سيرة وتاريخ
السيرة النبوية
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-سبب تسمية ذلك العام الذي مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحزن 2- ما حلّ
بعد ذلك من الفرج والنصر والتمكين 3- قصة الإمام البويطي رحمه الله ونعيم بن حمّاد رحمه
الله
أما بعد:
وبعد أيام، يطوى سجل عام كامل من عمر الأمة، وتفتح أمة الإسلام صفحة جديدة في دفترها، لتستقبل عامًا هجريًا جديدًا، وسبحان الله، ما أسرع مرور الأيام، وانصرام الأعوام. لكن بماذا وعلى ماذا وبأي وضع، أنهت الأمة عامًا كاملًا من عمرها، ما هي منجزاتها وما هي أرباحها وخسائرها، وهل طوت صفحة عام وهي غارمة أم غانمة، منتصرة أم منهزمة هل كان عام حزن أم عام فرح.
إن أمة الإسلام تمر بمرحلة من أصعب مراحل وفترات حياتها، ولا أريد في هذه الخطبة ونحن على بوادر استقبال عام جديد أن أذكرك فقط بمآسي الأمة في عامها المنصرم وما مرت به من نكبات ومآزق واضطهاد، وتقتيل وتشريد لبعض شعوبها، لأن كثرة الطرق لمثل هذه المواضيع دون عمل، ودون تغيّر للحال، قد يبلد الإحساس. فالمسلم لكونه مسلم، يجب عليه أن يعيش متفائلًا مستبشرًا. ولنا في رسول الله أسوة حسنة.
قبل عدة أسطر سألت هل كان العام المنصرم عام حزن أم عام فرح؟
لعلك تجيبني أنه ففي الجملة عام حزن، بالنظر إلى عموم أحوال الأمة، هذا صحيح فإن الحزن والمصاب والآلام، أكثر بكثير من الفرح والنصر والتمكين. لكن أولًا: أين التفاؤل الذي ذكرناه قبل قليل. ثم ثانيًا: ليست هذه هي سنة الحياة أن يكون الحزن دائمًا حزن، فإن الحزن لابد أن يعقبه فرح. ولابد: هل سمعت بعام الحزن الذي مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أظنك سمعت به ماذا كان بعد عام الحزن ذاك. إليك طرفًا من أخباره، لتنزع ثوب اليأس عنك، وتزداد ثقة بالله وبهذا الدين، وما ينتظرنا من مستقبل. عدد من الأحداث الجسام مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم، قائد هذه الأمة وبأصحابه، في أقل من أربعة أشهر كادت تعصف بالدعوة في مهدها، وكانت في نظر المرجفين، ومحدودي الرؤية، أحداث مؤذنة بنهاية دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتصار معسكر قريش على معسكر الإيمان. ذلك ما هي هذه الأحداث والتي بسببها سمي ذلك العام عام الحزن. مات أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ماتت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها زوجه، فماذا كان أثر وفاتها.
قال ابن اسحاق: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلاك خديجة، وكانت له معينًا في دعوته إلى الإسلام. وهلك عمه أبو طالب، الذي كان له عضدًا وحرزًا في أمره، ومنعة وناصرًا على قومه. فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر التراب على رأسه. قال ابن كثير رحمه الله: وعندي أن غالب ما روي من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلي- وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له عليه السلام خنقًا شديدًا حتى حال دونه أبو بكر الصديق، وكذلك عزم أبي جهل لعنه الله على أن يطأ على عنقه وهو يصلي فحيل بينه وبين ذلك مما أشبه ذلك - كان بعد وفاة أبي طالب. نعم لقد فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم عضده وحاميه من قريش فاجترأت عليه، وزادت في ايذائه حتى روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما نالت قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب ) ). وفقد صلى الله عليه وسلم سلوته وملاذه وأم أولاده خديجة بنت خويلد. قال عليه الصلاة والسلام عنها: لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرمني ولد غيرها.
قال ابن اسحاق: وكانت أول من آمن بالله وبرسوله وصدق بما جاء منه، فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يسمع شيئًا مما يكرهه من رد عليه، وتكذيب له، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها ، إذا رجع إليها ، تثبته وتخفف عليه ، وتصدقه ، وتهون عليه أمر الناس رحمها الله تعالى رحمة واسعة. فعلًا: إنها أحداث تهز الكيان البشري ، وتزلزل الأرض من تحت أقدام الضعفاء. أما من قوي إيمانه بالله ، ويقينه بوعده ونصره ، فلا تزيده هذه الأحداث إلا تصميمًا وعزمًا على مواصلة الطريق.
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بعد أن أحس أنها لم تعد بيئة صالحة للدعوة ، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام. وإلى أن يكونوا أنصاره وحماته ، وكان ذلك بعد وفاة خديجة بقليل فماذا كان جوابهم؟
لقد قابلوا الرسول صلى الله عليه وسلم أسوأ مقابلة ، وردوا عليه أقبح رد ، وعاملوه بما لم تعامله به قريش لقد رفضوا الداعي والدعوة ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه ، حتى إنه لم يدخل مكة إلا بجوار المطعم بن عدي. إذًا ما العمل؟
ذهب السند الداخلي الذي كان يمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالراحة والطمأنينة ، والمشاركة والمواساة ، وهلك المدافع أمام قومه ، الذي كان يوفر له مساحة يتحرك فيها لدعوة الناس وإبلاغ رسالة الله. وسُدَّ أقرب منفذ للدعوة يمكن أن تنتقل إليه ، وتنطلق منه ، هل تنتهي الدعوة ، هل يقف الداعية ، هل كانت هذه الأحداث إيذانًا بانتصار معسكر الكفر ، لقد أجاد الشاعر وهو يصف هذه الأحزان وهذه المصائب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:
وأنت مرتهن لازلت في الرحم
ولم تكن حين ولت بالغ الحلم
فكنت من بعدهم في ذروة اليتم
فاختاره الموت والأعداء في الأجم
رُأيت في ثوب جبار ومنتقم
سلا الجزور بكف المشرك القزم
وألبستك رداء العطف والكرم
فأسلمتك لجرح غير ملتأم
يعود ما بين مقتول ومنهزم
رأيت من لوعة كبرى ومن ألم
في عزم متقد في وجه مبتسم
مجدٌ وغيرك عن نهج الرشاد عُمى
ولى أبوك عن الدنيا ولم تره
وماتت الأم لمّا أن أنسْت بها
ومات جدك من بعد الولوع به
فجاء عمك حصنًا تستكن به
ترمى وتؤذى بأصناف العذاب فما
حتى على كتفيك الطاهرين رموا
أما خديجة من أعطتك بهجتها
غدت إلى جنة الباري ورحمته
وشج وجهك ثم الجيش في أحد
ورغم تلك الرزايا والخطوب وما
ما كنت تحمل إلا قلب محتسب
بليت بالصبر مجدٌ لا يماثله
هذه الحالة شبيهة بحال الأمة في واقعها الآن ، حين أحكم العدو قبضته من كل جانب فهل كانت كل هذه الأحداث إيذانًا بانتصار معسكر الكفر؟ الجواب لا ، وكلا. بل كانت على علامة قرب انتصار الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته. وفتح أبواب أكبر وآفاق أوسع إن مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا لقد ضاقت مكة بالدعوة ، ورفضت الطائف استقبالها ، وأخذت بعض القبائل التي تأتي في الموسم ، تساوم عليها. لقد ضاقت الأرض ففتحت السماء ، لم تتأخر البشارة بهذا النصر كثيرًا ، ففي ذي القعدة من السنة العاشرة يُسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ، فيؤم هناك الأنبياء عليهم الصلاة وأتم التسليم ثم يعرج به إلى السموات السبع.
إن حادث الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس بالذات والله أعلم: لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية لما ارتكبوا من الجرائم التي لم يبق معها مجال لبقائهم على هذا المنصب. وأن الله سينقل هذا المنصب من بني إسرائيل الخبثاء إلى بني إسماعيل الحنفاء. ستنتقل قيادة البشرية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسيعقب عام الحزن ، أعوام فرح ونصر وتمكين. إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا. لكن كيف تنتقل هذه القيادة ، والرسول صلى الله عليه وسلم يطوف بين جبال مكة طريدًا وحيدًا بين الناس ، هل يمكن أن هذه الحالة تتغير ، كما يقول بعض اليائسين في وقتنا هذا ، هل يمكن لهذه الحالة التي تعيشها أمتنا أن يكون بعدها تمكين إن مثل هذا السؤال يكشف الغطاء عن حقيقة أخرى ، وهي أن طورًا من هذه الدعوة قد أوشك إلى النهاية والتمام ، وسيبدأ طور آخر يختلف عن الأول في مجراه. ولذلك نرى بعض الآيات تشتمل على إنذار سافر ووعيد شديد في مثل قول الله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا وإضافة إلى هذه الآيات ، آيات أخرى تبين للمسلمين قواعد الحضارة وبنودها ومبادئها التي ينبني عليها مجتمعهم الإسلامي ، كأنهم آووا إلى الأرض ، وتملكوا فيها أمورهم من جميع النواحي ، وكونوا وحدة متماسكة تدور عليها رحى المجتمع ، ففيها إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيجد ملجأً ومأمنًا يستقر فيه أمره ، ويصير مركزًا لبيت دعوته إلى أرجاء الدنيا. ثم لم يتأخر النصر الموعود ، فبعد ثلاث سنوات فقط من تلك الأحداث المحزنة ، التي بلغت قمتها بالمؤامرة الدنيئة لاغتياله عليه الصلاة والسلام عند ذلك ولد الفجر ، وظهرت تباشير النصر وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرًا إلى المدينة ، ليؤسس هناك دولة الإسلام ، ويعلن انتصار الإيمان وهزيمة الكفر: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إن أحداث عام الحزن بما فيها من ألم ومرارة تغرس في قلوب الأتباع روح التفاؤل والإيمان ، والتطلع إلى غدٍ مشرق ، وقطع العلائق بالخلائق ، والالتجاء إلى رب الأرض والسماوات والاعتماد عليه وحده. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر لاشك أن في السيرة النبوية سلوى لكل الدعاة حيال ما قد يتعرضون له من مشاق أو مضايقات ، فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. وفي السيرة سلوى لهذه الأمة ، حيال كل ما يكُاد لها ، ورغم كل المؤامرات والمؤتمرات التي يحبكها أعداء الإسلام ضدها ، في كثير من البلدان ، بل والإساءة بالاتهامات الباطلة لعلماء الأمة ، بمناسبة وبغير مناسبة نقول: هيهات لهم ثم هيهات ، فإن أعوام الحزن التي مرت بالرسول صلى الله عليه وسلم كما سمعتم، كان بعده أعوام فرح وفرج وتمكين. فلتثق هذه الأمة بدينها ، ولتثق بمستقبلها ، ولتثق بأن نصر الله لها لا يتأخر عن موعده لعباده الصالحين ، والخسارة والخزي لأعداء الدين. فاصبروا وصابروا ورابطوا ، واتقوا الله لعلكم تفلحون.
يكمل الشاعر قصيدته فيقول:
تهيم من غير هدىٍ ولا علم
ضعف الأخوة والإيمان والهمم
تسعى لنيل دواءٍ من ذوي سقم
مهما ارتضت من بديع الرأي والنُّظم
ليست كمثل فراتٍ سائغٍ طعم
فطائر السّعد لم ينوي ولم يُحِم
يا أمة غفت عن نهجه ومضت
تعيش في ظلمات التيه دمرها
يومًا مشرقةً يومًا مغربةً
لن تهتدي أمةً في غير منهجه
ملح أجاجٌ سراب فادحٌ خورٌ
إن أقفرت بلدةً من نور سنته
بارك الله لي ولكم...
أما بعد:
قال الله تعالى: أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون. حين يدلّهم الخطب ، وتعظم الأمور ، ويظهر الفساد ، ويخشى الناس على أنفسهم وأولادهم وذويهم ، في مثل هذه الحالات التي تمر بالأمة ، فإنه ليس لها بعد الله عز وجل إلا علماءها المخلصون ودعاتها الغيورون ، والأمة مازالت ولله الحمد فيها خير كثير. كلنا يعلم بأن إحياء الأمة من مواتها وبعثها من غفوتها ونومها ، وإخراجها من عبادة غير الله ، وقيادتها إلى ربها وسوقها إليه سوقًا جميلًا ، كل هذا وغيره يكون بعد الله عز وجل على يد العلماء الفحول. الذين يعيشون قضايا الأمة التي تحتاجها في كل مرحلة. ولو أدى ذلك إلى تضحيتهم بأرواحهم ، وهو أغلى ما يملكون ، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
أظنك سمعت بقصة الإمام البُويْطي. يوسف بن يحيى المصري البويطي ، سيد الفقهاء ، صاحب الإمام الشافعي ، كان إمامًا في العلم قدوة في العمل زاهدًا ربانيًا متهجدًا ، دائم الذكر ، عندما كانت مشكلة الأمة في وقته وفتنة القول بخلق القرآن ، سعى بعض المرتزقة ، فكتبوا فيه تقريرًا رفعوه إلى والي مصر فامتحنه بالقول بخلق القرآن ، فلم يجب. فقال له الوالي ، قل فيما بيني وبينك. فقال: إنه يقتدي بي مئة ألف ، ولا يدرون المعنى. فأمر به أن يحمل إلى بغداد. قال الربيع بن سليمان: رأيته على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبينه وبين الغل سلسلة فيها لبنةٌ وزنها أربعون رطلًا. وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت مخلوقة فكأنما مخلوقًا خُلق بمخلوق. ولئن دخلت عليه لأصدقنه - يقصد الواثق - ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم. وتوفي رحمه الله في قيده مسجونًا بالعراق سنة إحدى وثلاثين ومئتين من الهجرة.
وأما الإمام نُعيم بن حماد ، صاحب التصانيف فقد تحمل المشاق في نفس القضية حماية للأمة من التلبيس. قال ابن يونس: حُمل على القول بتلك الفرية فامتنع أن يجيب فسجن ومات في سجنه سنة تسع وعشرين ومئتين ، وجر بأقياده ، فألقى في حفرة ، ولم يكفن ولم يصلى عليه. وأوصى هذا الإمام أن يدفن في قيوده"وقال: إني مخاصم".
إنه لا خلاص للأمة من مآزقها ومن نكباتها إلا بعلماء أمثال البويطي وابن حماد وأمثالهم الذين يعيشون واقعهم ، ويعيشون قضايا عصرهم ثم يضحون من أجلها.
نسأل الله جل وتعالى أن يهيأ لنا من أمرنا رشدا ، وأن يختم لنا عامنا بتوبة نصوح وأن يجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم لقاءه.
وأن يجعل ما نستقبل من أعوام ، أعوام خير وأمن وإسلام وإيمان.
ربنا آتنا في الدنيا...