فهرس الكتاب

الصفحة 4284 من 5777

فضل التوبة

الرقاق والأخلاق والآداب

التوبة

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-عز العبد وصغاره. 2- التوبة من أعظم أنواع العبادة. 3- وجوب التوبة. 4- معنى التوبة. 5- شروط التوبة. 6- دعوة الله تعالى عباده إلى التوبة. 7- من حكم محبة الله تعالى للتوبة. 8- وقت التوبة. 9- التوبة من صفات الأنبياء والصالحين. 10- التحذير من الغرور والأمل والأماني الكاذبة.

أمّا بعد: فاتَّقوا الله أيّهَا المسلِمون، فإنَّ تقواه فَوزٌ وفلاحٌ وسَعادة ونجَاح.

واعلَموا ـ عبادَ الله ـ أنَّ عزَّ العَبدِ في كَمالِ الذّلِّ والمحبّة للرّبِّ جلّ وعلا، وأنَّ هَوان العبد وصَغارَه في الاستكبارِ والتَّمرّدِ على الله والخروجِ علَى أمرِه ونهيِه، بمحبَّةِ ما يَكرهُه الله وبُغضِ ما يحبّه الله تعالى، قال الله عز وجلّ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر:10] ، وقال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] .

والعِبادَة بجمِيعِ شُعَبها وأنواعِها هي التي يتحَقَّق بها الذّلُّ والخضوع والمحبَّة لله تعالى.

ومِن أَعظمِ أنواعِ العِبادةِ التوبةُ إلى الله عز وجلّ، بل إنَّ التوبةَ العظمَى هِي أفضلُ العِبادةِ وأوجبُها، وهي التوبةُ من الكفرِ والنّفَاق، قال الله تَعالى عن هودٍ عليه الصلاة والسلام: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [هود:52] ، وقالَ تعالى دَاعيًا المنافقين إلى التّوبةِ: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [التوبة:74] .

والتّوبةُ واجِبةٌ علَى المكلَّفين جميعًا من كلِّ ذَنبٍ صَغير أو كبير، قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ، وقالَ عز وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8] .

ومَعنى التّوبةِ الرّجوعُ إلى اللهِ بتَركِ الذّنب الكبير أو الصَّغير، والتوبةُ إلى الله مما يَعلَم منَ الذنوب ومما لا يَعلَم، والتّوبةُ إلى الله منَ التّقصير في شكرِ نِعَم الله على العَبد، والتوبةُ إلى الله ممَّا يتخلَّل حياةَ المسلِم من الغَفلَةِ عن ذكرِ الله تعالى، عن الأغرِّ المزني رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله: (( يا أيّها النّاس، توبوا إلى الله واستَغفِروه، فإنّي أتوب في اليومِ مائةَ مرّة ) )رواه مسلم [1] .

قال أهل العلم:"للتَّوبةِ النَّصوحِ ثلاثةُ شروط إن كانت بين العبدِ وربِّه، أحدُها أن يقلِعَ عن المعصيةِ، والثّاني أن يندَمَ على فِعلِها، والثالث أن يعزِمَ أن لا يعودَ إليها أبَدًا، وإن كانت المعصيَةُ تتعلَّق بحَقِّ آدميٍّ فلا بدَّ أن يردَّ المالَ ونحوَه ويستحلّه من الغِيبةِ، وإذا عفَا الآدميّ عن حقِّه فأجرُه على الله عز وجلّ".

واللهُ قد رغَّب في التوبةِ، وحثَّ عليها، ووعَد بقَبولها بِشروطِها، قال الله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] ، وأخبَر النبيّ بأنَّ جمِيعَ ساعاتِ اللّيل والنّهارِ وقتٌ لتَوبةِ التائبين وزمَنٌ لِرجوع الأوّابين، عن أبي موسَى الأشعريّ رضي الله عنه عن النّبيِّ قال: (( إنَّ اللهَ تعالى يَبسُط يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار ويَبسُط يدَه بالنّهار ليتوبَ مسيءُ الليل حتى تطلعَ الشّمس مِن مغرِبها ) )رواه مسلم [2] .

مَا أعظمَ كَرمَ الرّحمنِ، وما أجَلَّ فَضلَه وجودَه على العِبادِ، هؤلاءِ خَلقُه يعصونَ باللّيل والنّهار، ويحلمُ عليهم، ولا يعاجِلهم بالعقوبة، بل يرزُقهم ويعَافِيهم، ويغدِق عليهم النّعَم المتظاهِرَة، ويدعوهم إلى التّوبَة والنّدَم على ما فرَط منهم، ويعِدُهم المغفِرةَ والثّواب على ذلك، ويفرَح بتوبةِ العبدِ إذا تاب أشدَّ الفرح، فإن استجاب العبدُ لربِّه وتابَ وأناب وجَدَ وعدَ الله حَقًّا، ففازَ بالحياةِ الطيّبَة في الدّنيا وحسنِ الثوابِ في الآخرة، وإن ضيَّع التوبةَ زمنَ الإمهال وغرَّته الشهواتُ والآمال عاقَبَه الله بما كسَبَت يدَاه، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] ، ولا خيرَ فيمن هلَك مع رَحمةِ أرحمِ الراحمين.

أيّها المسلِم، هل لَك أن تعلَمَ بعضَ الحِكَم لمحبّةِ الله لِتوبةِ عَبده وفرَحِه بها أشدَّ الفرَح؟! نعَم، مِنَ الحِكَم العظيمةِ لمحبّة الله لتوبةِ التائِبين أنَّ أسماءَ الله الحسنَى تتضمَّن صِفاتِه العلا، وتَدلّ على هذه الصّفات العظمَى، وهذه الأسماءُ تقتضِي ظهورَ آثارِها في الكَون، فاسمُ الله الرَّحمنُ الرّحيم يَدلّ على اتِّصافِ الله عز وجلّ بالرّحمة كما يَليق بجَلالِه، ويقتضِي أن يوجَدَ مخلوق مرحوم، واسمُ الله الخالقُ يَدلّ على اتِّصاف الله تعالى بالقدرَةِ على الإيجادِ والخَلق، ويقتضي إيجادَ اللهِ للمخلوقاتِ منَ العَدَم، واسمُ الله الرزاقُ يدلّ على اتِّصاف الله تعالى بإمدَادِ الخَلق بالرّزق، وكذلك يقتضِي أنه القائم بالرزق، ويقتضي وجودَ مَرزوق مخلوقٍ، وكذلك اسمُ الله عز وجل التوّابُ يدلّ على اتِّصاف الله تعالى بقَبول التوبةِ مهما تكرَّرت، ويقتضِي إيجادَ مذنِبٍ يتوب من ذنبِه فيتوب الله عليه، وبقيّةُ أسماءِ الله الحسنى علَى هذا النّحوِ، كلّها يَدلّ على ذَاتِ الله العَظيم، ويدلُّ على صِفةِ الله العُظمى التي يتضَمَّنها ذلك الاسم، ويقتضِي كلُّ اسمٍ مِن أسماءِ الله الحسنى ظهورَ آثارِه في هذا الكَون، قال الله تعالى: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الروم:50] .

وَالمقصودُ أنَّ قَبولَ تَوبةِ المذنِب مُقتضَى اسمِ اللهِ التوّاب، وثَوابُ التّائب أثرٌ من آثارِ هذا القَبول، والله عز وجلّ أرحَم الراحمين، قالَ الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25] .

ومِنَ الحِكَم لمحبّةِ الله لتوبَة التائِبين أنَّ الله تعالى هو المحسِن لذاته وذو المعروف الذي لا ينقطع أبَدًا، فمن أطاع الله بالتّوبة أحسن إليه وأثَابه في الدّنيا والآخرة، ومن ضيَّع التوبةَ أحسن إليه ومتّعه في الدنيا وعاقبه في الآخرة بسوء عمَله، وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46] .

ومِن الحِكَم لمحبّةِ الله تعالى لتَوبةِ عبدِه عفوُه عز وجل وشمول رحمتِه للعصاةِ مع قدرتِه على العقاب، وفي الحديث: (( إن الله كتَب كتابًا عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي سبَقت غضبي ) ) [3] ، إلى غير ذَلك من الحِكَم التي لم نطَّلع إلاّ على القليلِ مِنها.

وتصحُّ التّوبَة من بَعض الذنوبِ، ويبقَى الذنبُ الذي لم يَتُب منه مؤاخَذًا بِه، والتّوبةُ بابُها مفتوحٌ لا يغلَق ولا يُحَال بين العَبدِ وبينها حتى تطلعَ الشمس مِن المغرِب، فعندَ ذلك إذا طلعَتِ الشّمس من مغربها يغلَق بَابُ التوبة ولا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنَت من قبلُ، عن زِرّ بن حُبيش عن صفوانَ بن عسّال رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ الله يقول: (( إن الله فتح بابًا قِبَل المَغرِب، عَرضُه سَبعون عَامًا للتّوبة ـ جعله للتوبة ـ ، لا يغلَق حتى تطلعَ الشمسُ مِنه ) )رواه الترمذيّ وصحَّحه والنسائي وابن ماجه [4] .

وقد وَعَد الله على التّوبةِ أعظمَ الثّواب وحُسن المآب، فقال تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:112] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70] ، قال بعض المفسرّين:"يجعَل مكانَ السيّئةِ التوبة، فيعطِيهِم علَى كلِّ سيّئة عمِلوها حسنةً بالنّدَم والعَزم على عَدَم العودةِ".

وعن أنس رضي الله قال: قال رسولُ الله: (( للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عَبده حين يتوب إليه مِن أحدِكم كان على راحِلته بأرضِ فَلاة، فانفَلتت منه وعليها طَعامه وشرابُه، فأيِس منها، فأتى شَجرةً فاضطَجع في ظلِّها وقَد أيِس من راحِلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمةٌ عندَه، فأخذ بخِطامها ثم قال من شدّةِ الفرح: اللهم أنت عبدِي وأنا ربُّك، أخطَأ مِن شدّةِ الفَرح ) )رواه مسلم [5] .

وأَسعدُ الساعاتِ والأيّام على ابنِ آدم اليَومُ الذي يتوبُ الله فيه عَليه؛ لأنّه بدونِ توبةٍ كالميِّت الذي لا حياة فيه، وبالتوبة يكون حيًّا، عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال لما أنزل الله توبتَه في تخلُّفه عن غزوة تبوك: وانطلقتُ أتمَّمُ رسولَ الله يتلقّاني الناسُ فوجًا فَوجًا، يهنّئونَني بالتوبةِ ويقولون لي: لتَهنِك توبةُ الله عليك، فسلَّمتُ على رَسول الله وأسَاريرُ وجهِه تَبرُق، وكانَ إذَا سُرَّ استَنارَ وَجهُه كأنه فِلقَةُ قمَر، فقال: (( أبشِر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذ وَلدَتك أمّك ) )رواه البخاري ومسلم [6] .

والتّوبةُ عبادةٌ عالِية المقَام، قام بها الأَنبياءُ والمرسَلون والمقرَّبون والصّالحونَ، وتمسَّكوا بعُروتها، واتَّصفوا بحقيقتِها، قال الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:117] ، وقال تعالى عن الخليلِ إبراهيم وإسماعيل عليهِما الصلاة والسلام: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:128] ، وقال عن موسى عليه الصلاةُ والسلام: فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:143] .

والمسلِمُ مضطَرّ إلى التوبة ومحتَاجٌ إليها في حَالِ استقامتِه أو في حالِ تقصيره، يحتاج إلى التّوبةِ بعد القُرُبات وبعدَ فعل الطاعات، أو بَعد مقارَفَةِ بعضِ المحرّمات.

يا أمَّةَ الإسلامِ، أذكِّركم جميعًا بالتّوبةِ بالتمسُّك بالكتابِ والسنة والبُعدِ عن البِدَع والخرافاتِ والمحدَثات في الدِّين وكبائرِ الذّنوب؛ ليحفظَكم ربكم مِن شرورِ أعداءِ الإسلام ومكرِهم وكَيدِهم وليقِيَكم عقوباتِ الذّنوب، فإنَّ أعداءَ الإسلام لن يَنالوا مِن المسلِمين إلاّ بغِياب التّوبةِ النصوح عن الأمّةِ، ولم تتفرَّق الأمّةُ الإسلاميَّة إلاّ باختلافِ مشارِبها وأفهامِها، فاجعَلوا مشربَكم من معينِ كتاب الله وسنّةِ رسولِه ، واجعَلوا أَفهامَكم وتفسيرَكم للقرآن والسنة تبَعًا لفَهم الصحابةِ والتابعين ومن تَبِعهم بإحسانٍ؛ يُصلِح لكم أعمالكم ويصلح لكم دنياكم وأُخراكم.

قال الله تعالى: وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود:3] .

بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، ونفعنا بهديِ سيّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب الاستغفار (2702) بنحوه، ومرّة رواه عن الأغرّ عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[2] صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب: قبول التوبة من الذنوب (2759) .

[3] رواه البخاري في كتاب التوحيد (7114، 7115) ، ومسلم في التوبة (2751) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] سنن الترمذي: كتاب (3535) ، سنن ابن ماجه: كتاب (4070) ، وأخرجه أيضا أحمد (4/240) ، والحميدي (881) ، والطيالسي (1168) ، والطبراني في الكبير (8/56، 60، 66، 69) ، وأبو نعيم في الحلية (7/308) ، والبيهقي في الشعب (5/400) ، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه ابن خزيمة (193) ، وابن حبان (1321) ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (3137) .

[5] صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب: من الحض على التوبة... (2747) . وهو عند البخاري في الدعوات مختصرًا (6309) .

[6] صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب: حديث كعب بن مالك (4418) ، صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك (2769) .

الحمد لله العزيزِ الغفورِ، الحليم الشكور، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19] ، أحمدُ ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفِره، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شَريك له إليه المصير، وأشهد أن نبيَّنا وسيّدنا محمدًا عبده ورسوله سابقُ الخَلق إلى كلِّ عملٍ صَالح مَبرور، اللّهمّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولِك محمّد وعلى آله وصحبِه أجمعين.

أمّا بعد: فاتَّقوا الله عبادَ الله؛ تفوزوا بمرضاتِه وجنّتِه، وتنجُوا من سخَطِه وعقوبته، يقول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ [القصص:67] ، وفي الحديث عن النبيِّ: (( يقبَل الله توبَةَ أحدِكم ما لم يغرغِر ) ) [1] .

فسارِع ـ أيّها المسلم ـ إلى التوبَةِ مِن كلّ ذنب، السّرُّ بالسِّرّ والعلانية بالعلانية، وداوم عليهَا بعد القرُبَات أو الإلمام بشيءٍ من المحرَّمات، قال الله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:54-58] .

وإيّاك وأمانيَّ الشيطانِ وغرورَ الدّنيا وشهواتِ النَّفس والطّمَعَ في فُسحةِ الأجَل، فتقول: سَأتوب قَبلَ الموت، وهل يأتي المَوت إلاّ بغتةً؟! وبعضُ الناس حِيل بينَهم وبين التّوبةِ ـ والعياذ بالله ـ لعَدَم الاستعدادِ للموتِ وغَلَبة الهوى وطولِ الأمل، فأتاهم ما يوعَدون وهم علَى أسوَأ حال، فانتقَلوا إلى شرِّ مآل. ومِنَ النّاس مَن وُفِّق للتّوبة النّصوحِ بعد أن أسرَفوا على أنفسِهم أو قَصَّروا في حقِّ الله أو حقوقِ العباد، فصاروا من الصالحين والصّالحاتِ بالتوبة، ذِكرُ سِيرتِهم توقِظُ القلوبَ الغافلة، ويقتدِي بها السائرون على الصِّراط المستقيم والآمُّونَ النّهجَ القويم.

عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) ).

فصلُّوا وسلِّموا على سيّدِ الأوّلين والآخِرين وإمامِ المرسلين.

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرا...

[1] أخرجه أحمد (2/153) ، والترمذي في كتاب الدعوات (3537) ، وابن ماجه في الزهد (4253) ، وأبو يعلى (5609) عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وصححه ابن حبان (628) ، والحاكم (7659) ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (3143) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت