فهرس الكتاب

الصفحة 4630 من 5777

المال بين قسمة الأرزاق وكسب العباد

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

الفتن, قضايا المجتمع

حسن بن عبد الحميد بخاري

مكة المكرمة

جامع باصمد

1-أصناف البشر. 2- فتنة المال. 3- حقيقة الملك. 4- قسمة الأرزاق. 5- إقبال الناس على سوق الأسهم. 6- حرص ابن آدم على المال. 7- المال وسيلة وليس غاية. 8- من زهد السلف. 9- ضرورة العمل للآخرة.

أما بعد: فإن مركب الحياة سائر ببني آدم حتى يقطع بهم هذا البحر الهائج، بحر الحياة الدنيا الفاتن، ليصل بهم إلى شاطئ الآخرة، حين يأذن الله ربُنا لدنيانا هذه بالانقضاء والزوال، فسبحان الله! كم حمل هذا المركب على ظهره من صنوف البشر، فعابدٌ لله طائع، وعاصٍ لله فاجر، تقيٌ أواه منيب، وشقيٌ أفاك أثيم. كلٌ قد أخذَ حظه من هذه الدنيا، ليلقَى الله سبحانه وتعالى فيحاسبه على ما عمل.

ألا وإن من حظوظ هذه الدنيا خيراتِها وأرزاقَها وملذّاتِها، يقتسمها العباد وِفق ما كتبه المَلََك لكل واحد منهم بأمر الله وهم أجنة في أرحام الأمهات. فوالله الذي لا إله غيره، ما يأخذ أحدهم فوق ما كُتب له حبة شعير، ولا ينقص من رزق أحدهم قبل موته مثلُ ذلك.

ومن تأمل ـ عباد الله ـ رأى أن الله عز وجل جعل المال عصب الحياة الذي تقوم عليه، وجعله من زينة هذه الحياة، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وجعل النفوس توّاقة إليه، مُحِبةً لجمعه، حريصةً على تحصيله، فبالمال تسعد النفوس، وبه تفرح، وبفقده تغتمّ وتحزن، بل قيل: إنما المال سمي مالًا لأن النفوس تميل إليه، وإن نظر أحدنا في نفسه ومن حوله رأى مصداق ذلك.

ولكن جاء الإسلام فلم يترك هذا الميل إلى المال سيلًا جارفًا يلعبُ بالنفوس ويُقلّبها في مواطن الهَلَكة، بل ضبطه بضوابط شرعية وأحكام فقهية تحكم موقف المسلم من المال، وتحسم هذه القضية التي طالما عاش البشر في صراع محتدم حولها، فمن أجل المال تقام حروب، ومن أجله تَفنى أمم وتُباد شعوب، ومن أجله رمى بعض المسلمين بدينهم وراء ظهورهم اتباعا لأهوائهم وشهواتهم، بل ومن أجله حورب ربنا الجبار جل وعلا.

إن الحقيقة العظمى في قضية المال التي ينبغي أن يعيها كل مؤمن ـ معشر المؤمنين ـ هي أنه ليس لعبد من عباد الله كائنًا من كان، ليس له حقيقة المِلك فيما تحت يديه، وأنّ تصرفه فيه وتحكّمه به ليس لأنه المالك له، بل العباد وما ملكت أيديهم والدنيا بأسرها مِلْك لمَلِك الملوك ورب العالمين، وهذا المال قد آتاه الله من شاء من عباده رزقًا وفضلًا ومنّةً، وما تصرّف العباد فيما جُعل بأيديهم من هذا المال إلا بإذن الله لهم بالتصرّف فيه، فهم بمنزلة النُوّاب والوكلاء.

تأملوا ـ إخوتي ـ قول الحق سبحانه: آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ. نعم، فما نحن إلا مستخلفون في هذا المال الذي بأيدينا, لسنا مُلاّكًا له, ولا أصحاب حق مطلق فيه وإن اكتسبناه بعرق جباهنا أو بإرثٍ من آبائنا. مرّ بعض السلف بأعرابي له إبل، فقال له: لمن هذه الإبل؟ فقال الأعرابي: هي لله عندي.

إنها حقيقة غائبة عن أفهام كثير من المسلمين اليوم، فغاب معها كثير من الضوابط الشرعية في حياتهم، حتى أفرز ذلك صورًا من الانحراف. فما طغى الأثرياء ولا تجبّر المترفون ولا فسقوا بأموال الله التي بأيديهم إلا بغياب هذه الحقيقة، وصدق الله: كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى.

وسبحان الله! يُعصى الله وتُنتهك محارمه بماله الذي رزقهم إياه، بل ويحارَب الله فيؤكل الربا بالمال الذي منحهم إيّاه، وتُحبس الزكوات وتُمنع الصدقات من مال الله الذي أعطاهموه، ويَطرق المحتاج والملهوف والمكروب أبوابَ الموسرين لمواساتهم وكشف كرباتهم فيُدفَعون بالتأفّف والانتهار وإغلاق الأبواب, استئثارًا بمال الله الذي جعله في أيديهم حين حرم منه هؤلاء، وهو القادر سبحانه على أن يسلبه منهم فيعطيه لغيرهم، وصدق الله: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ [المعارج:19-22] .

أيا مسلمون، وأما الحقيقة الأخرى المتعلقة بالمال والتي كان لها بين الناس نصيب وافر من ترديدها بالأفواه ولَوْكها بالألسُن، لكن في معزل تام عن يقين القلوب بها، فلا ترى لذلك أي أثر في واقع حياتهم، فهي الحقيقة التي طالما لقّننا إياها الآباء والأجداد وهم يرددون على مسامعنا مُذ أن كنا في مدارج الصبا قائلين:"إن الأرزاق مقسومة كما أن الآجال محتومة". نعم، فقسمة الأرزاق المقدّرة منذ الأزل لكلّ نفس ذَرَأها الخالق سبحانه عقيدةٌ مستقرة في ديننا معشر المسلمين، فكلٌ محصّلٌ في حياته هذه ما قسمه الله له قبل أن يخلقه، غنيّنا وفقيرنا في ذلك سواء، موجِدُنا ومُعدَمنا سواء، ومهما سعى الخلق في طلب الأرزاق وضربوا في الأرض يبتغون من فضل الله فلن يأخذ أحد رزق غيره، ولن يقوى البشر مجتمعين على منع لقمة كتبها الله لعبد من عباده: (( واعلم أن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك ) ).

ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود: حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق: (( إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه المَلَك، فيَنفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ) ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"إن في هذا الحثَّ القوي على القناعة والزجرَ الشديدَ عن الحرص لأن الرزق إذا كان سبق تقديره لم يُغن التعنّي في طلبه، وإنما شُرع الاكتساب لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا".

أوليس من العجب بعد هذا ـ عبد الله ـ أن ترى من حولك من يؤمن بذلك ثم هو يعيش حياة ملؤها فراغ القلب والشح القاتل والحرص المهلك؟! يظن أنه بسعيه الحثيث وكدْحه المستمرّ سيجني مزيدًا من الأرباح والأموال، وأنه يضاعف بذلك رزقه، فيهيم على وجهه في الأسواق والتجارات، يقوده جشعه، ويُعميه لُهاثه المسعور خلف حطام الدنيا الزائل، ورسول الله يقول فيما أخرجه ابن حبان وصححه (3238) : (( إن الرزق ليطلب العبدَ كما يطلبه أجلُه ) )، بل ثبت بسند حسن عند الطبراني بلفظ: (( إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله ) )وهو في صحيح الجامع (1630) .

فو الله، لو لم تذهب ـ عبد الله ـ إلى لقمة كتبها الله لك لأتت هي إليك. أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن جابر أن النبي قال: (( لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت ) )وهو في صحيح الجامع (5240) .

فما بال الناس أصبحوا وأمسوا في شغل شاغل بالحديث عن الأسهم والأرباح وكسب الأموال؟! لا حديث لهم إلا ذاك، ولا همّ لهم إلا هو، فهو حديث المجالس والمدارس والأعمال والشارع والإعلام، وكأنما وَكَل الله إلى العباد أرزاق أنفسهم، فركب الناس من أجل ذلك الصعب والذَّلول، وتحمّلوا الديون، ويمّموا وجوههم شطر تجارة الأسهم والاشتغال بها، فتعلّقت بها القلوب قبل الأبصار، فمن أجلها هجر الناس أعمالهم، وعطّلوا مصالحهم، وعلّقوا أفكارهم، بل ومن أجلها يمرض أناس ويموت آخرون! فسبحان الله! أخَوَت القلوب من إيمانها بالله، أم نسيت عقيدتها الأزلية بقسمة الأرزاق من الرب الرزاق؟!

ألا إن الحرص الأعمى لن يزيد العبد إلا طمعًا، وقديما قالوا:"الطمع فرّق ما جمع"، بل دعونا من أمثال البشر إلى مثل ضربه سيّد البشر ، وهو يصف حال المقبل على الدنيا في استكثار منها بلا حدود حتى ولو كان فيها هلاكه، أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: (( إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) )، فقال رجل: يا رسول الله، أوَيأتي الخير بالشر؟! فسكت النبي , فقيل للرجل: ما شأنك تكلم النبي ولا يكلمك؟! فرأينا أنه يُنزَل عليه ـ أي: الوحي ـ، قال: فمسح عند الرُحَضَاء ـ أي: العرق الكثير ـ فقال: (( أين السائل؟ ) )وكأنه حمِده فقال: (( إنه لا يأتي الخير بالشر, وإن مما يُنبت الربيعُ يَقتل أو يُلِمّ ـ أي: قارب الهلاك ـ إلا آكلةَ الخضِراء، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها ـ أي: انتفخ بطنها ـ استقبلت عين الشمس فثَلَطَت ـ أي: ألقته رجيعًا سهلًا رقيقًا ـ وبالتْ ورتعَتْ، وإن هذا المال خَضِرةٌ حُلوةٌ، فنِعم صاحبُ المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة ) ).

وجاء فيما أخرجه البخاري عن ابن الزبير: (( لو كان لابن آدم وادٍ من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ) ).

فقولوا لكلّ من يسعى خلف بريق الأموال ولمعان الأسهم لاهثًا بيده ورجليه: رويدًا رويدًا، فلن تأخذ أكثر مما خُطّ لك قبل أن تلدك أمُّك. أوَمثلُ ذلك ـ عباد الله ـ وقد قُضي فيه الأمر يستحق أن يُرتكب من أجله الحرام ويتورط العبد في مسالك الشبهات ويقع في الربا والريبة، فينغمس في الحرام أو يحوم حول الحرام؟! والحائم حوله موشكٌ أن يقع فيه، ورسول الله يقول: (( يا كعب بن عجرة، إنه لا يربو لحمٌ نبَت من سُحت إلا كانت النار أولى به ) )أخرجه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1/335) .

وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال: (( ليأتينّ على الناس زمان لا يُبالي المرء بما أخذ المال, أمن حلال، أم من حرام ) )، عياذًا بالله من مال الحرام ومسالكه.

فالأناةَ الأناةَ، والقناعةَ القناعةَ، ولتملؤوا صدوركم ـ رعاكم الله ـ من قول نبيكم: (( لا تستبطؤوا الرزق, فإنه لم يكن عبدٌ ليموتَ حتى يبلغه آخرُ رزقٍ هو له, فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب، أخذِ الحلال، وتركِ الحرام ) )حديث صحيح أخرجه الحاكم والبيهقي وهو في صحيح الجامع (7323) .

إخوة الإسلام، وتمةَ حقيقة أخرى في الإسلام تجاه المال، ليست بأقل شأنًا من سابقتيها، وهي أن المال إنما سُخر لنا في هذه الحياة وسيلة لا غاية، ومطية نَركب عليها لا حِملًا يركب علينا. فشتان بين من سعى في دنياه يكتسب من حلال، باحثًا عن الكفاف؛ ليُطعم أهله ويكسوَهم، قلّ المال في يديه أو كَثُر, غير ناسٍ فيه حق الله عز وجل, باذلًا له في أوجه الخير, معطيًا كل من سأله منه حاجة لله, يُقرض ها هنا, ويتصدق هناك, همّه في المال الذي يجتمع عنده كيف يؤدي حق الله فيه، وأن لا يلقى الله فيسأله عنه سؤالًا لا يجد له جوابًا: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ شتان بين هذا وبين من قضى عمره لاهثًا في الدنيا متطلعًا إليها, حاسدًا كل ذي نعمة على نعمته، قد استولى حب المال على قلبه، فأطلق لنفسه العنان، ولم يُبال بما أكل، أمن حلال أم من حرام، غايته الاستكثار من المال، وهمه مضاعفة أرصدته وزيادتها, وليته مع هذا أدى حق الله فيه، لكان نِعم المال الصالح للرجل الصالح، لكنه منوعٌ كنودٌ، أهلك الشحُّ قلبه، فتراه ربما ضيّق حتى على نفسه وأهل بيته. فشتان بين من كانت الدنيا بيديه وبين من كانت بقلبه، وقد قال الله لنبيه: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131] .

وهو القادر عز وجل أن يجعل له جبال مكة ذهبًا، لكنه يقول عليه الصلاة والسلام: (( ما أحبّ أن أُحُدًا تحوّل لي ذهبًا يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث إلا دينارٌ أرصُده لدين ) )أخرجه البخاري.

وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أُتيت بمال كثير، وهي يومئذ صائمة، فدعت مولاتها بريرة وجعلت تبعثها بالمال تقسمه لفلان ولبيت فلان وفلان، فما أبقَت منه دينارًا، حتى إذا نفِد قالت مولاتها: يا أم المؤمنين، رحمك الله، إنا صائمون اليوم وليس عندنا ما نفطر به، فقالت لها: فهلا أخبرتيني من قبل.

أما اليوم وقد دخلت الدنيا قلوب بعضنا فركبوا من أجلها كل مركب حتى عُبد المال، فأريقت من أجله دماء وقطعت من أجله أرحام، وحُلِف بالله على ظلم وفجور، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ألا فتعس عُبّاد الدنيا والدراهم والدنانير.

عباد الله، إن المال غادٍ ورائح، ومقبل ومدبر، فطوبى لعبد أقبل عليه المال فأخذ منه كفايته، واستعان بالله عليه, فلما اجتمع عنده وكثُر حوّله إلى رصيده في الجنة. ويا خيبة عبدٍ اجتمع له المال فاحتبسه عنده حتى مات، فمات محرومًا من لذّته في الدنيا، ومن أجره في الآخرة.

أقول ما تسمعون...

أما بعد: فإن الله جل جلاله قد أخبرنا في كتابه الكريم أن رزقه موهوب، وعطاءه في هذه الدنيا ممنوح لمن شاء من عباده، مؤمنهم وكافرهم، بَرّهم وفاجرهم، لكنه سبحانه جعل الآخرة حرثًا والدنيا حرثًا، يختار منها المرء ما يشاء، فمن أراد الآخرة عمل في حرثها، وزاده الله في حرثه وأعانه وبارك له، وكان له مع ذلك رزقه المكتوب له في هذه الأرض، لا يُحرم منه شيئًا. ومن أراد حرث الدنيا أعطاه الله من عَرَض الدنيا رزقَه المكتوب لا يزيد عليه مثقال ذرة، ولكن ليس له نصيب في الآخرة، فهو لم يعمل في حرث الآخرة شيئًا ينتظر عليه ذلك النصيب. فذلكم قول ربكم سبحانه: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ (19) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:19، 20] .

إن من الحماقة ـ عباد الله ـ أن يغرق الغافلون في بحر الدنيا ووَحْل المادة وأمرُ أرزاقهم محسوم، لا يزيدون منه ولا ينقصون، بل الأدهى من ذلك والأمرّ ما يجلبه ذلك لهم من شتات الفكر وتفرّق الشمل وارتفاع السكينة وحلول السَقَم.

ألا فلنعِ جميعًا ـ أيها العقلاء ـ هذا الحديث النبوي الجليل المشتمل على حكمة نبويّة بديعة، وحُقّ لنا أن نجعله نصب أعيننا صباحَ مساءَ:، في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: (( من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّر له ) )وهو في صحيح الجامع (6561) .

فاتقوا الله عباد الله، وأجملوا في الطلب، والقصدَ القصدَ تبلغوا، واعلموا أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها.

اللهم أنا نسألك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاءً من كل داء. اللهم وسّع لنا في أرزاقنا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنّعنا بالقليل منه يا أكرم الأكرمين. اللهم إنا نسألك أن ترزقنا رزقًا يزيدنا لك شكرًا وإليك فاقة وفقرًا، وأغننا اللهم عمن أغنيته عنا، واجعلنا أغنى خلقك بك، وأفقرهم إليك يا أرحم الراحمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت