أديان وفرق ومذاهب
أديان
عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي
المجمعة
الجامع القديم
1-فضل المسجد الأقصى. 2- أشد أعداء الأمة المحمدية. 3- أخلاق اليهود وصفاتهم. 4- مساندة النصارى لليهود.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى حق تقواه يتحقق لكم موعود الله للمتقين حيث يقول سبحانه: لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْو?لِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ?لَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذ?لِكَ مِنْ عَزْمِ ?لأمُورِ [آل عمران:186] ، ويقول سبحانه: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ ?للَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:120] ، فمتى نحقق التقوى ونقرنها بالصبر يا عباد الله؟! ففيهما النجاة، وبهما الاعتماد بعد الله تعالى.
عباد الله، إن تاريخ أمتنا ونصوص شريعتنا تشهد بما للمسجد الأقصى من قدسية ومكانة، فقد أسري بنبينا محمد من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، وهذان المسجدان مع المسجد النبوي بالمدينة هي المساجد التي قال عنها رسول الله: (( لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ) )أخرجه البخاري ومسلم، فهي مساجد الأنبياء، فالأول قبلة الناس وإليه الحج، والثاني شرِّف بصلاة محمد فيه وقيامه بعمارته وسكناه المدينة النبوية، والمسجد الثالث كان قبلة الأمم السالفة، كما كان قبلة لأمة نبينا محمد تصلي نحوه، ثم أمروا بالتحول إلى الكعبة المشرفة.
وجاء في فضل المسجد الأقصى أحاديث عن رسول الله ، فهو المسجد الذي أسري بالنبي إليه، سُبْحَانَ ?لَّذِى أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ ?لْمَسْجِدِ ?لْحَرَامِ إِلَى? ?لْمَسْجِدِ ?لأقْصَى ?لَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1] ، وعن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولًا؟ قال: (( المسجد الحرام ) )، فقلت: يا رسول الله، ثم أي؟ قال: (( ثم المسجد الأقصى ) )، قلت: كم كان بينهما؟ قال: (( أربعون سنة ) )أخرجه البخاري ومسلم، وعن أنس رضي الله عنه أن قال: (( أتيت بالبراق وهو دابة أبيض، قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي تربط الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت ) )رواه مسلم.
أيها المسلمون، لقد ارتبط الأقصى بتاريخ المسلمين وسعد بولايتهم عليه قرونًا طويلة، كان محكومًا بالإسلام وحده، فلا قومية عربية ولا عنصرية شعوبية ينادى بها على ثراه، ولا علمانية لا دينية تبسط عليه لواءها، ولن يعود الأقصى بإذن الله تعالى إلا تحت راية التوحيد، وهل هناك فرق بين من يقول: القدس لليهود وحدهم وبين من يقول: القدس للجميع ويحكمها الجميع بما فيهم اليهود والنصارى والمسلمون؟! وهل كان هذا خيارًا لدى الأمة الإسلامية فيما غبر من الزمان؟! وهل ذهبت دماء المجاهدين الذين قتلوا دفاعًا عن الأقصى لتحقيق هذا الهدف أم أن هدفهم أن تعود القدس بلدًا إسلاميًا تعلو فيه راية التوحيد ويحكم فيها بشرع محمد فحسب؟!
عباد الله، اليهود هم أشد الأعداء لهذه الأمة بنص القرآن الكريم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ?لنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ?لْيَهُودَ وَ?لَّذِينَ أَشْرَكُواْ [المائدة:82] ، فهم أشد الناس عداوة للمسلمين، هم أشد من المشركين وأشد من النصارى وأشد من جميع الأمم، وفي الآية إشارة إلى طول الصراع بين المسلمين واليهود، وأنه صراع ليس مؤقتًا ولا سهلًا، بل هو صراع طويل، ولذلك كان من المهم التعرف على خصال اليهود وخلالهم؛ لأن من لم يعرف عدوه لم يستطع مواجهته.
أما عن أخلاق اليهود وصفاتهم التي تميزوا بها فهي كثيرة ذكرها الله تعالى في كتابه، فمن صفاتهم الكذب، قال الله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ?لامّيِينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى ?للَّهِ ?لْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:75] ، فاليهود قد كذبوا على ربهم دون حياء أو خوف، كما كذبوا على الناس جميعًا، على الأعداء وعلى الأصدقاء، والعجيب أنهم جعلوا هذا الكذب دينًا وعقيدة وعبادة وقربى تقربوا به إلى ربهم، وقد وصفهم الله تعالى أيضًا فقال: سَمَّـ?عُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـ?لُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة:42] ، فهل بعد كلام ربنا الواصف لهم بالكذب مجال لتصديقهم والثقة بهم؟!
وهناك خلق آخر تميز به اليهود وعرفوا به على مر الزمان، ألا وهو الخيانة، قال الله تعالى عنهم: فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـ?قَهُمْ لَعنَّـ?هُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ ?لْكَلِمَ عَن مَّو?ضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ [المائدة:13] ، وبعد هذا يخدع بعض السذج بعهود اليهود ومواثيقهم، ويظنون أن اليهود قد استقاموا وتخلوا عن خياناتهم، ولكن الآية تذكرهم بأن هذه الصفة مستمرة وتقول لهم: وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى? خَائِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مّنْهُمُ [المائدة:13] .
أما عن نقض العهود والمواثيق فلن تجد قومًا مثل اليهود في الاستخفاف بالعهود والمواثيق وفي عدم مراعاتها وترك الالتزام بها، بل جرأتهم على نقضها وإبطالها عجيبة، وإليكم نماذج من العهود والمواثيق التي أخذت على اليهود، ومع ذلك نقضوها قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـ?قَ بَنِى إِسْرءيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ?للَّهَ وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ?لْقُرْبَى? وَالْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتُواْ ?لزَّكَو?ةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـ?قَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دِيَـ?رِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَـ?ؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَـ?رِهِمْ تَظَـ?هَرُونَ علَيْهِم بِ?لإِثْمِ وَالْعُدْو?نِ [البقرة:83-85] ، وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـ?قَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ?لطُّورَ خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـ?كُم بِقُوَّةٍ وَ?ذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذ?لِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ ?لْخَـ?سِرِينَ [البقرة:63، 64] ، وقال عز وجل أيضًا في نقضهم للعهود والمواثيق: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْر?ءيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى? أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [المائدة:70] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ ?للَّهُ مِيثَـ?قَ بَنِى إِسْر?ءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ?ثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ ?للَّهُ إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ?لصَّلو?ةَ وَءاتَيْتُمْ ?لزَّكَو?ةَ وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ?للَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـ?تِكُمْ وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذ?لِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ?لسَّبِيلِ فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـ?قَهُمْ لَعنَّـ?هُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ ?لْكَلِمَ عَن مَّو?ضِعِهِ [المائدة:13، 14] ، فهل بعد هذه الآيات الواضحات حجة لأحد؟! فإن للقوم تاريخًا أسود في نقض المعاهدات، وربهم سبحانه أعلم بهم، يقول الله سبحانه وتعالى: أَوَكُلَّمَا عَـ?هَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [البقرة:100] ، فكلمة كُلَّمَا تدلّ على التكرار وأنهم كلّما عقدوا عهدًا أو ميثاقًا أو صلحًا نبذه أي: ألغاه وكفر به ونقضه فريق منهم، والفريق قد يكون طائفة منهم وقد يكون جماعة، وقد يكون حزبًا أو حكومة.
ومن صفاتهم المميزة التحايل وإتقان فن اللعب بالأوراق والعهود، فاليهود ـ يا عباد الله ـ تحايلوا على الأحكام الشرعية الموجهة لهم من عند الله، أفلا يتحايلون على البشر؟! ولقد سجل القرآن عليهم نماذج لتحايلهم على أحكام الله، منها ما ذكره الله تعالى في قوله: وَإِذْ قُلْنَا ?دْخُلُواْ هَـ?ذِهِ ?لْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَ?دْخُلُواْ ?لْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـ?يَـ?كُمْ وَسَنَزِيدُ ?لْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ ?لَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ ?لسَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [البقرة:58، 59] . أمرهم الله تعالى أن يدخلوا الأراضي المقدسة ساجدين مستغفرين يقولون: ربنا حُط عنا ذنوبنا، فتحايلوا على هذا الأمر الرباني ودخلوا يزحفون على أستاههم ويقولون: حبة في شعيرة، كما بين ذلك رسول الله.
ومن نماذج تحايلهم أن الله حرم عليهم بعض الطيبات عقوبة لهم، مثل شحوم الأنعام، فتحايلت يهود على هذا الأمر الرباني وأخذوا الشحوم المحرمة وأذابوها ثم باعوها وأخذوا ثمنها، فلعنهم الله بسبب ذلك، روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله: (( لعن الله اليهود؛ حُرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنا ) ).
ومن تحايل اليهود أيضًا أنهم عندما حرم الله عليهم الصيد يوم السبت صاروا ينصبون شباكهم قبل يوم السبت، ويأتون يوم الأحد ويأخذون ما صادته شباكهم، قال الله تعالى عن هذه الحيلة: وَسْئَلْهُمْ عَنِ ?لْقَرْيَةِ ?لَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ?لْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ?لسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذ?لِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:162] .
ومن صفاتهم احتقار أهل الأديان والأجناس الأخرى ووصفهم لهم بأقبح الصفات وأرذل الكلام، ويستبيحون أكل أموالهم، كما قال سبحانه: وَمِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ?لامّيِينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى ?للَّهِ ?لْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:75] ، فهذه بعض صفات اليهود التي ذكرها لنا القرآن الكريم.
عباد الله، من الأشياء التي وقف عندها عدد من المفسرين أن الله سبحانه وتعالى كان يخاطب اليهود الموجودين في عهد الرسول ، ويعاتبهم ويوبخهم على أشياء عملها أجدادهم، من مثل قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـ?قَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ?لطُّورَ [البقرة:63] ، وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـ?قَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ [البقرة:84] ، ثُمَّ أَنتُمْ هَـ?ؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَـ?رِهِمْ تَظَـ?هَرُونَ علَيْهِم بِ?لإِثْمِ وَالْعُدْو?ن [البقرة:85] ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ?لْكِتَـ?بِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] ، فالله سبحانه وتعالى يخاطب الأحفاد بجرائم الأجداد، ونحن نعرف أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئًا ولا يأخذ أحدًا بجريرة غيره، لا يؤخذ والد بولده، ولا يؤخذ ولد بأبيه، ولا أخ بأخيه، ولا زوج بزوجه، فما هذا السر في الخطاب الرباني؟! فيقال والله تعالى أعلم بمراده: إن لذلك معاني كثيرة، منها تعليم الأمة الإسلامية أن الشريحة اليهودية أو الجنس اليهودي له مجموعة خصائص وصفات تسري فيهم تتوارثها أجيالهم جيلًا بعد جيل وكابرًا بعد كابر، فهم يتصفون بها ولذلك خاطب الله تعالى اللاحقين بجرائم السابقين إشارة إلى أنهم على هذا المنوال ينسجون، وعلى هذا الطريق يسيرون، وأنهم بما تحلى به أجدادهم متحلون، فالخصائص موجودة، والصفات موجودة، فهم يتوارثون الخطيئة ويستحقون اللوم؛ لأنهم يتوارثون تلك النوايا وذات السلوك، ولو كانوا مكانهم لفعلوا مثل فعلهم، فالله المستعان وعليه التكلان، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أما بعد: فإن مما لا يستنكر ولا يتعجب منه أن نرى الأمم النصرانية تهب بقضها وقضيضها لنصرة إخوانهم اليهود وبذل الدعم المادي والمعنوي لهم في المواجهة القائمة الآن بين شباب وأطفال الفلسطينيين وبين اليهود، فهذه حقيقة أخبرنا عنها القرآن الكريم كثيرًا، فمن ذلك قول الله تعالى: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ?لْيَهُودَ وَ?لنَّصَـ?رَى? أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [المائدة:51] ، وأخبرنا ربنا أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنا مهما قدمنا لهم من الولاء والتبعية إلا أن نترك ديننا: وَلَن تَرْضَى? عَنكَ ?لْيَهُودُ وَلاَ ?لنَّصَـ?رَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] .
أما عن رغبتهم وأمنيتهم فيحدثنا القرآن عنها: وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء [النساء:89] ، وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـ?نِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة:109] .
ومن هنا لا نعجب إن علمنا ما قاله رئيس أمريكا منذ عشرات السنين:"إن التزامنا ببقاء إسرائيل التزام عميق، فنحن لسنا حلفاء رسميين، وإنما يربطنا معًا شيء أقوى من أي قصاصة ورق، إنه التزام معنوي، إنه التزام لم يخل به أي رئيس في الماضي أبدًا، وسيفي به كل رئيس في المستقبل بإخلاص، إن أمريكا لن تسمح أبدًا لأعداء إسرائيل الذين أقسموا على النيل منها بتحقيق هدفهم في تدميرها"اهـ، ويقول كارتر:"لقد جسد من سبقني من الرؤساء الأمريكيين الإيمان حين جعلوا من العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر العلاقات خصوصية، إنها علاقات فريدة؛ لأنها متأصلة في ضمير الشعب الأمريكي وفي أخلاقه وفي دينه وفي معتقداته"اهـ، وهذا الرئيس الأمريكي الحالي يعلنها صريحة ويكررها بأنه لن يخذل إسرائيل أبدًا.
هذا كلام رؤسائهم، ولا عجب فيه، فالكفر ملة واحدة، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] ، ولكن من أين نستمد النصر على أعدائنا؟! هناك حقيقة قرآنية واضحة يفهمها المسلم الحق: إِن يَنصُرْكُمُ ?للَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ?لَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ?للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ?لْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:160] ، وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?للَّهِ [الأنفال:10] .
اللهم انصر كتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا تعلو فيه راية لا إله إلا الله، ويذل فيه أعداء الله. والحمد لله رب العالمين.