فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 5777

حق الزوجة على زوجها

الأسرة والمجتمع, التوحيد

أهمية التوحيد, قضايا الأسرة

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

1-التوحيد حق الله على العباد 2- العبودية منزلة كل الخلق ومنهم الأنبياء 3- أدب المؤمن

مع ربه 4- البعد عن الغلو والمدح المُفرط 5- موقف المسلم من المدح 6- الطاعة حق للزوج

على زوجته

أما بعد: فقد بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ليدعو الناس إلى التوحيد ليدعوهم إلى أن يحققوا العبودية لله جل جلاله , وإذا وحد العبد ربه فقد حقق العبودية له سبحانه وكلما حقق العبد عبوديته لله كلما كانت منزلته أعلى وأعظم عند الله ولذلك مدح الرب نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم بذلك ومدحه بوصف العبودية في أعظم المناسبات يذكر الرب نبيه ومصطفاه بهذه الصفة لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بواجب الدعوة إلي التوحيد رغم معارضة المشركين وتألبهم عليه , ذكر الرب ذلك في كتابه فقال وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا وعبد الله أي رسوله محمد صلى الله عليه وسلم , وعندما ذكر مقام نبوته صلى الله عليه وسلم وتنزل الوحي عليه قال فأوحى إلى عبده ما أوحى , وعندما ذكر تنزل القرآن العظيم عليه قال تبارك الذي نزل الفرقان على عبده وقال الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب , فإذن الرب عز وجل يمدح نبيه وخليله صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لأن هذه الصفة هي سر الكمال في شخصه صلى الله عليه وسلم , ومن كمال حرصه صلى الله عليه وسلم على تحقيق العبودية لربه كان حرصه الشديد على حماية جناب التوحيد فنهانا صلى الله عليه وسلم على أن نطريه كما أطرت النصارى نبيهم عيسى ابن مريم عليه السلام أي نهانا عن الغلو في مدحه والمبالغة في وصفه كما يصنعه المداحون , أعظم وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومدح له كما علمنا ربنا وكما أرشدنا إليه هو نفسه صلى الله عليه وسلم هو مقام العبودية مع مقام النبوة والرسالة فإذا قلت عبد الله ورسوله فقد جمعت له صلى الله عليه وسلم بين المقامين , مقام العبودية ومقام الرسالة.

الدرس الثاني: من هذا التوجيه النبوي أن علي كل مؤمن موحد أن يتأدب مع الله عز وجل وأن يظهر عبوديته لله وأن يظهر تواضعه لله عز وجل فالمؤمن الموحد يحرص دائمًا علي أن يظهر عبوديته للرب عز وجل وتواضعه بين يديه ويظهر افتقاره إليه وذله وانكساره بين يديه سبحانه وتعالى , لا يحق لأحد من الخلق مهما علا شأنه , مهما أوتي من قوة وجاه وسلطان أن يظهر شيئًا من الكبرياء والعظمة أو يظهر الخيلاء والجلالة , لا يحق لأحد من الخلق أن يظهر شيئًا من الكبرياء والعظمة فانهما من صفات الله جل جلاله لا يشركه فيهما أحد , يقول الرب عز وجل في الحديث القدسي (( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني إياهما قصمته ) )أي أهلكته وقضيت عليه. أما المؤمن الموحد فهو كما قلنا يظهر دائمًا عبوديته لله وافتقاره إليه وذله وانكساره بين يديه , وسيد المؤمنين الموحدين عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم كان من أحرص الناس على ذلك , على إظهار عبوديته لله وافتقاره إليه وإظهار ذله وانكساره بين يديه ولهذا حرص حرصًا شديدًا علي أن تعرف أمته مقامه الحقيقي صلى الله عليه وسلم فلا تغلُ في مدحه ولا تبالغ في وصفه , إذا نظرت إلى مواقفه صلى الله عليه وسلم وإلى كلامه تجد حرصه الشديد علي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم (( أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن تنزلوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ) ), فمن غلا في مدحه وبالغ في وصفه حتى خرج عن حد الحق والاعتدال فقد عانده صلى الله عليه وسلم وارتكب ما يكره وينهى عنه ويحرمه , وليس في ذلك أي أدب معه صلى الله عليه وسلم ولا هو دليل على محبته صلى الله عليه وسلم , الأدب كل الأدب في الامتثال وأعظم دليل على محبته صلى الله عليه وسلم هو طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر صلى الله عليه وسلم , فمن مقتضيات محبته أن تفعل محبوباته وتجتنب مكروهاته صلى الله عليه وسلم.

الدرس الثالث: أن على كل مؤمن موحد تأدبًا مع الرب عز وجل وتحقيقًا لمكان العبودية لله جل جلاله أن يمتنع على المدح ويزجر المداحين بل وأن يحثو في وجوههم التراب كما أمر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم , فإذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو أحق الناس بالمدح والثناء قد نهى أمته من الغلو والإسراف في مدحه والثناء عليه فغيره من باب أولى , وليس المنهي عنه هو مطلق المدح والثناء إنما المنهي عنه هو الغلو والإفراط والمدح والثناء بما هو ليس أهل له والمبالغة في ذلك ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نحثو التراب في وجوه المداحين وليس في وجه كل مادح , والمداح صيغة مبالغة تدل علي أمرين , تدل على من كانت تلك عادته المدح والمبالغة في المدح عادته ودأبه دائمًا وتدل على الغلو والإفراط في المدح بما هو خارج عن حق العدل والاعتدال , وهاتان الصفتان من صفات المنافقين المداهنين في كل المجتمعات الذين لا ينصحون للإنسان فيبصرونه بالحقائق ولكن يخادعونه بالغلو في مدحه والإفراط في الثناء عليه حتى يعموا بصره ويشغلونه عن حقيقة نفسه وعن حقائق الأمور من حوله , فما أجدر بهؤلاء أن يحثى في وجوههم التراب وتغلق دونهم الأبواب.

المؤمن الموحد من كمال تواضعه للرب عز وجل وإظهار العبودية له لا يقبل المدح والثناء من المداحين من المنافقين والمداهنين ولكن لا يدخل في الحد المنهي عنه , مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه بما هو أهله وإبراز ظواهر القدوة والأسوة والتكريم في شخصه الشريف صلى الله عليه وسلم فقد مدحه ربه عز وجل في القرآن وأثني عليه , مدحه بحسن الخلق ومدحه بشفقته علي أمته ورأفته بها وحرصه على هدايتها صلى الله عليه وسلم , ومدحه أصحابه بين يديه شعرًا ونثرًا فلم ينههم صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن في مدحهم له غلو ولا إفراط , مدحه حسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير وعبد الله بن رواحة وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ولكن لكي تعرف الحد بين الحد المباح المشروع وبين حد الغلو والإفراط اسمع قول كعب بن زهير في وصفه صلى الله عليه وسلم ومدحه حين قال:

مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل

مدحه بأعظم معجزة أوتيها صلى الله عليه وسلم وهي القرآن , قارن بين هذا وبين قول القائل:

و إن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم

الدنيا والآخرة والجنة والنعيم والصراط كل ذلك من جود المصطفى صلى الله عليه وسلم ماذا بقي للرب جل جلاله إذن ؟, اللوح الذي فيه كل ما كان وما سيكون وما هو سيكون كائن يوم القيامة هو من بعض علوم المصطفى صلى الله عليه وسلم ماذا بقي إذن لعلام الغيوب ؟ , هذا القائل كأنه قال محمد هو الله جل جلاله سواء قصد ذلك أم لم يقصد , هذا هو الغلو الذي خاف محمد عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على أمته منه , أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى أن تجيء إليه إلا باتت والذي في السماء غاضب عليها ) )متفق عليه. وفي رواية (( إذا دعا رجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه فبات وهو عليها غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح ) ). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا وذكر منهم امرأة بات زوجها عليها غضبان ) ). وروي مثله عن أبي أمامة رضي الله عنه وقال الترمذي حديث حسن غريب , هذا كله يبين عظم حق الزوج على زوجته وأنه يجب عليها طاعته في المعروف وتحرص على تلبية احتياجاته الشرعية خاصة منها ما يتعلق بفراشه فإن الزوج بحاجة إليها لتعينه على إعفافه وإحصانه خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن وعوامل الفساد والانحلال والإغراء , فإذا ما عصت الزوجة زوجها في المعروف وأبت عليه حقه المشروع فإن في إسخاطه في ذلك إسخاط لرب العالمين تبيت والملائكة تلعنها وصلاتها إن كانت مصلية لا ترفع إلى ربها عز وجل , فعلى المرأة المؤمنة الصالحة أن تراعي حق زوجها وأن تطيعه في المعروف وأن تحرص على تلبية احتياجاته الشرعية , أن تراقب ذلك من نفسها وأن تعينه على العفاف والإحصان هذا إذا كان الزوج ممن يعرف حدود الله عز وجل , أما إذا كان يعرف حدود الله وطلب منها أمرًا محرمًا فلا طاعة له ولا كرامة إنما الطاعة في المعروف أي في ما أباحه الشرع وجعله من حقوق الزوج. وقال صلى الله عليه وسلم في حق الزوج على زوجته (( لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمر الزوجة أن تسجد زوجها ) )لكنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك لأنه لا يحل لأحد أن يضع جبهته علي الأرض وأن يسجد إلا لرب العالمين , لكنه بهذا القول الشريف الكريم أكد حق الزوج على زوجته فيا له من حق عظيم.

أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا بن آدم أحبب ما شئت فانك مفارقه وأعمل ما شئت فانك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) )اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيتك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت