فقه
الأيمان والنذور
صالح بن عبد الرحمن الأطرم
الرياض
غير محدد
معنى الأيمان , وكيفيتها , واليمين المشروعة - حكم اليمين الغموس وكفارتها -
كفارة اليمين - وكيف يكون حفظ الأيمان - حكم الحلِف بغير الله
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: اتقوا الله، واعلموا أن الإيمان وقعت في كلام العرب، وهي جمع يمين، والمراد بها الحلف، والإنسان يحلف ليؤكد حكمًا بذكر معظم على وجه مخصوص، وهذا الأسلوب في كلام العرب، يقصد به تأكيد الكلام. وحروف القسم عندهم الواو والباء والتاء.. فيقولون: والله وبالله وتالله. كل هذه الألفاظ جارية على لسان العرب، إلا أن استعمالهم للواو أكثر. وإذا عرفنا الغرض من الحلف وسر ألفاظه، فلابد من معرفة الحلف المشروع الذي تجب فيه الكفارة، وما هي الكفارة؟
أيها المسلمون: اليمين المشروعة هي أن يحلف الإنسان باسم من أسماء ربه وصفاته، كأن يقول: وربي وخالقي، وحياة الله، وكلام الله، وعزة الله، والقرآن؛ لأن القرآن كلام الله، والكلام صفة من صفاته. فهذه هي اليمين المشروعة، فإن بر بيمينه ففعل ما حلف على فعله أو ترك ما حلف على تركه، كأن يقول: والله لأدرسن غدًا، فدرس. أو قال: والله لا أدرس غدًا، فلم يدرس. فلا شيء عليه ؛ لأنه وفَّى بيمينه، فإن خالف ما حلف عليه وهدَّ عقد اليمين من قلبه على مستقبل ممكن فعله أو تركه، وجبت عليه الكفارة ؛ لأنه حنث في يمينه.
أخي المسلم: أما الأيمان على اللسان من غير قصد، فهو لغو اليمين ولا كفارة فيها، قال تعالى: لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ?للَّهُ بِ?لَّلغْوِ فِى أَيْمَـ?نِكُمْ [البقرة:225] ، وفسَّرت هذا عائشة بقولها: كقول الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله.
وإن حلف الإنسان على أمر ماض صادق فيه فهو بار في يمينه، فإن كان كاذبًا فهي الغموس، وقد سميت باليمين الغموس؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ولا كفارة لها إلا التوبة والندم. وليحذر المسلم من اليمين الغموس؛ لأن فيها وعدًا شديدًا في القرآن والسنة. اختصم الأشعث ابن قيس هو ويهودي في أرض، فقال الرسول للأشعث: (( ألك بينة؟ ) )قال: لا. قال: (( فلك يمينه ) )قال الأشعث: إذًا يحلف ويأخذ مالي. فنزلت الآية الكريمة: إِنَّ ?لَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ?للَّهِ وَأَيْمَـ?نِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَئِكَ لاَ خَلَـ?قَ لَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ?للَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [1] [آل عمران:77] ، وقال: (( من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه لقي الله وهو عليه غضبان ) )قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: (( وإن كان قضيبًا من أراك ) ) [2] .
أيها المسلمون: بعد أن عرفنا اليمين التي تجب فيها الكفارة، والتي لا تجب فيها، فالمراد بالتكفير إذا أراد الإنسان أن يخالف ما حلف عليه، أو خالفه وكان ذاكرًا مختارًا مكلفًا، ولم يقل في يمينه إن شاء الله، فإن قال: إن شاء الله أو خالف يمينه ناسيًا أو مكرهًا فلا شيء عليه.
والكفارة معناها محو الذنب ومغفرته، والمراد بها إطعام عشرة مساكين، لكل مسلم نصف صاع من وسط طعام البلد، يسلم لهم تملكًا، أو كسوتهم، فيكسي كل مسكين ما يكفيه في صلاته، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد واحدة من هذه الثلاث فيصوم ثلاثة أيام، يخير الإنسان بين الثلاثة والصيام على الترتيب. قال تعالى: لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ?للَّهُ بِ?للَّغْوِ فِى أَيْمَـ?نِكُمْ وَلَـ?كِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ?لاْيْمَـ?نَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـ?كِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـ?ثَةِ أَيَّامٍ ذ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـ?نِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ [المائدة:89] .
فالذي ينبغي للمسلم أن يحفظ يمينه بالبر والتقوى، وعدم الإكثار منها، والكذب فيها، والتكفير إذا وجبت الكفارة، قال تعالى: وَ?حْفَظُواْ أَيْمَـ?نَكُمْ [المائدة:89] ، وقال تعالى: وَلاَ تَجْعَلُواْ ?للَّهَ عُرْضَةً لاِيْمَـ?نِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ?لنَّاسِ وَ?للَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:224] .
وقال: (( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) )وذكر منهم الرجل الذي ينفق سلعته بالحلف الكاذبة، فلا يبيع الا بيمينه، ولا يشتري إلا بيمينه [3] .
وعلى المسلم ألا يحلف إلا على خير، فلا يحلف على فعل محرم أو ترك واجب أو فعل مكروه كقطيعة رحم، وعدم فعل الخير، فإن فعل ذلك فلا ينفذ بل يكفِّر. قال: (( إني لأحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها فآتي الذي هو خير، وأكفِّر عن يميني ) ) [4] ، وقال تعالى: وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ?لْفَضْلِ مِنكُمْ وَ?لسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?لْمُهَـ?جِرِينَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ?للَّهُ لَكُمْ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور:22] .
أيها المسلمون: إن المخلوق لا يجوز أن يحلف بغير أسماء الله وصفاته ؛ لأن الحلف بغير الله يتضمن تعظيم المحلوف به، ولا يجوز تعظيم أحد بهذه الصورة إلا الله، فالحلف بغير الله يخل بالعقيدة، جاء يهودي إلى النبي قال: إنكم تشركون وتنددون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة. فأمر النبي أن يقول: ورب الكعبة، وما شاء الله ثم شئت [5] ؛ لأن الواو تقتضي المساواة في الدرجة ولا أحد في درجة الله. وفهم اليهودي لهذا الشرك لكونه له هوى، وإلا فهو في كفر أكبر وشرك أعظم.
قال: (( لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ) ) [6] . والحلف بغير الله ينافي كمال التوحيد، ولقد نبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هذه المسألة في دعوته التي حماها آل سعود. جزى الله الجميع خيرًا.
ومما هو شائع على ألسنة كثير من المسلمين من الحلف بغير الله كقولهم: وحياتك، والكعبة، والشرف ورأسك، والنبي، ونحو ذلك.
فعلى من يفعل ذلك لكونه اعتاده لسانه، أو جاهلًا أو قاصدًا أن يتقي الله، ويترك كل ما يخل بعقيدته، والرجوع إلى الحق فضيلة، والتمادي في الباطل رذيلة. نسأل الله ان يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.
وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ?للَّهُ بِ?لَّلغْوِ فِى أَيْمَـ?نِكُمْ وَلَـ?كِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَ?للَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة:225] .
[1] أخرجه البخاري ح (2417، 2516، 2667) ، ومسلم ح (138) .
[2] أخرجه مسلم ح (137) ولفظه: (( ... فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة... ) ). وعند البخاري ح (2357) : (( من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم هو عليها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ) ). وعند مسلم (138) نحوه. وليس فيه ذكر الأراك.
[3] رواه مسلم ح (7446) .
[4] أخرجه البخاري ح (6623) ، ومسلم ح (1649) .
[5] صحيح، أخرجه أحمد (6/371 ـ 372) ، والنسائي ح (3773) .
[6] أخرجه البخاري ح (7401) دون قوله: (( أو ليصمت ) )، ومسلم ح (1646) ولفظه: (( ألا إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم... ) ).
لم ترد.