فهرس الكتاب

الصفحة 4631 من 5777

ونزل المؤشر

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

الفتن, قضايا المجتمع

فهد بن سالم الحامد

الأحساء

جامع ابن درعان

1-سنة الابتلاء. 2- كثرة طرق لكسب المال. 3- أنواع أسواق الأسهم. 4- حقيقة سوق الأسهم. 5- مصيبة نزول سوق الأسهم.6- دروس وعبر من هذا الحدث.

أما بعد: عباد الله، أوصيكم ونفسى بتقوى الله حيث يقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

عباد الله، يبتلي الله عباده بالسراء والضراء، والنعمة والبأساء، والصحة والمرض، والغنى والفقر، يقول سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155] ، ويقول المصطفى: (( لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال ) )أخرجه ابن حبان.

وقد انتشرت طرق كثيرة لكسب المال وتحقيق الثراء السريع، من أشهرها أسواق الأسهم المالية، أصلها غربي، أخذه المسلمون عن الدول الغربية التي يحكم أسواقها القانون المدني، وقد قامت هيئات شرعية في عدد من البنوك في البلاد الإسلامية بضبطه وتعديله ليتوافق مع الأحكام الشرعية، لكن بقي فيه فجوات كبرى طالما حذّر منها الناصحون والغيورون، مثل المضاربات العشوائية والتضخم اللامعقول والكذب والتغرير والنجش، وغير ذلك مما اختلط بأسواق الأسهم وأفسدها.

أيها المسلمون، ينبغي أن نعي لعبةَ الأسهم، فهناك مجموعاتٌ لا تخافُ الله تعالى ولا ترجو الدارَ الآخرة، يتحكمون في السوق، يعقدون الصفقات مع بعضِ الشركاتِ التي يرغبونَ في رفع قيمة أسهمِها، وبالمقابلِ يكسرونَ أسعارَ أسهمِ شركاتٍ أخرى بما يملكون من سيطرةٍ ماليةٍ؛ ولذا فهم يتلاعبون بأسعارِ الأسهم كما يفعلُ لاعبو اليانصيبِ، وها نحن اليوم نرى نتائج تلك اللعبة.

عباد الله، ومما ينبغى التنبيه له أن تلك الشركات منها ما هي محرمة بلا خلاف كالشركات الربوية أو التي أصل نشاطها محرّم كالبنوك التي تتعامل بالربا، ومنها شركات مختلطة أصلُ نشاطها مباح ولكنها تُقرض أو تقترض بالربا، وقد أباحها بعض أهل العلم بضوابط معينة، والصحيح أنها محرّمة لا يجوز الدخول فيها على الراجح من أقوال جماهير العلماء المعاصرين والمجامع واللجان الفقهية والشرعية، والقسم الثالث شركات مباحة يجوز المساهمة فيها، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن، وهي التي أصل نشاطها مباح وسلِمت من القروض الربوية.

أيها المسلمون، في هذه الأيام نزلت أسواق الأسهم وهبطت المؤشرات في كثير من الدول المجاورة، فذهل الناس وأصيبوا بحالة من الذعر والخوف، ثم بدأ مسلسل الخسائر المتتالية، فحلَّت بالمساهمين خسائر فادحة، فترى القوم صرعى، يتجرعون مرارة البلوى، ويرفعون بسببها الشكوى، فكم ترى من مهموم مغموم مثقل بالديون، وتسمع عن آخرين ارتفع عندهم ضغط الدم أو السكري أو كلاهما، فأدخلوا المستشفيات والمصحات، وسمع الناس عن حالة وفيات، ومنهم من أصيب بانهيار عصبي لأجل فقده جميع ما يملك وتصفية جميع محفظته التي كان قد اقترض نصف رأس المال فيها من أحَد البنوك، فاستوفى البنك مستحقاته وبقيت الخسارة يتجرعها هذا المسكين لوَحده، إلى غير ذلك من مسلسل المصائب والنكبات التي أفرزتها هذه الأزمة وهذا الانهيار السريع.

ولا ينكر أحد أن المال محبَّب إلى النفوس فطرةً، فهو عصب الحياة وشقيق الروح، وبقدر ما يتمنى المرء الحياة والبقاء فهو يتمنى المال كما قال النبي: (( يهرم ابن آدم وتشبّ معه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر ) )، وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ يقول: (( لا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا في اثْنَتَيْنِ: في حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ ) )رواه البخاري.

وفي هذه المصيبة المالية والنقيصة الدنيوية نذكّر أنفسنا والمسلمين بعدة أمور:

أولًا: إلى كلّ مصاب بخسارة في هذه الأسهم، اعلم أن الله ابتلاك في المنع كما ابتلاك في العطاء، قال تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ [آل عمران:186] ، وقال سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155] .

ثانيًا: تذكر ـ أخي المسلم ـ أن الصبر على أقدار الله المؤلمة أحد أصول الإيمان، قال عُبَادَةُ بن الصَّامِتِ لابْنِهِ: يا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حتى تَعْلَمَ أَنَّ ما أَصَابَكَ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سمعت رَسُولَ اللَّهِ يقول: (( إِنَّ أَوَّلَ ما خَلَقَ الله الْقَلَمَ، فقال له: اكْتُبْ، قال: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كل شَيْءٍ حتى تَقُومَ السَّاعَةُ ) )، يا بُنَيَّ إني سمعت رَسُولَ اللَّهِ يقول: (( من مَاتَ على غَيْرِ هذا فَلَيْسَ مِنِّي ) )أخرجه أبو داود. وعَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: قال لي رسول اللَّهِ: (( يا غُلامُ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ ما أَصَابَكَ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلائِقَ لَوِ اجْتَمَعُوا على أَنْ يُعْطُوكَ شيئا لم يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَكَ لم يَقْدِرُوا عليه، أو يَصْرِفُوا عَنْكَ شيئا أَرَادَ أَنْ يُصِيبَكَ بِهِ لم يَقْدِرُوا على ذلك، فإذا سَأَلْتَ فَسَلِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مع الْكَرْبِ، وَأَنَّ مع الْعُسْرِ يُسْرًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ قد جَرَى بِمَا هو كَائِنٌ ) )رواه الطبراني في الكبير.

عباد الله، إن الصبر جميل، وعاقبته حميدة، فلا تتسخط على أقدار الله، ولا تقع في سبّ الدهور والأزمان، واحذر أن تفتَح على نفسك باب الشيطان بكلمة"لو"، فتقول: لو أني ما فعلت، لو أني ما ساهمت. إنه أمر قضي وانتهى، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ: (( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللَّهِ من الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كان كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وما شَاءَ فَعَلَ، فإنّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ) )رواه مسلم.

والمؤمن يصبر اختيارًا، ومن لم يصبر صبرَ الكرام سلا سلوَ البهائم. يقول عمر رضي الله عنه: (وجدنا خير عيشنا بالصبر) ، وقال علي بن أبى طالب رضى الله عنه: (الصبر مطية لا تكبو) . وإذا صبر المؤمن زاد إيمانه، وتطلع بعده إلى الرضا، وهو أعلى درجة من الصبر التي يحفظه الله بها عما هو أشد منها. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (2/174) :"الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين". ويقول أيضا (2/208) :"من ملأ قلبه من الرضا بالقدر ملأ الله صدره غِنى وأمنا وقناعة، وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظّه من الرضا امتلأ قلبه بضدّ ذلك واشتغل عمّا فيه سعادته وفلاحه، فالرضا يفرغ القلب لله، والسخط يفرغ القلب من الله."

إذا اشتدت البلوى تخفّفْ بالرضا عن الله قد فاز الرضيُّ المراقب

وكم نعمة مقرونة ببليّة على الناس تخفى والبلايا مواهب

ثالثًا: إنّ في هذا الحدث عبرةً وعظةً تستوجب الخروج من المظالم والتوبة من المآثم، فكم ماطل أقوام بحقوق غيرهم، بل وتحايلوا على أموال النّاس أو أسمائهم رغبة في الثراء السريع والتجارة العاجلة، فمنعوا حقوقًا لأصحابها طمعًا في المال، وربما كتموا عنهم مقدار الأرباح واستأثروا بها عنهم مستغلّين جهلم بحقيقة الاكتتاب وحركة الأسهم، وكم ولغ الناس في الأسهم المحرمة الربوية منها أو المختلطة، وتساهلوا في ذلك ولم يبالوا بأي تحذير أو توجيه، أليس الربا شؤما وبلاء مؤذنا بالحرب من رب الأرض والسماء؟! قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:278، 279] ، أليس الربا يمحق الخيرات والبركات؟! قال تعالى: يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276] ؛ لذلك اشتد خوف السلف من الحرام، وحذروا منه أشدّ التحذير، امتثالًا لقوله: (( لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ ولا صَدَقَةٌ من غُلُولٍ ) )رواه مسلم، وقال رسول اللَّهِ: (( وَلاَ يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالا من حَرَامٍ فَيُنْفِقَ منه فَيُبَارَكَ له فيه، وَلاَ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَيُقْبَلَ منه، وَلاَ يترك خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلاَّ كان زَادَهُ إلى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ عز وجل لاَ يمحو السيئ بالسيئ، وَلَكِنْ يَمْحُو السيئ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لاَ يمحو الْخَبِيثَ ) )رواه أحمد. وكانت المرأة توصي زوجها عندما يخرج للعمل وطلب الرزق فتقول له:"يا هذا، اتق الله فينا؛ إنا لنصبر على الجوع ولا نصبر على النار".

عباد الله، للذنوب عقوبات وبليات وأزمات ونكبات، وقد تساهل الناس بالربا والمشتبهات إلى حدّ كبير، نسأل الله السلامة والعافية، حيث تطلّب بعض الناس المالَ والتجارة من أي طريق، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبي قال: (( يَأْتِي على الناس زَمَانٌ لا يُبَالِي الْمَرْءُ ما أَخَذَ منه أَمِنَ الْحَلالِ أَمْ من الْحَرَامِ ) )رواه البخاري. وكم من قضايا ومخالفات شرعية حصلت في زحمة انشغال الناس في أسواق الأسهم، فمنها ترك الصلاة بالكلية أو تأخيرها عن وقتها في صالات الأسهم وأمام الشاشات، وكم من قضايا الكذب والتزوير والإشاعات والتوصيات الكاذبة. أليست كلها ذنوبا ومعاصي وبعضها موبقات وكبائر؟!

عباد الله، والمخيف في الأمر أنّ العقوبة إذا حلّت ونزلت شملت الجميع إلا من رحم ربك، قال تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25] ، وفي البخاري:"باب: إذا أنزل الله بقوم عذابا بعثوا على أعمالهم"، قال ابن حجر رحمه الله في الفتح (13/61) :"وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن؟! فكيف بمن رضي؟! فكيف بمن عاون؟!". يقول ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد (2/432) :"من عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحلّ النقم، ومن تأمل ما قص الله تعالى في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره وما أزال الله عنهم من نعمه وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب كما قيل:"

إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم"."

الحمد لله، والصلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين، وسلم تسليما.

أما بعد: عباد الله، أوصيكم ونفسى بتقوى الله حيث يقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

عباد الله، إن الخسارة في المال مهما كانت فلن تعادل خسارةَ الدين والأخلاق وخسارة الأنفس والأرواح، اسال نفسك يا عبد الله: هل تساوي أموالك كلها أن تسهر ليلة على السرر البيضاء؟ ماذا لو أصيبت إحدى أطرافك بألم شديد وقرّر الأطباء بتر هذه الطرف؟ أرأيت لو قيل: إن هناك علاجًا في أقاصي الدنيا وقيمته جميع ما تملك، أتراك تدفع هذا المال لصحتك؟! قطعًا، لا أظن عاقلًا يتردد في ذلك. إذًا ألا تحمد الله أن عافاك في بدنك وأطرافك، فلقد أعطى كثيرا وأخذ قليلا، ورزق وأنعم ووسَّع في الرزق، فله الحمد على ما أعطى، وله الحمد على ما منع.

أخي المسلم، لا تنظر إلى النعم المفقودة، وإنما انظر إلى النعم الموجودة، واستمتع بها، واشكر الله على أن أبقاك صحيحًا مسلِمًا، والخسارة هي خسارة النفس والأهل يوم القيامة بالكفر والمعاصي، إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] .

رابعًا: من دروس هذه الحادثة أن لا ينظر المسلم إلى الأسباب المادية وحدها ويعتمد عليها وينسى سؤال الله تعالى وطلب الرزق منه وتعليق الأمور بمشيئته تبارك وتعالى، وكم نرى من يجزم بأخبار مستقبليّة دون تعليق ذلك بالمشيئة، وتذكر جميع الأمور والمحفزات والتوصيات وكون مستوى السوق بفضل كذا وكذا وبسبب كذا وكذا وليس لمشيئة الله وذكر الله وفضل الله وعطائه أيّ ذكر على لسان الكثيرين من رجال الأعمال وأهل الاقتصاد والمال، وقد عد العلماء ذلك نوعًا من كفر النعم قال تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل:83] ، يقول مجاهد:"هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي"، وقال عون بن عبد الله:"يقولون: لولا فلان لم يكن كذا". وقال تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] ، قال ابن عباس في الآية:"الأنداد هو الشركُ أخفى من دبيبِ النملِ على صَفاةٍ سوداء في ظُلْمَةِ الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كُليبة هذا لأتَانا اللصوص، ولولا البطُّ في الدار لأتانا اللصوص".

ومن دروس هذه الحادثة أن لا يتعلق الإنسان بأخبار شائعة ويبني تجارته على توصيات خادعة لم تبنَ على أسس مالية واقتصادية صحيحة.

خامسًا: الواجب أن يقتصد الإنسان في طلب الدنيا ولا يصاب بالسعار والهيام وراءها، فكم رأينا ورأى الجميع الأسراب المتكاثِرة في الاكتتابات، وازدحام الطرقات والمصارف، بل والقيام بالأسفار إلى دول مجاورة مع العنت والمشقة وترك الأهل والأولاد والوظيفة لأجل لمعان المكاسب وبريقها، وكم تساهل الناس في الطاعات والعبادات، ورأينا أقواما تركوا صلة الرحم والاجتماع بالقرابة وقضاء حقوق الوالدين لأجل العكوف في صالات الأسهم أو أمام جهاز الحاسب، يقول: (( قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه ) ). والقناعة أعظم كنز، وإذا رزق العبد القناعة أشرقت عليه شمس السعادة، قال الشافعي رحمه الله:

وإن القناعة كنز الغنى فصرت بأذيالِها مُمسك

فلا ذا يراني على بابه ولا ذا يرانِي به منهمك

وصرت غنيًا بلا درهم أمرّ على الناس شبه الملك

سادسًا: لا يجوز أن تنعكس آثار هذه الحادثة على الأسرة والأولاد أو الزوجة أو الإخوان بسبب الديون وتداخل الأموال وحصول الخسارة؛ لأن هذا أمر خارج عن قدرة الإنسان، فلا تضاعف خسارتك فتغضب من أيّ موقف ويتغير مزاجك وتتبدل أخلاقك على والديك وزوجتك وأولادك.

وبهذه المناسبة نذكر إخواننا الدائنين والمقرضين أن يتقوا الله ويرحموا المعسرين وينظرونهم أو يتجاوزوا عنهم، قال: (( من أنظر معسرا أو وضع عنه أظلّه الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) )أخرجه مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

سابعًا: لنعلم أن ما يقضي الله قضاءً للمؤمن إلا كان له فيه خير، كما ثبت بذلك الخبر عن المعصوم ، فكم في هذه المحنة من منحة، وفي هذه النقمة من نعمة، ففيها عبر وعظات ودروس للجميع، وفيها تقوية للمؤمن وتدريب له على الصبر، وفيها النظر إلى قهر الربوبية وذل العبودية، وفيها خضوع الإنسان لربه وانطراحه بين يديه، ولولا هذه النوازل لم يُرَ الإنسان على باب الالتجاء والمسكنة، والله تعالى يبتلي خلقه بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به، فهذه من النعم في طي البلاء:

كم نعمة لا تستقل بشكرها لله في طيّ المكاره كامنة

سبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه، وكما قيل:

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

عبد الله، الدنيا حقيرة، فهي عند أدنى مصيبة تصيب الإنسان تعكّر صفوه وتنغّص حياته وتنسيه ملاذّه السابقة، والكيس الفطن لا يغترّ بالدنيا، بل يجعلها مزرعة للآخرة.

وفقني الله وإياكم لاغتنام هذه الحياة بالباقيات الصالحات والتزود من أعمال الخير والبر، قال تعالى: وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:197] .

وسبحان ربك ربّ العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت