فهرس الكتاب

الصفحة 1887 من 5777

صور من حياة تابعي

سيرة وتاريخ

تراجم

سعيد بن عبد الباري بن عوض

جدة

سعد بن أبي وقاص

1-غياب القدوات في حياة المسلمين. 2- ثناء ابن مسعود على التابعي الربيع بن خثيم. 3- مقتطفات من حياة الربيع.

أما بعد:

فإن أمة الإسلام أمة عظيمة قد أمدها الله عز وجل بكل مقومات القوة والعزة والسيادة، وإن من مقومات الثبات وأسباب القوة التي منحها الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وجود قدوات حية تشاهدها الأمة وترقب تصرفاتها أو قدوات قد ماتوا لكن ظلت سيرتهم وآثارهم منارات لأبناء هذه الأمة من بعدهم يسيرون بها في ظلمات القرون على نور وبصيرة من الله.

إن أزمة القدوات التي نعيشها اليوم أزمة مفتعلة.وإن القدوات التي نصبت للمسلمين اليوم من التافهين أو المنحرفين بل حتى بعض الكافرين الذين يقتدي بهم بعض شباب الأمة ونسائها ليسوا أهلًا لذلك.

وإن أمة الإسلام ليست مفلسة من القدوات الحقيقية حتى يؤتى لنا بقدوات مستوردة أو قدوات معلبة. إننا نملك رصيدًا ضخمًا من القدوات من الأحياء والأموات، لكن أعداء الإسلام مع قلة من المنافقين والجهلة يصرون على عرض تلك النماذج التي ترونها على الساحة من الفاسقين والفاسقات على أنهم منارات هدى وأعلام صلاح. هذه الأمة تمتلك عددًا هائلًا من القدوات أحياءً وأمواتًا، لكن الأموات منها حبيسة الكتب، والأحياء منها حبيسة المنازل أو المكاتب لا يعلم بهم إلا الله وكفى به حسيبًا.

وها نحن اليوم نعرض قدوة من القدوات من التابعين رضي الله عنهم أجمعين، والتابعي هو الذي أدرك زمن الصحابة ورآهم ولم ير الرسول صلى الله عليه وسلم.

لكننا لن نذكر سيرته كاملة بل سنلقى الضوء على بعض منها ونقف معها لنهتدي بها في حياتنا وتعاملنا مع ربنا ومع الناس. ونسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما في سيرته من الخير.

معاشر المؤمنين، شخصية هذه الخطبة هو الربيع بن خثيم رحمه الله تعالى تلميذ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود وأورع أصحابه، قال له ابن مسعود: (يا أبا يزيد، لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين) وكان إذا رآه بن مسعود يقول: (وبشر المخبتين) .

وقفة مع حفظه للجوارح.

إخوتي الكرام، لأن الجوارح هي بريد القلب كان السلف رحمهم الله أشد حرصًا على حفظها وتربية أنفسهم من خلال مراقبتها خوفًا من تأثيرها على قلوبهم، وهكذا كان الربيع رضي الله عنه حريصًا على حفظ جوارحه، فقد دخل المسجد نساء فلم يطرف الربيع حتى خرجن. هكذا يبالغ بالغض حتى يصون الحالة الإيمانية التي اكتسبها من خلال تهذيبه لنفسه ولكي لا يدخل على نفسه صورة تزاحم صور وقيم الآخرة، فأين شبابنا اليوم من هذه الخصلة التي هي غض البصر عن نساء المسلمين. أين الذين ينظرون إلى النساء المتبرجات في جهاز التلفاز وفي المجلات وفي الطرقات والأسواق. إذا رأى أحدهم امرأة لاحت من بعيد فإذا به يتبعها بنظره حتى تغيب بالبعد أو يواريها بيت. وهؤلاء تراهم يجلسون في الأسواق حينًا أو على جوانب الطرقات حينًا آخر. وصنف آخر يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يسترقون النظرات إلى نساء المسلمين أو إلى المتبرجات من المسلمات والكافرات على صفحات المجلات وغيرها.

واعلم أن الكثير من الناس لا تعلم عن عيوبهم حتى تخالطهم وتصحبهم وتسافر معهم، ولا بد من استدراك بعض النواقص والعيوب عليهم، هذا إن كان في سفر لا يتعدى الأسابيع ولا يتجاوز في أقصى حالاته بضعة من الشهور، ولكننا عندما نسمع عن هذا العلم من أعلام التابعين أن أحدهم صاحبه عددًا من السنين فلا يسمع منه شيئًا يعاب فهذا حقًا ما يبعث على الدهشة والإكبار فقد روى التيمي"قال أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين عامًا ما سمع منه كلمة تعاب"فأي تربية هذه التي كان ينتهجها الربيع مع نفسه حتى كانت هذه السيطرة على لسانه فلا يسمع منه كلمة تعاب مع طول مدة الصحبة. ومع ذلك لم يكن من النوع الذي تخفى عليه عيوب نفسه التي لا يراها الآخرون، فيقول رحمه الله: إن الذنوب ذنوب السرائر اللاتي يخفين على الناس وهن لله بواد.

ثم هذه وقفة أخرى مع تزكيته لنفسه: لقد انشغل الربيع بتزكيته لنفسه عن ملاحظة عيوب الآخرين وصدق قول القائل: (لو نظر الناس إلى عيوبهم لما عاب أحد على أحد) .

وهكذا كان الربيع رحمه الله. قيل له: يا أبا يزيد ألا تذم الناس؟ فقال: والله ما أنا عن نفسي براض فأذم الناس, إن الناس خافوا الله على ذنوب الناس وأمنوه على ذنوبهم. ولقد كان يستشعر أن القرآن يخاطبه مباشرة وبهذا الشعور كان يقرأ القرآن كان يتهجد في سواد الليل مرة، فمر بقوله تعالى: أَمْ حَسِبَ ?لَّذِينَ ?جْتَرَحُواْ ?لسَّيّئَـ?تِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ سَوَاء مَّحْيَـ?هُمْ وَمَمَـ?تُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21] . فلم يزل يرددها ليله كله حتى أصبح لا يتجاوز الآية إلى غيرها ويبكي بكاء شديدًا.

الحمد لله الواحد بلا شريك، والقويّ بلا نصير، والعزيز بلا ظهير. أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْبَصِيرُ [الشورى:11] .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وجاهد في الله حقّ جهاده، وتركنا على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. صلى الله عليه وسلم، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:

فنقف أيضًا وقفة مع تربيته لنفسه على عدم الثأر للنفس.

هكذا هي قواعد التربية عند سلفنا الصالح دائمًا لا يتجاوزونها قيد أنملة فلا غضب إلا لله تعالى لأنهم قد جردوا النفوس التي بين الضلوع، فما كان لغير الله أخرجوه منها ولم يبق إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم. ونفوس كهذه النفوس لا يوجد فيها غضب لذاتها عندما تهان، فمما جاء في سيرته رحمه الله أنه كان في المسجد ورجل خلفه، فلما قاموا إلى الصلاة جعل الرجل يقول له: تقدم ولا يجد الربيع مكانًا أمامه فرفع الرجل يده، فوجئ بها في عنق الربيع، ولا يعرف أن الذي أمامه هو الربيع بن خثيم، فالتفت الربيع إليه فقال له: رحمك الله..رحمك الله، فأرسل الرجل عينيه فبكى حين عرف الربيع.

ولعل نفس الربيع في تلك اللحظات تدعوه للانتقام أمام هذه الإهانة أمام الناس وبدون سبب وهو المشهور بين الناس، ولكنه يدوس على هذه النوازع ويقابلها بعكس ما تريد، فيدعو للمعتدي عليه بالرحمة مرتين مما جعل المعتدي يفجأ بهذا الخلق العظيم فيبكى.

وسرق له فرس، والفرس يعد في ذلك الزمان الدابة المفضلة الغالية الثمن فقال له بعض الناس: ادع الله عز وجل عليه، فقال:بل أدعو الله له، اللهم إن كان غنيًا فأقبل بقلبه، وإن كان فقيرًا فأغنه. عجبًا والله لحسن الخلق.

وتأمل رحمني الله وإياك موقف أحد الناس حين سرق حذاؤه من المسجد. فتصور ماذا قال. لقد أخذ يلعن من سرق حذاءه. يلعن مسلمًا من أجل حذاء، وعندما قلت له:أتلعن مسلمًا من أجل حذاء؟! قال: نعم.

ثم قارن بين حال أسلافنا رحمة الله عليهم أجمعين وحالنا اليوم. لقد كان هؤلاء لا يشغل قلوبهم هم أو ألم أو غم سوى ما يتصل بأمور الآخرة، ولأنها هي التي غلبت على نفوسهم فكل ما دونها هين في أعينهم ليس له اعتبار مادام دنيويًا. وهذا كان واضحًا في رد الربيع عندما يسأل:كيف أصبحتم؟ فيقول: ضعفاء مذنبون، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.

هي نفوس متعلقة بالآخرة، ولا وقت لها لإضاعته في غير ذلك، ومما يرويه أبو حيان عن أبيه قال: ما سمعت الربيع بن خثيم ذكر شيئًا من أمر الدنيا إلا أني سمعته مرة يقول: كم لكم مسجدًا. هذه هي المرة الوحيدة التي سمعه فيها هذا الرجل يتكلم بأمور الدنيا.

وقفة مع شدة خوفه من الله.

لقد كانت أمه ترق له عندما كان غلامًا لم يبلغ الحلم بعد، وقد انشغل بكثرة قيام الليل فتقول له: يا ربيع ألا تنام, فيقول: يا أماه من جن عليه الليل وهو يخاف السيئات حق له ألا ينام. فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت: يا بني لعلك قتلت قتيلًا؟ قال: نعم يا أماه قد قتلت قتيلًا. قالت: ومن هذا القتيل يا بني حتى نتحمل إلى أهله فيغتفروك (يسامحوك) والله لو يعلمون ما تلقى من السهر والبكاء بعد لرحموك، فقال: يا أماه هي نفسي (أي قتلت نفسي بالمعاصي) .

وهكذا هم طلاب الآخرة في صراع دائم مع أنفسهم التي تدعوهم إلى السوء ويدعونها للصلاح تجذبهم بقوة خارج الصراط ويجذبونها بقوة نحو الصراط، فهو في ممارسة دائمة لقتل هذه النفس التي تأمره بالسوء أو تحويلها إلى نفس ذات خصائص أخرى تدعوه إلى الخير. ولم يخف بكاؤه على أهل بيته حتى أن ابنته لاحظت ما لاحظته أمه من قبل فقالت له مشفقة عليه: يا أبتاه الناس ينامون ولا أراك تنام. قال: يا بنية إن أباك يخاف السيئات.

وقفة مع محاسبته لنفسه.

إنه عندما يصل المرء إلى هذا المستوى في التقرب إلى الله، وهذه الحالة الإيمانية لكثرة الاتصال والصفاء، قد تحثه نفسه على العجب لما وصل إليه، واحتقار ما يقدم الآخرون والشعور بالتميز عنهم لما وفقه الله من ذلك الخير ولكن الربيع ينتبه إلى هذا الأمر الدقيق ولا يترك لنفسه مجالًا لتحرق ما قدم وتبطل ما عمل وتهدم ما بنى، فلقد كان وهو يبكي والدموع تبل لحيته يقول: لقد أدركنا قومًا كنا في جنوبهم لصوصًا.

هذه المحاسبة الدقيقة إنما هي نتاج ذلك الخوف من الله تعالى، خوف يبعثه على التحري الدقيق لكل ما يقول وكل ما يفعل إن كان خالصًا لله أم كان غير ذلك.

وتأتي ابنته الصغيرة وهو مجتمع بأصحابه تستأذنه باللعب فيرد عليها"اذهبي فقولي خيرًا، فتعيد عليه وهو يعيد كلامه فلما أكثرت عليه قال له بعض القوم: اتركها تذهب تلعب. قال: لا أحب أن يكتب علي اليوم أني أمرت باللعب. ولقد كان لا يترخص مع نفسه خوفًا من التجرؤ عليه في أمور أخرى."

وكان يلتزم العزم في الأمور ليقوى على نفسه من غير غلو أو خروج عما أمر الله به أو جاءت به السنة. فقد أصابه في آخر حياته الفالج (الشلل) فكان يحمل إلى الصلاة، فقيل له: إنه قد رخص لك، قال: قد علمت، ولكني أسمع النداء بالفلاح. فلا يرضى أن يسمع الأذان وهو مشلول، فلا يجيب.

فأين شبابنا وأقوياءنا الذين تركوا الصلاة في المساجد ويصلون في بيوتهم وقد رزقهم الله الصحة والعافية؟ أين الذين إذا بعد المسجد عن بيوتهم قليلًا تركوا الصلاة فيه وأصبحوا يصلون في بيوتهم؟! لا أخالهم الآن يجدون جوابًا لهذه التساؤلات.

وبعد معاشر المؤمنين ماذا عسى الواحد فينا يقول لنفسه حين يسمع سيرة هؤلاء عليهم رحمة الله؟ وكيف يكون حال الواحد منا وهو يرى الواحد من السلف قد عمل الصالحات وهو خائف مشفق. ونحن نسيء ونقصر، ونحن في أمن واطمئنان.

إنه عباد الله الغرور بتسويلات الشيطان والاغترار بقلة من الطاعات الواجبة التي يؤديها المرء، وهو يرى أنه يستحق الجنة على ما فعل. فنسأل الله أن يعاملنا بعفوه وكرمه.

اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا. اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت