف.
تذكر أن من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله.
تعاون مع الإمام على إقامة الصفوف، ولا تقف مكتوف اليدين كأن الأمر لا يعنيك.
إذا انتهيت من قراءة التشهد والإمام لم ينته بعد فلا تقرأه مرة أخرى ولا تسكت أيضا، بل اختر من الأدعية الطيبة ما شئت وادع بها.
إذا أقيمت الصلاة فلا تتنفل ابتداء، وإذا كنت في نافلة فاقطعها لكن بدون سلام، وادخل في صلاة الفريضة مع الإمام مباشرة.
وإلى خطبة أخرى نكمل فيها هذه السلسلة المباركة إن شاء الله تعالى نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يفقهنا وإياكم في ديننا، وأن يتقبل منا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
لم ترد.