فقه
الصلاة
عبد السلام بن محمد زود
سدني
مسجد السنة
1-النظر إلى القدمين في الركوع. 2- ترك قول: سمع الله لمن حمده. 3- زيادة لفظ (والشكر) . 4- رفع البصر إلى السماء. 5- الالتفات. 6- مد تكبيرات الانتقال. 7- النزول على الركبتين. 8- مسابقة الإمام في الركوع والسجود. 9- أخطاء في السجود. 10- ترك الدعاء بين السجدتين. 11- أخطاء في كيفية الجلوس للتشهد. 12- أخطاء يقع فيها المريض. 13- أخطاء في صيغة التشهد والصلاة الإبراهيمية. 14- ترك التورك والاستعاذة بالله من أربع. 15- أخطاء في السلام.
أما بعد: إخواني في الله، فنظرًا لأهمية الموضوع الذي بدأناه قبل أسبوعين، وهي الأخطاء التي يقع فيها بعض المصلين في صلاتهم، ونظرًا لأن هناك الكثير من الأخطاء التي لم نتعرض لها في الأسبوعين الماضيين، فإننا نواصل في جمعتنا هذه الحديث عن هذه الأخطاء، سائلين الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، فأقول وبالله التوفيق:
من الأخطاء النظر إلى القدمين أثناء الركوع. أجل إخواني، إن بعض المصلين إذا ركع لا ينظر إلى موضع سجوده، بل ينظر إلى قدميه، وهذا أمر مخالف لهدي النبي ، والسنة الثابتة عنه أنه كان ينظر في صلاته كلها إلى موضع سجوده إلا عندما يكون في التشهد، فإنه كان يرمي ببصره إلى سبابته. والأمر الثاني: أن النظر إلى القدمين أثناء الركوع يؤدي إلى خفض الرأس وعدم تسويته بالظهر والعجُز، فينتج عن ذلك خلل في ركن من أركان الصلاة ألا وهو الركوع، فانتبهوا لذلك وفقكم الله.
ومن الأخطاء الاقتصار على قول: (ربنا ولك الحمد) عند الرفع من الركوع، نجد أن معظم المأمومين لا يقولون: (سمع الله لمن حمده) ، ويكتفون بقولهم: (ربنا ولك الحمد) ، وهذا فهم خاطئ، والسنَّة أن تأتي بالذكرين معا، فقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله كَانَ يَقُولُ: (( سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه ) )حين يرفع صُلبَه من الرَّكعة، ثم يقول وهو قائم: (( رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ) )، وقد قال: (( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) )، وبالجمع بين الحديثين يتبين أن الإمام إذا قال: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه) فإن المأموم أيضا يقول: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) ؛ لأنه من الواضح أن في حديث أبي هريرة السابق ذِكْرَيْنِ اثنين، أحدهما: قوله: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه) ، وهذا يقوله وهو يرفع رأسه من الركوع، والآخر: قوله: (رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) ، وهذا يقوله إذا استوى قائمًا. فاحرص على الإتيان بهذين الذِّكرين إماما كنت أو مأموما بارك الله فيك، وتقبل الله صلاتك. هذا ما ندين الله تعالى به، لكن هناك قول آخر مفاده اقتصار المأموم على قوله: (ربنا ولك الحمد) بدون (سمع الله لمن حمده) والأمر فيه سعة والحمد لله.
ومن الأخطاء زيادة لفظة: (والشكر) بعد قول: (ربنا ولك الحمد) ، هذه زيادة من عند الناس وليست من هديه ، والسنة الثابتة عن النبي أنه كان يقول: (( رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ) )أو (( رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ) )، أما زيادة (وَالشُّكْرُ) فلم تثبت عنه ، فاتركها أخي بارك الله فيك.
ومن أخطاء المصلِّين رفع البصر إلى السماء في الصلاة، أجل هذا من الأخطاء، بل جاء نهي النبي عن ذلك، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( لِيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاَةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ ) )رواه مسلم. قال الإمام النووي كما في شرحه لصحيح مسلم:"في هذه الأحاديث: النهي الأكيد والوعيد الشديد عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، وقد نَقل الإجماع في النهي عن ذلك"، فإن كنت ـ أخي ـ ممن يفعل ذلك في الصلاة فتوقف عنه جزاك الله خيرا.
ومن أخطاء بعض المصلين الالتفات في الصلاة لغير حاجة، فالبعض يلتفت ويحرك رقبته، والبعض الآخر يلتفت بتقليب عينيه على المصلين يتفقّدهم، أو على جدران المسجد أو ملابس الناس يتأملها، وكلاهما مخالف لما يجب أن يكون عليه حال المصلي من الخشوع والنظر إلى موضع سجوده، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ، فَقَالَ: (( هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ ) )رواه البخاري، وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه عن الحارث الأشعري أن النبي قال: (( فَإِذَا صَلَيْتُمْ فَلاَ تَلْتَفِتُوا، فَإِنَّ الله يَنْصُبُ وَجْهَهَ لِوَجْهِ عَبْدِهِ في صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ) )، وعن أبي ذر قال: قال رسول الله: (( لا يَزَالُ الله مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ في صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فإذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ ) )أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
فاتق الله ـ أخي ـ في صلاتك، ولا تحرم نفسك هذه المنزلة، ولا تنقص من أجرك بسبب التفاتك. والسُّنة أن تنظر إلى موضع سجودك، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله الكعبة وما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها. أخرجه الحاكم وقال:"صحيح على شرط الشيخين"ووافقه الذهبي.
ومن الأخطاء مدُّ التكبير في الصلاة، بعض المصلين ـ وخاصة الأئمة ـ يطيلون التكبير أثناء الانتقال من ركن إلى ركن، خاصة من القيام إلى السجود، ومن السجود إلى القيام، وهذا خطأ، قال ابن حزم:"لا يحل للإمام البتة أن يطيل التكبير، بل يسرع فيه، فلا يركع ولا يسجد ولا يقوم ولا يقعد إلا وقد أتم التكبير" [المحلى 4/151] .
ومن الأخطاء النزول إلى السجود على الركبتين، والسنة النزول على اليدين، فقد ثبت عند ابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي أن النبي كان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه، وكان يأمر أصحابه بذلك فيقول: (( إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه ) )رواه أبو داود وصححه الألباني، وروى المروزي في مسائله بسند صحيح عن الإمام الأوزاعي قال:"أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم". وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه. رواه البخاري. وهناك قول آخر مفاده النزول على الركبتين قبل اليدين، والأمر فيه سعة والحمد لله، فلا يعنف بعضكم على بعض إخواني جزاكم الله خيرا.
ومن الأخطاء الخرور إلى السجود مع الإمام أو قبله، فقد كان الصحابة لا يتحرّكون حتى يضع النبيّ جبهته على الأرض، فعن البراء بن عازب أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللّهِ ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ أَرَ أَحَدًا يَحْنِي ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللّهِ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ يَخِرُّ مَنْ وَرَاءَ هُ سُجَّدًا. متفق عليه. ورأى أحد الصحابة رجلًا يسابق إمامه فقال: (لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت) . وقال النووي:"وفي هذا الحديث أدب من آداب الصلاة، وهو أن السنة أن لا ينحني المأموم للسجود حتى يضع الإمام جبهته على الأرض" [شرح مسلم 4/254] ، وكما ذكرت الأسبوع الماضي أنك مهما أسرعت في الصلاة فلن تنتهي قبل الإمام.
أما الأخطاء التي يقع المصلون فيها في السجود فكثيرة:
منها عدم تمكين الأعضاء السبعة من السجود. إخواني في الله، هناك سبعة أعضاء يجب على المصلي أن يمكنها من الأرض ويسجد عليها وهي: الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول الله قال: (( أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ: الْجَبْهَةِ وَالأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ ) )فهذا الحديث يدل على أن أعضاء السجود سبعة، وأنه ينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها.
لكن الواقع عند البعض هو خلاف ذلك، فمثلا منهم من يسجد على جبهته ويرفع أنفه عن الأرض، أو يسجد على أنفه ويرفع جبهته حفاظا على تسريحة شعره أن تنطعِج، والسنة الثابتة عنه خلاف ذلك، فعن أبي حميد الساعدي أنّ النبيّ كانَ إذَا سَجَدَ أمْكَنَ أنْفَهُ وجَبْهَتَهُ الأرْضَ. رواه الترمذي وقال:"حسن صحيح". وقال: (( لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَمَسَّ أَنْفُهُ الأَرْضَ مَا يَمَسُّ الْجَبِينُ ) )أخرجه الحاكم وهو صحيح على شرط البخاري كما قال الحاكم والذهبي. فاحرص ـ أخي ـ على وضع جبهتك وأنفك على الأرض أثناء سجودك وفقك الله.
ومنهم من يرفع قدميه أو إحداهما عن الأرض قليلا، أو يضع إحدى قدميه على الأخرى، وهؤلاء جميعا مخالفون لأمر النبي وغيرُ ساجدين على سبعة أُعظم، وقد سُئل الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله عن المصلي إذا رفع بعض أعضاء السجود عن لمس الأرض فهل تبطل صلاته؟ فأجاب رحمه الله:"إن كانت رجلُه مرفوعةً من ابتداء السجدة إلى آخرها لم تصح صلاته، لأنه ترك وضع بعض الأعضاء وليس له عذر، وإن كان قد وضعها بالأرض في نفس السجدة ثم رفعها وهو في السجدة فقد أدّى الركن، لكن لا ينبغي له ذلك". فانتبه ـ أخي ـ لرجليك أثناء السجود، فقد تكون رافعا لهما بدون شعور، فاستدرك.
ومنهم من يفتح رجليه ويباعد بين قدميه، وهذا خطأ، والسنة الثابتة عنه في السجود أنه كان ينصب قدميه، ويضمهما إلى بعضهما، ويلزق العقبين ببعضهما، ويستقبل بأصابع رجليه القبلة، فاحرص على هذا أثناء سجودك أخي.
ومن الأخطاء تفريج أصابع اليدين وعدم استقبال القبلة بهما، وهذا خطأ أيضا، والسنة الثابتة عنه أنه كان يعتمد على كفيه ويبسطهما، ويضم أصابعهما، ويوجهها قِبَلَ القبلة، ويجعلهما حذو منكبيه، وأحيانا حذو أذنيه.
ومن الأخطاء أيضا بسط الذراعين على الأرض كانبساط الكلب، والسنة الثابتة عنه أنه كَانَ لاَ يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ، بل كان يرفعهما عن الأرض، ويباعدهما عن جنبيه، حتى يبدو بياض إبطيه من ورائه. متفق عليه. وكان يأمر بذلك فيقول: (( إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ ) )رواه مسلم عن البراء بن عازب، ويقول أيضا: (( اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلاَ يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ ) )متفق عليه من حديث أنس ، فلا تبسط ذراعيك في السجود أخي، بل ارفعهما.
إذًا فالطمأنينة الكاملة في السجود كالتالي: أن تسجد على أعضائك السبعة المذكورة، ضع جبهتك وأنفك على الأرض، وابسط كفيك على الأرض أيضا، وضم أصابعهما، ووجههما نحو القبلة، واجعلهما حذو منكبيك، وأحيانا حذو أذنيك، وارفع ذراعيك عن الأرض، وباعدهما عن جنبيك، حتى يبدو بياض إبطيك إن أمكن، وانصب رجليك، واستقبل بأطراف أصابع قدميك القبلة، ورصَّ عقبيك، مع تمكين الأعضاء التي على الأرض من الأرض، فإنك إن فعلت ذلك سجد كل عضو منك معك.
ومن الأخطاء ترك الدعاء في السجود، بعض المصلين يكرّر في السجود كله: (سبحان ربي الأعلى) ويترك الدعاء، مع أن النبي حثنا عليه، فقال كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: (( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ) )، فاغتنم فرصة قربك من الله، وأكثر من دعائه في هذا الموضع بعد تسبيحه، يكن خيرا لك في الدارين.
ومن الأخطاء قراءة القرآن في السجود، فقد كان ينهى عن ذلك ويقول: (( أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا ) )رواه مسلم عن ابن عباس.
ومن الأخطاء ترك الدعاء بين السجدتين، أجل إخواني، إن ترك الدعاء الوارد عن النبي بين السجدتين خطأ يقع فيه أكثر المصلين، فقد ثبت عنه كما في حديث ابن عباس أنه كان يقول بين السجدتين: (( اللهُمَّ اغْفِرْ لي، وارْحَمْنِي، واجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي، وَاهْدِني، وَعَافِني، وَارْزُقْنِي ) )رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وتارة كان يقول: (( رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي ) )رواه ابن ماجه عن حذيفة وصححه الألباني.
ومن الأخطاء في الجلوس بين السجدتين أو الجلوس للتشهد وضع المصلي إحدى قدميه على الأخرى والجلوس عليهما، أو لصق مؤخرته ويديه بالأرض ونصب ساقيه، وهذه الجلسة منهي عنها في الصلاة، فعن أبي هريرة قال: نهاني خليلي عن إقعاء كإقعاء الكلب. رواه الطيالسي وأحمد وحسنه الألباني في صفة الصلاة. والسنة في هذا الجلوس ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها وصفت صلاة النبي وذكرت فيها أنه كَانَ يَفرشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ ينْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ. وعُقْبَةُ الشيطان هي الإقعاء الذي نهينا عنه، وهي نصب الساقين، ووضع الإليتين واليدين على الأرض، فانتبه لذلك عبد الله، وصلّ كما صلى النبي.
ومن الأخطاء وضع شيء أمام المريض ليسجد عليه. إخواني في الله، يقوم بعض المصلين ممن لا يستطيعون السجود على الأرض لعذر مرض أو نحوه، يقومون بوضع شيء مرتفع أمامهم ويسجدوا عليه، وهذا خطأ، والسنة أن يومئ أحدهم برأسه إيماء، فعن عبد الله بن عمر قال: عاد رسول الله رجلًا من أصحابه مريضًا وأنا معه، فدخل عليه وهو يصلّي على عود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه فطرح العود وأخذ وسادة، فقال رسول الله: (( دعها عنك ـ يعني: الوسادة ـ إن استطعتَ أن تسجد على الأرض، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك ) )أخرجه الطبراني بإسناد صحيح، [انظر: السلسلة الصحيحة 323] .
فالحديث يدل على أن السنة في حقّ المريض أن يومي إيماء، ويكون سجوده أخفض وأقرب إلى الأرض من ركوعه، دون أن يلصق جبهته بشيء يرفعه. فتعلّم ـ أخي المريض ـ هدي نبيك يكن خيرا لك.
ملاحظة: ومن المفيد بهذه المناسبة أن أنبّه إلى أن بعض الناس يعجز عن السجود، فيصلي على كرسي، وهذا لا مانع منه، ولكن هنالك شرط، وهو أنه إذا قدر على الوقوف في كل ركعة لقراءة الفاتحة وما بعدها فيجب عليه الوقوف في كل ركعة لأجل قراءتها، إذ إنه لا يعفى الشخص عما يقدر عليه.
هذا بعض ما يتعلق بالسجود من أخطاء يقع فيها بعض المصلين.
أسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم لطاعته واتباع هدي نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
بقي أن أنبه إلى أخطاء يقع فيها البعض في الجلوس والتشهد والتسليم:
منها: خطؤهم عند قولهم في التشهد: (السلام عليك أيها النبي) ، هذا اللفظ ـ إخواني ـ كان يقال في حياة النبي ، أما بعد موته فكان الصحابة يقولون: (السلام على النبيّ) ، لا تَفَاجَؤوا بهذا فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن مسعود قال: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ التَّشَهُّدَ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: (( التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ) )وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: (السَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ) . وكانت عائشة رضي الله عنها أيضا تعلّمهم التشهد في الصلاة: (السلام على النبي) رواه السراج في مسنده والمخلص في الفوائد بسندين صحيحين عنها. وقال الحافظ ابن حجر:"فالظاهر أنهم كانوا يقولون: (السلام عليك أيها النبي) بكاف الخطاب في حياة النبي ، فلما مات النبي تركوا الخطاب، وذكروه بلفظ الغيبة، فصاروا يقولون: (السلام على النبي) "فتح الباري 11/.56 وقال عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج، أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي حيٌّ: (السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي) ، قال ابن حجر:"وهذا إسناد صحيح".
إذًا فالسنة ـ إخواني ـ أن نقول في التشهد: (السلام على النبي) بدل: (السلام عليك أيها النبي) جزاكم الله خيرا. ومع ذلك لا زال البعض مصِرًّا على الأولى: (السلام عليك أيها النبي) وفهم الصحابة مقدَّم على غيره، لا سيما وأنه لم يوجد لهم معارض منهم في هذه القضية حسب علمنا، والله أعلم.
ومن الأخطاء زيادة لفظ (سيدنا) في الصلاة الإبراهيمية. إخواني في الله، بعض المصلين يزيد في الصلاة على النبي لفظ (سيدنا) فيقول: (اللهم صل على سيدنا محمد..) وهذا خطأ واضح، لأن الأصل في العبادات الاتباع لكل ما جاء به النبي ، والنبي هو سيدنا وقدوتنا وأسوتنا ومعلمنا ومربينا، ولكنه لم يرِد في كتاب ولا سنة أن النبي أو أصحابه من بعده قالوا كلمة (سيدنا) في التشهد، بل الثابت عنه كما في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلاَ أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ ؟! فَقُلْتُ: بَلَى فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلاَةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ؟ فَقَالَ: (( قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) ). وهذه إحدى صيغ السلام على رسول الله وهناك صيغ أخرى، لكن ليس في واحدة منها لفظ (سيدنا) ، وخير الهدي هدي محمد.
ومن الأخطاء ترك التورك في الجلسة الأخيرة من الصلاة الثلاثية والرباعية، والسنة في الجلوس على رأس الركعتين الافتراش، والتورك في الركعة الأخيرة من الصلاة، أخرج البخاري في صحيحه عن أبي حميد الساعدي أنه قال في أثناء وصفه لصلاة النبي: (( فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ ) ). فاحرص ـ أخي ـ على جلسة التورك في الركعة الأخيرة، فإنها جلسة نبينا محمد في صلاته.
ومن الأخطاء ترك الاستعاذة بالله من أربع قبل التسليم، كثير من المصلين ـ إخواني ـ لا يستعيذون بالله من تلك الأشياء التي أمرنا النبي أن نستعيذ بالله منها قبل التسليم، وهي التي رواها مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فتنة الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ) )، وعن ابن عباس أن رسول الله كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: (( قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ) ). قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُوسًا قَالَ لابْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلاَتِكَ؟ فَقَالَ: لاَ، قَالَ: أَعِدْ صَلاَتَكَ. قال النووي:"وظاهر كلام طاووس رحمه اللَّه أنَّه حمل الأمر به على الوجوب، فأوجب إعادة الصَّلاة لفواته، وجمهور العلماء على أنَّه مستحبٌّ ليس بواجب، ولكن لعلَّ طاووسا أراد تأديب ابنه وتأكيد هذا الدُّعاء عنده، لا أنَّه يعتقد وجوبه، واللَّه أعلم".
ومن الأخطاء قيام المسبوق لإتمام ما فاته قبل تسليم الإمام، أجل إخواني، من الأخطاء الشائعة بين المصلين أن يقوم المسبوق لإتمام ما فاته من ركعات قبل تسليم الإمام، أو عند ابتداء الإمام في التسليم، وذلك أن المصلي أحيانًا تفوته ركعة أو أكثر، فأول ما يشرع الإمام في التسليمة الأولى يقوم المسبوق ليأتي بما فاته، وهذا خطأ واضح، والسنة أن لا يستعجل، بل ينتظر حتى ينتهي الإمام من التسليمة الثانية، وعندها يقوم المسبوق ليتم ما فاته. قال الإمام الشافعي:"ومن سبقه الإمام بشيء من الصلاة فلا يقوم لقضاء ما عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين". وسئل الشيخ عبد الرحمن السعدي عن ذلك فقال:"لا يحل له ذلك وعليه أن يمكث حتى ينتهي الإمام من التسليمة الثانية، فان قام قبل انتهاء سلامه ولم يرجع انقلبت صلاته نفلًا، وعليه إعادتها، لأن المأموم فرض عليه أن يبقى مع إمامه حتى تتم صلاة الإمام".
ومن الأخطاء مدُّ السلام عند التسليم آخر الصلاة، بعض المصلين خاصة من كان إماما إذا جاء يسلّم فإنه يمد كلمة السلام، هكذا: (السلاااااام عليكم ورحمة الله) ، والسنة عدم مدها، فتنبهوا لذلك وفقني الله وإياكم لطاعته.
أخيرا نلخص لكم ـ إخواني ـ ما قلناه من أخطاء في خطبة اليوم فنقول:
لا تنظر إلى قدميك في الركوع، بل انظر إلى موضع سجودك، فإنه هدي نبيك.
عند الرفع من الركوع قل: (سمع الله لمن حمده) وعند الاعتدال قل: (ربنا ولك الحمد) لكن بدون كلمة (والشكر) .
لا ترفع بصرك إلى السماء وأنت في الصلاة خشية أن يخطف فلا يُرَدَّ إليك بعدها
إياك والالتفات في الصلاة لغير حاجة، فإنه يُنقص من أجرها.
لا تمدَّ التكبير من القيام إلى السجود، ومن السجود إلى القيام، بل أسرع فيه.
لا تنزل إلى السجود على ركبتيك، بل انزل على يديك.
لا تسجد مع الإمام ولا قبله، بل اسجد بعده عندما يضع جبهته على الأرض.
اسجد على أعضائك السبعة ومكِّنها من الأرض.
لا تترك الدعاء في السجود، فإنه من مواطن الإجابة.
لا تقرأ القرآن في السجود، فإن الله تعالى نهى عن ذلك.
لا تترك الدعاء بين السجدتين، فإنه من هدي نبينا.
لا تقعي كما يقعي الكلب، بل انصب اليمنى واجلس على اليسرى.
لا تضع أمام المريض شيئا ليسجد عليه، بل دعه يسجد على الهواء.
لا تقل: (السلام عليك أيها النبي) في التشهد، بل قل: (السلام على النبي) .
لا تقل: (اللهم صل على سيدنا محمد) في التشهد، بل قل: (اللهم صل على محمد) .
لا تنس التورك في الجلسة الأخيرة من الصلاة الثلاثية والرباعية.
لا تنس الاستعاذة بالله من أربع قبل التسليم.
لا تقم لقضاء ما فاتك من الصلاة قبل تسليم الإمام التسليمة الثانية.
أخيرا: لا تمدَّ السلام عند التسليم آخر الصلاة، بل أسرع به.
بهذا نكون ـ إخواني ـ قد أنهينا بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض المصلين داخل الصلاة، على أمل استكمال الأخطاء التي تقع خارج الصلاة في خطب أخرى إن شاء الله تعالى.
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يفقهنا في صلاتنا، وأن يعيننا وإياكم على تصحيحها، وأن يتجاوز عما وقعنا فيه من أخطاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...