الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة
عادل بن أحمد باناعمة
جدة
محمد الفاتح
1-ظاهرة إفتراش الشباب بالأرصفة. 2- حق الطريق. 3- بعض مفاسد الجلوس في
الطرقات. 4- ضرورة زجر الوالدين أبناءهما عن الجلوس في الطرقات.
وبعد:
من هؤلاء التائهون؟
الخابطون على التخوم؟
الغافلون اللاعبون؟
أفهؤلاء المسلمون؟
أبدا تكذبني وترجمني الحقائق والظنون!!!
من هؤلاء الجالسون على الطريق؟
السالكون الموت دربا رغم إنذار الصديق!
الغافلون عن الحريق وقد أظلهم الحريق!
أفهؤلاء المسلمون؟ أبدا تكذبني وترجمني الحقائق والظنون!!!
من هؤلاء على الرصيف؟
سيماهم لهو، وملء حديثهم هذر سخيف.
يتسابقون إلى الحتوف وما دروا خطر الحتوف!
أفهؤلاء المسلمون؟ أبدا تكذبني وترجمني الحقائق والظنون!!!
من هؤلاء؟
إنها ظاهرة أصبحت تؤرق كل مسلم غيور، وتقض مضجع كل أبي ذي مروءة.
ظاهرة أبنائنا وإخواننا الذين يفترشون الشوارع والطرقات، ويمضون فيها سحابة نهارهم، وعامة ليلهم على غير شيء.
وإنك لتجد بعضهم في قيظ الهاجرة، ولفح الشمس اللاهب، تجده قد ترك بيته، وأوى إلى رصيف يقله، أو جدار يستند إليه، وكأنه مشرد لا دار له ولا مأوى!!!
وإنك لتجد أيضا كثيرا من التجمعات (الرصيفية) تضم أشكالا شتى، وأمزجة متباينة، لا جامع لها إلا حب الطريق، وهوى الرصيف!!!
حتى ليصح لنا أن نسمي هذه الظاهرة مدرسة الطريق.
وابتداء أقول: إننا لا نعني إحدا بعينه، وإن الحديث عن هذه الظاهرة لا يعني بحال احتقار أصحابها أو الحط من شأنهم، لا والله بل هم ـ علم الله ـ في سواد قلوبنا، وما نريد لنا ولهم إلا الخير، ولكننا هنا نعالج قضية ونناقش ظاهرة، فلا يفهمن أحبابنا وإخواننا غير ذلك، وليعلم كل من له صلة بهذه الظاهرة أن الحديث موجه إليه أولا ليدرك خطر ما هو فيه، وسوأة ما يأتيه، فلعله أن يذر ويدع، ولعله أن يكف ويرتدع.
وأول ما يحسن التنبيه عليه هنا: نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجلوس في الطرقات... روى البخاري في صحيحه. [ك:7 ـ ب 2 رقم:6229] . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إياكم والجلوس في الطرقات ) )، فقالوا: يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: (( فإذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه ) )، قالوا: وما حق الطريق يارسول الله؟ قال: (( غض البصر، وكف الإذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ).
وقد بين ابن حجر على علة هذا النهي فقال: وقد اشتملت ـ أي الأحاديث ـ على علة النهي عن الجلوس في الطرق لما فيه من التعرض للنساء الشواب، وخوف ما يلحق من النظر إليهن من ذلك، ومن التعرض لحقوق الله والمسلمين مما لا يلزم الإنسان إذا كان في بيته، ومن رؤية المناكير وتعطيل المعارف، فيجب على المسلم الأمر والنهي عند ذلك فإن ترك تعرض للمعصية، وكذا يتعرض لمن يمر عليه ويسلم عليه فإنه ربما كثر ذلك فيعجز عن الرد على كل مار، ورده فرض فيأثم، والمرء مأمور بأن لا يتعرض للفتن وإلزام نفسه ما لعله لا يقوى عليه، فندبهم الشارع إلى ترك الجلوس حسما للمادة. [الفتح:11/11-12] .
هذا طرف مما يتعلم في مدرسة الطريق، وثم دروس أخرى يتعلمها الدارس في هذه المدرس هي شر وأنكى مما ذكره الإمام ابن حجر، فهلموا نتذاكر بعض هذه الدروس المفسدة:
أولا/ الألفاظ البذيئة: فأول ما يصافح سمع الداخل إلى وسط أبناء الطريق قاموس طويل من السب والشتم والتجريح والعياذ بالله، وإنك لتجد أسهل شيء على لسان هؤلاء السب والشتم واللعن، حتى إن ذلك ليغلب عند طلاب هذه المدرسة على الذكر والتسبيح والاستغفار، بل إنك تجدهم ـ لإلفهم هذه الألفاظ ـ لا يحي بعضهم بعضا إلا بالسب والشتم، وإذا كان الذي يحييك في هذه المدرسة يشتمك فكيف بالذي يخاصمك أو يعاديك؟!
وأطم من ذلك أنك تسمع شتم الوالدين وسبهما، بل ربما تجرأ بعضهم على سب الله أو الدين أو الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي هذا ما فيه من الخروج عن الإسلام.
أين هؤلاء من قول الله تعالى: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] . ومن قوله عليه الصلاة والسلام: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا؟ ) ).
ثانيا/ العادات القبيحة: فانظر رعاك الله كيف أن الطالب في هذه المدرسة يتعلم منذ الصغر التدخين والعادة السرية والمظاهر الشاذة سواء في اللباس أو الشعر، ويتعلم الكثير من العادات الرذيلة التي لا يرضاها دين ولا عقل.
ثالثا/ إلف المعصية: فتلميذ الطريق ـ لكثرة ما يرى من المعاصي والمنكرات ـ يألف قلبه ذلك كله، فيصبح كا لكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، بل ربما زاد البلاء فسمى المعروف منكرا والمنكر معروفا! بل ربما زاد الأمر سوءا فصار يفتخر بالمعصية ويتباهى بها، ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها!!! وكل من عايش بيئة الشارع عرف أن هذا التباهي بالمعصية مما لا يكاد يخلو منه مجلس.
أين هؤلاء من حديث المصطفى: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار: أن يستر الله على العبد ثم يصبح يفضح نفسه ويقول: يافلان، عملت يوم كذا كذا وكذا، فيهتك نفسه، وقد بات يستره ربه ) ) [رواه البخاري:5721، ومسلم:2990] .
رابعا/ الميوعة والتخنث: وهذا درس جديد صار يلقى في مدرسة الطريق، فلقد أرباب هذه المدرسة ـ على ما هم عليه من الخطأ ـ كانوا في الماضي أصحاب نخوة، وفيهم من رجولة العرب والمسلمين بقايا، أما اليوم فقد ذهب ذلك كله، وعم التخنث والميوعة، ترى ذلك أوضح ما يكون في ظاهرة كشف العورات ولبس القصير، هذه الظاهرة التي بدأت تشيع وتنتشر بشكل فظيع، بعد أن كان فاعلها منبوذا حتى في أوساط أبناء الطريق، ولا يخفى عليك ما يتبع هذا الكشف من إثارة للشهوات وإغراء بالفاحشة والعياذ بالله.
خامسا/ التعود على البطالة: فابن الطريق يمضي يومه كله في الشارع وليس عنده إلا الكلام واللعب واللهو، أما تحمل المسؤولية، أما قضاء حوائج البيت، أما حمل هم الإسلام والعمل له، فذلك آخر ما يفكر فيه إلا من رحم الله.
فكيف يرجى من مثل هذا أن يتحمل في المستقبل مسؤولية، أو يقوم بأداء واجب، أو يسهم في بناء وطنه؟
سادسا/ الاستهانة بالوقت: فأرخص شيء في مدرسة الطريق هو الوقت، ساعات تهدر، وأيام تضيع، وأعمار تذبح على مذبح اللهو واللعب... وما أكثر ما تسمع على لسان أبناء الطريق عبارات مثل: نريد أن نقتل الوقت، فارغون ماذا نفعل؟ نحن في أجازة! ونسوا أن الله أمر الفارغ بغير هذا فقال: فَإِذَا فَرَغْتَ فَ?نصَبْ [الشرح:7] .
وهكذا يدرج الإنسان في هذه المدرسة فيتبلد في حسه الشعور بالوقت وأهميته، ولا يفكر كيف يستغله في الطاعة... وإذا ضاع وقت المرء فقد ضاع عمره، وإذا ضاع عمره فقد خسر والعياذ بالله.
إذا العمر لم يعمر ببر وطاعة فلا خير في عمر يكون كذلك
سابعا/ التمرد على المجتمع: فهذه المدرسة تعلم تلميذها أنه لكي يكون رجلا فيجب أن يفرض رأيه ويتمرد على من حوله.
فهو يتمرد على أبويه ولا يسمع كلامهما، بل ربما رفع صوته عليهما، وزجرهما وتوعدهما.
وهو يتمرد على مجتمعه وأعرافه وتقاليده، فلا يبالي بلبس الشاذ من اللباس الذي لا يقره عرف مجتمعه، ولا يبالي بالظهور بالمظهر الذي يخالف الشرع والعرف، المهم أن يحقق رغبته، ويثبت ـ في زعمه ـ وجوده.
وأصغ إلى مجالس هؤلاء لتسمع التندر بالآباء والأمهات والتضجر منهم، وكأنهم قيد للحرية، وكبت للرغبة الشخصية.
وأصغ إليها لتسمع اللوم لهذا المجتمع الطاهر الذي لا يسمح بالفساد.
أما بعد:
ثامنا/ ضعف الولاء للوطن: فأرباب مدرسة الطريق يرون أن بلادنا هذه ـ التي قامت منذ أن قامت على التوحيد وإقامة شرع الله وتعاقب حكامها على ذلك ـ يرون أن هذه البلاد بلاد معقدة لأنها لا تسمح للحريات بالانطلاق، ولا للشهوات بالانفلات، فكل شيء ممنوع، وكل شيء حرام... وهكذا يضعف لديهم الولاء لوطنهم، وتنظر أبصارهم وتطمح نفوسهم إلى البلدان الأخرى التي لا ضوابط فيها ولا قيود... وإذا لم يحب الإنسان بلاده ويرج لها الخير فأي خير فيه؟
تاسعا/ التهيؤ للجريمة: ففي هذه المدرسة يتعلم مرتادها ـ منذ صغره ـ فنون الجريمة والاحتيال.
يبدأ الأمر باحتيال على صاحب البقالة أو صاحب سيارة الأجرة وينتهي إلى السرقة المنظمة المدروسة!
ويبدأ الأمر بشفط البنزين أو الغراء ونحوه وبالتدخين وينتهي إلى إدمان المخدرات.
يبدأ الأمر بسماع الأغاني الخليعة الفاجرة، ثم مشاهدة الأفلام العارية وينتهي إلى فعل الفاحشة!
نعم، وأنا والله لا أبالغ... وكل من عايش مدرسة الطريق وأبناءها يدرك أن اللواط والفاحشة من أبسط الدروس فيها، ولقد عرفت بنفسي شبابا في عمر الزهور، بل في سن الصبا، في المرحلة المتوسطة قادتهم مدرسة الطريق إلى فاحشة اللواط والعياذ بالله!!!
فيا أيها العقلاء!!!
يا أيها الحكماء!!!
ما تقولون في هذه المدرسة؟ أما ترون وجوب إخراج أبنائنا منها، وهدمها على رؤوس من يصر على البقاء فيها؟
أما ترون لزاما أن يسعى الساعون للقضاء على شرها أو التخفيف منه على الأقل؟
أين الآباء والأمهات والأقارب والجيران والمربون ومدرسو التحفيظ ورجال التربية والتعليم والأئمة والخطباء ورجال الأمن أين هؤلاء من هذه المدرسة وطلابها؟
أما على كل أن يقوم بدوره، ويؤدي واجبه؟
ويا أيها الذي درج في هذه المدرسة وتجول في فصولها... يا أيها الأخ الحبيب ماذا جنيت منها؟ ماذا استفدت؟
أما شعرت أن هذه المدرسة (مدرسة الطريق) سلبتك إيمانك وضيعت زهرة شبابك وقادتك إلى الفشل في دنياك وأخراك؟
فلماذا تصر على البقاء فيها؟ ولماذا لا تستدرك باقي عمرك؟ وتبيض بقية صفحات كتاب حياتك؟
أما والله إننا لنحبك، ولنهذا نخاطبك، ونعزك ولهذا نحذرك، ونرحمك ولهذا نقسو عليك...
فقسا ليزدجروا ومن يك راحما فليقس أحيانا على من يرحم
فتبرأ منذ الساعة من هذه المدرسة، واسحب ملفك منها والتحق بمدرسة المسجد تنل خير الدنيا والآخرة.