الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة, مكارم الأخلاق
عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة
جامع السلام
1-الراحمون يرحمهم الرحمن. 2- وصية القرآن والسنة بالرحمة. 3- جوانب الرحمة.
4-أحق الناس بالرحمة الوالدين ثم الأولاد والأرحام والقرابات ثم العمال والخدم. 5- نصيحة
للكفلاء بحسن معاملة المكفولين وتحذير من القسوة عليهم وأكل أموالهم بالباطل. 6- الرحم
بالحيوان. 7- الرحمة مع المرضى وذوي العاهات.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى
إخوة الإيمان: عن عمر بن الخطاب: قدم على رسول الله بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها تبحث عن طفلها حتى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته فقال رسول الله: (( أترون هذه المرأة طارحة وليدها في النار، قلنا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه ، قال: فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها ) ).
الإسلام رسالة خير وسلام وعطف على البشرية وكانت رسالة رسول الله رحمة لها لهذه البشرية وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وسور القرآن الكريم مفتتحة كلها بـ ] بسم الله الرحمن الرحيم[ والرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى.
الرحمة صفة للمولى تباركت أسماؤه، ورحمته شملت الوجوه وعمت الملكوت ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا [غافر:7] وكثير من أسماء الله الحسنى ينبع من معاني الرحمة والكرم والفضل والعفو، وفي الحديث القدسي: (( إن رحمتي تغلب غضبي ) )أي أن عفوه عن المخطئين يسبق اقتصاصه منهم وبذلك كان جل وعلا أفضل الرحماء وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين. [ المؤمنون 118 ]
عباد الله إن ما نراه في الأرض من تواد وبشاشة وتعاطف وبر أثر من رحمة الله التي أودع جزءا منها في قلوب الخلائق، فأرقُّ الناس أفئدة أوفرهم نصيبا من هذه الرحمة وأرهفهم إحساسا بحياة الضعفاء، أما غلاظ الأكباد من الجبارين والمستكبرين فهم أبعد الناس عن الله وفي الحديث: (( إن أبعد الناس من الله تعالى القاسي القلب ) ).
وكان رسول الله يعدُّ جمود العين واستغلاق القلب من الشقاء وحين أراد الله أن يمتن على العالم برجل يمسح آلامه ويخفف أحزانه ويرثي لخطاياه ويستميت في هدايته من الشرك والضلال وياخذ ويناصر الضعيف ويقاتل دونه ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنسانا سليم الفطرة لا يضر ولا يطغى أرسل محمدا عليه الصلاة والسلام وسكب في قلبه العلم والحلم وفي خلقه الإيناس والبر وفي طبعه السهولة والرفق وفي يده السخاوة والندى وجعلها أزكى عباد الله رحمة فبما رحمة من الله لِنت لهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لا نفضوا من حولك [ آل عمران 195]
في غزوة أحد حاول المشركون اغتياله وألجئوه إلى حفرة ليُكَبَ فيها ونظر إلى أعز أصحابه فوجدهم مضرجين بدمائهم على الثرى وشق خده وسقطت رباعيته، فقيل له مع هذه الأزمات ادع على المشركين لكن رحمته غلبت وجعلت نفسه العالية تتيح العذر لأعدائه فكان دعاؤه (( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) )وتلك هي القلوب الكبيرة، التي قلّما تستجيش دوافع القوة لكنها أبدا تنزع إلى الصفح والحنان فهي إليه أقرب ، إن القسوة في خلق الإنسان دليل نقص كبير وفي تاريخ أمة دليل فساد خطير ولذلك حذر منها القرآنُ المسلمين ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [الحديد:16]
إخوة الدين والعقيدة الإسلام أمر بالتراحم العام يقول عليه الصلاة والسلام (( لن تؤمنوا حتى تُرحموا، قالوا يا رسول الله كلنا رحيم قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة ) )رواه الطبراني.
إن الرجل قد يهش لأصدقائه حين يلقاهم ، وقد يرق لأولاده حين يراهم ، لكن المفروض في المؤمن أن تكون رحمته أوسع ، فيظهر بشاشته ويبدي مودته لعامة من يلقى ، على ذلك حث رسول الله (( طوبى لمن تواضع في غير منقصة ، وذل في نفسه من غير مسألة وأنفق مالا جمعه في غير معصية ، ورحم أهل الذل والمسكنة ، وخالط أهل الفقر والحكمة ) )رواه البخاري.
قال عليه الصلاة والسلام: (( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ) )وزاد في رواية (( من لا يَغفر لا يُغفر له ) ).
إن الرحمة كذلك لا تعني الضعف والتهاون لا تعني التساهل مع المخطئ فقد تأخذ الرحمة طابع القسوة وليس كذلك، ألسنا نسوق الأطفال إلى المدارس كارهين ،ثم نأمرهم أنيحفظوا الدرس زجرا ،وكل ذلك رحمة لهم:
فقسى ليزدجروا ومن يكُ راحما فليقس أحيانا على من يرحم
فليست الرحمة حنانا لا عقل معه ،فهناك من لا تشمله الرحمة في بعض صورها ،كالقاتل الذي لا ينبغي أن تمنعنا الرحمة من إقامة الحد عليه ،لأن قتله حياة للمجتمع: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون [البقرة:179] إن الرحمة أثر الإسلام في طبائع أهله، هذا الأثر يحدوهم إلى البر ، ويهب عليهم في الأزمات الخانقة ريحا ترطب الحياة وتنعش الصدور يقول فيما رواه البخاري (( جعل الله الرحمة مائة جزء وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ) ).
أيها الإخوة المؤمنون: بعد أن عرفنا الرحمة يجب أن نعلم أن الإسلام نبه أن هناك أقواما وأصنافا مخصوصين ينبغي أن يحظوا بأضعاف مضاعفة من الرحمة والرعاية.
من هؤلاء ذوو الأرحام أي الأقرباء قال رسول الله فيما رواه الترمذي (( الراحمون يرحمهم الله تعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ، الرحم شجنة - أي قريبة - من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ) ).
وعلى المسلم أن يؤدي حقوق أقربائه وأن يقوي بالمودة الدائمة، صلات الدم القائمة وأجدر الناس بجميل بره وآثار رحمته عليه وأولاهم به وهم والداه قال الله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا [الإسراء 24]
وكذلك جدير برحمة الأب أولادُه من بعد أبويه، يحرص على تنشئتهم على الطاعة وتربيتهم على الخير والإنفاق عليهم والحزن لمصيبتهم عن أنس قال: (( دخلنا مع رسول الله على ولده لإبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعده وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله تذرفان فقال ابن عوف وأنت يا رسول الله كأنه استغرب بكاءه فقال: القلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) )رواه مسلم.
وعن أبي هريرة قال (( قَبَّل رسول الله الحسن والحسين وعنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا قط فنظر إليه رسول الله وقال أَوَ أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك ) )وفي رواية (( من لا يرحم لا يرحم ) )رواه البخاري.
ولا يجوز للمسلم أن يوصد قلبه وبيته دون أقاربه وأن يقطع علاقته بهم فيحيا بعيدا عنهم لا يواسيهم في ألم ، ولا يسدي إليهم عونا وهذا ما نراه منتشرا مع الأسف في عصورنا المتأخرة حيث الأب لا يصله الأبناء أو يتأخرون عن صلته ، حيث الأم تترك مهملة وَتُقَّدُمَ عليها الزوجة في البر والصلة والشراء، لقد بتنا نرى الأخ لا يسأل عن أخيه والأقرباء لا يتعارفون والجيران لا يتزاورون، قبل عهد قريب زرت دارا لرعاية المسنين حدثني القائمون عليها ما يندي الجبين خجلا من إهمال الأبناء لآبائهم والأقرباء لأقاربهم فأين الرحمة ؟ هل نزعت من القلوب هل أثرت المادة إلى حد قطع الصلاة والقرابات إن هذه القطيعة تحرم الإنسان من بركة الله وتعرضه لسخطه.. عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول: (( الرحم شجنة من الرحمن تقول يا رب إني قُطعت، يا رب إني أُسيء إلَّي، يا رب إني ظُلمت، يا رب فيجبيها: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ) ).
إخوة الإيمان وممن تجب لهم الرحمة اليتامى فإن الإحسان إليهم والبر بهم وكفالة عيشهم ومستقبلهم من أزكى القربات ومن الدواعي التي تساعد على تزكية الرحمة في القلب روى أحمد عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى رسول الله قسوة قلبه فقال: (( امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين ) ).
فهل يا ترى نهتم باليتيم والمسكين وما أكثرهم اليوم هل نعطيهم جزءا من رعايتنا ونصيبا من كفالتنا ورحمة وعطفا وحنانا.
ومن مواطن الرحمة أيها الإخوة أن نحسن معاملة الخدم والعمال وأن نرفق معهم فيما نكلفهم من أعمال وأن نتجاوز عن هفواتهم غير المقصودة وألا نحسّس سوء التصرف فيهم وملك الكفالة عليهم من عبث بتسخيرهم، فإن الله إذا مّلك أحدا شيئا فاستبد به وأساء، سلبه ما ملكه وأعد له سوء المنقلب ، عن أبي مسعود البدري قال كنت أضرب غلاما لي بالسوط فسمعت صوتا من خلفي
: اعلم أبا مسعود. فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذا هو رسول الله فإذا هو يقول (( اعلم أبا مسعود أن الله أقدر منك على هذا الغلام. فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى. فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار ) )، رواه مسلم.
إن هناك رجالا ونساء ينتهزون فرصة ضعف العمال والخدم والخادمات فيوقعون بهم ألوان الأذى، والإسلام يرهب من هذا ويتوعد عليه قال (( من ضرب ظلما اقتص منه يوم القيامة ) )فأين الكفلاء الذين يؤذون العمال بسياط الضرائب الشهرية من أموالهم وكدهم بدون مقابل، أين الكفلاء وأصحاب المؤسسات من سياط تأخير الرواتب على هؤلاء الضعفة الذين جاءوا من أقاصي الدنيا لجمع مال يقتاتون به هم وأسرهم، ألا نتذكر كيف كان أجدادنا في الماضي يعملون ويتعبون في بلدانهم فهل كنا نرضى لهم هذا الظلم؟ إن من الرحمة أن نرحم هؤلاء العمال الخدم ونشفق عليهم.
إخوة الإيمان: إن عظمة الإسلام في الرحمة عظمت حتى شمل الأمر بالرحمة أن يرحم الإنسان الحيوان، فتلك رحمة مطلوبة، قال رجل يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها فقال: (( إن رحمتها رحمك الله ) )رواه الحاكم في مستدركه.
ويؤاخذ الإسلام من تقسو قلوبهم على الحيوان ويستمتعون بآلامه والإنسان على عظيم قدره يدخل الناس في إساءة يرتكبها مع دابة عجماء ، روى البخاري في صحيحه أن رسول الله قال (( دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ) )
وكما أن تلك القسوة أدخلت النار فإن كبائر الذنوب تمحوها نزعة رحمة تغمر القلب ولو بإزاء كلب قال: (( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها حتى شرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر الله له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا. قال: في كل كبد رطبة أجر ) )وفي رواية (( أن امرأة بغيا من بني إسرائيل رأت كلبا في يوم حار يطيف قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له خفها فسقته فغفر لها به ) )رواه مسلم.
أيها الإخوة المؤمنون: لئن كانت الرحمة بكلب لأجل الله تغفر ذنوب البغايا فإن الرحمة إذا تصنع العجائب، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح:29]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الحمد لله على إحسانه..أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى.
إخوة الإيمان: الرحمة صفة عظيمة شاملة، وممن تشملهم الرحمة وتجل معهم المرضى وذوي العاهات المصابون الذين يستقبلون الحياة بنقص، بعجزهم عن السير في الحياة الطبيعية ،فالمريض شخص قيدته العلة ونغصه حر الداء ومر الدواء، وإذا صبر على أوجاعه فهو قريب من الله حقيق برحمته وإذا كان مس الشوكة يكفر من سيئات المؤمن فما بالك بمن برحت به الأوصاب وأذاقته أشد العذاب، ولذلك نحذر من الإساءة إلى المرضى والاستهانة براحتهم فإن القسوة معهم جرم غليظ، ولذلك كان فضلا عظيما يلحق المؤمن بزيارته المريض وتعزيته بمصابه ودائه، وهذا ما ينبغي أن نحرص عليه لنقوم من حقوق المسلم، واهتماما بالمرضى فقد حرصت بعض الفئات ممن حداهم الخير إلى إنشاء لجنة خاصة بالمرضى وهي ما تسمي بلجنة أصدقاء المرضى والتي وجدت في عدد من مناطقنا في المستشفيات، وتسعى لجنة أصدقاء المرضى الخيرية للعناية بالمرضى فترعى منهم المريض المحتاج ، فتسد عوزه، وتنظر إلى حاجة بعض المرضى لأجهزة تعينهم بعد الله على تخفيف آلامهم فتوفرها لهم ، وتنظر كذلك إلى حاجة المستشفى لبعض الخدمات فتسعى لإيجادها، ومن ضمن الخير المكنوز في هذه المنطقة.
وهذا المجتمع أن انتشرت هذه اللجنة في مستشفياتها بسعي من أهل الخير والمهتمين بحال المريض بل والمحتاج الفقير المريض أيضا.
وهذا دعوة يا عباد الله نتواصى فيها على رحمة هذه الصنف من الناس الذين قعد بهم المرض عن طريق لجنة أصدقاء المرضى والتي صرح لها بالعمل في هذا المجال وهي تستقبل تبرعاتكم المالية ودعمكم الخير بأنواعه في حساباتهم الموجودة والمعلنة وهم بأشد الحاجة لهذا الدعم والتبرع الذي سيكون له كبير الأثر على المرضى وأقاربهم وفي إعانتهم على تحمل آلام المرض بعد عون الله جل وعلا وشفائه لهم بإذن الله، نسأل الله أن يتقبل صدقاتكم ويجعلها في ميزان حسناتكم.