فهرس الكتاب

الصفحة 5442 من 5777

الوسواس: تعريفه وأسبابه وأنواعه

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

أمراض القلوب, الجن والشياطين

فيصل بن محمد العواسي

جدة

مسجد بحلس

1-عداوة الشيطان للإنسان. 2- سلاح الوسوسة. 3- تعريف الوسوسة. 4- أسباب الوسواس. 5- أنواع الوساوس.

أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله العظيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: 18] .

معاشر المؤمنين، يقول ربنا جل في علاه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6] . وإن أهم سلاح يستخدمه الشيطان في عداوته لأولياء الله هو سلاح الوسوسة، قال الله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف:20-22] .

أيها الإخوة الكرام، ولأهمية هذا الموضوع موضوع الوسواس فسنتحدث عنه بعون الله وتوفيقه في جمعتين، نبين فيهما أسبابه وأنواعه وآثاره، ومن ثم علاجها.

أما تعريف الوسوسة فهي مجموعة من الخواطر والهواجس تختلِف من إنسان لآخر في قوّتها وضعفها، تدور وتتكرّر في مخيّلته وعقله، فمن الناس من يجد صعوبة بالغة في مقاومتها والتخلّص منها، وربما لجأ بعضهم إلى الأدوية والعلاجات النفسية إذا كانت وساوس قهرية، ولا بأس في ذلك بعد التوكّل على الله ودعائه والتضرّع إليه ودوام ذكره وشكره.

أما سبب الوسوسة فهو عدة أسباب، ومن ذلك ما ذكره الإمام الجويني رحمه الله في كتابه (التبصرة في الوسوسة) قال:"إنّ للوسواس سببين: إما نقص في غريزة العقل، وإما جهل بأمور الشريعة الإسلامية".

إذًا السبب الأول هو نقص في غريزة العقل، وذلك أن كثيرا من الموسوسين في عقولهم ضَعف يتمكّن به الشيطان من التأثير على ذلك الإنسان، ومن الأمثلة على ذلك أنه جاء رجل إلى أحد علماء التابعين فقال له: يا إمام، إني أنغمس في الماء مرّة ومرتين وثلاثا ثم أخرج منه وما زلت أشكّ هل ارتفعت عني الجنابة أم، هل اغتسلت أم لا، فقال له العالم الإمام: اذهب فقد سقَطت عنك الصلاة، فلمّا ذهب الرجل قالوا للإمام العالم: كيف قلت لهذا الرجل ما قلت؟! فقال: إنه مجنون، فالذي ينغمس في الماء ثلاث مرات ثم يشكّ أغتسل أم لا فهو مجنون، وقد صح عن النبي أنه قال: (( رفع القلم عن ثلاث ) )، وذكر منهم: (( والمجنون حتى يفيق ) )، وهذا مجنون. والشاهد ـ أيها الكرام ـ من هذه القصة أنّ كثيرا ممن يصاب بالوسواس ويتعمّق فيه الوسواسُ باستسلامٍ من ذلك الإنسان يكون في عقلِه شيء من النقص والخفة.

أما السبب الثاني من أسباب الوسواس الذي ذكره الإمام الجويني فهو الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية، يجهلون مثلا أحكام الطهارة والوضوء، فيقعون في الوسوسة في ذلك.

أيها الأحبة في الله، وذكر ابن القيم رحمه الله أن من أسباب الوسواس ما يكون بسبب تأثيرات عضويّة في جسم الإنسان، فيوسوس المريض ويبالغ في تشخيص مرضه وخطورته: فربما يؤدي بي إلى كذا وإلى كذا، وربما إلى الموت. وذكر سببا رابعا وهو أن الوسواس قد يحدث بسبَب ضعف الإنسان وضعف إرادته، فنجد ونرى كثيرا من الموسوسين في شخصياتهم ضَعف وفي هممهم خوَر وضعف، وربما حتى في ملابسهم رَداءة واتّساخ، كل ذلك بسبب تسلُّط الشيطان عليهم، ونجد كثيرا من الموسوسين يبتلون بتكرير الكلام وتردِيده والتنطّع والمبالغة في بعض الأمور؛ مما يجعلهم ممقوتين عند الناس، نسأل الله السلامة والعافية.

أيها الأحبة في الله، وذُكِر خامس من أسباب الوسواس وهو طبيعة المرحلة التي يعيش فيها الإنسان، فإن الوسواس ينتشر عند كثير من الشباب في مرحلة المراهقة ذكورا كانوا أو إناثا، ومن ذلك الوسواس في الأمور الإيمانية والغيبيّة، وأكثر المقبلين على الله الملتزمين بشَرعه يُبتَلَون في بداية طريقهم بهذا الوسواس، إلا أنه خفيف يسير، فيتجاوزونه بتوفيق الله عز وجل ثم بتوجيه المرشدين الصالحين.

معاشر المؤمنين، ونأتي للحديث عن أنواع الوسوسة بشيء من الإيجاز، وأنواع الوسوسة كثيرة، ومن أهمها وأكثرها خطورة على دين المسلم الوسواس في قضايا العقائد والإيمانيات، حيث يبالغ ويتنطّع كثير من الناس في التفكير في ذات الله وفي أسمائه وصفاته سبحانه، ويخطر في فكره وعقله خواطر وتصوّرات وظنون تشغل باله وتجعله يشكّ في نفسه ويشكّ في إيمانه، ولا يزال الشيطان يزيد في وساوسه لذلك العبد في أمور الغيبيّات والإيمانيّات حتى يصل به لدرجة الشكّ والقلق والاضطراب.

أما النوع الثاني من أنواع الوساوس فهو الوسواس في النية، فإن كثيرا من الناس يوسوسون في نياتهم ومقاصدهم، يوسوس في نيته إذا أراد الطهارة فيقول في نفسه: نويت رفع الحدث، ثم يعود ويقول: نويت إباحة الصلاة، ثم يبدأ في الوضوء فإذا كاد أن ينتهي قال: ربما أني لم أنو، فيعيد الوضوء أكثر من مرة، فإذا أراد أن يصلي جاءته الوساوس من كلّ حدب وصوب، فيقف للصلاة ويقول بصوت مسموع: نويت أن أصلّي هذا الفرض أربع ركعات لله تعالى مأموما مستقبلَ القبلة، وبعد ذلك يرفع رأسه وينصبه ويشدّ عروق رقبته ويرفع يديه بقوّة ويصرخ: الله أكبر، وكأنه يكبر في وجه عدوّ في ساعة حرب. ومن الطرائف أن أحد الموسوسين وقف ليصلي فرفع يديه للتكبير، وبدأ يردد هذه النية: نويت أن أصلي... إلى آخرها، وهو يتكلّف ويتنطّع في إخراج الحروف ويكرّرها، فبدل أن يقول: نويت أن أصلي صلاة الظهر أداء لله، نطق الدال ذالا فقال: أذاء لله، فقال له المصلي الذي بجواره وقد قطع صلاته: صدقت أذاء لله وأذاء لملائكته وأذاء لجماعة المصلين، يعني أنك آذيت غيرك بهذه البِدَع المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

معشر الكرام، وهكذا يوسوس الواحد منهم في نيته في كل عمل، فإذا كبر للصلاة وانتصب فيها شكّ في أمر من الأمور: ربما أنني ما نويت، فيقطع الصلاة ويبدأ من جديد، ويصيبه في ذلك من المشقة والعنَت ما لا يحمد عليه في الدنيا ولا يؤجر عليه في الآخرة، فنسأل الله السلامة بمنه وكرمه.

وأقول قولي هذا...

أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام، ومن أنواع الوسواس الوسوسة في الطهارة والوضوء والمياه، فتجِد الموسوس إذا قضى حاجته تعِب في ذلك أشدّ التعب، فهو بعدما يتبوّل يريد أن يتأكّد من انقطاع البول تماما، فيبدأ بنثر عُضوه ونفضه ليخرج ما تبقى من بول، وربما أخذ بعضهم يقفز وينطط ويركض، وبعضهم يأخذ قطنا ويحشو به عضوه لئلا يخرج شيء من البول كما يظن، وربما عصبه بعصابة عياذا بالله. لم أذكر ذلك ـ أيها الكرام ـ من فراغ، إنما هي صور موجودة والله المستعان.

ثم إذا قضى حاجته على نحو ما سمعتم وأراد أن يتوضّأ وسوس في المياه ونجاستها، يشكّ هل وصل إليه قطرة من البول أو اغتسلت منه امرأة أو أن يكون كذا أو كذا، ويضع مئات الاحتمالات لهذا الماء الذي أمامه أن يكون تنجس أو تلوّث. ثم إذا اطمأن إلى الماء وبدأ في الوضوء استخدم ماء كثيرا يكفي العشرات من المتوضّئين، فيبدأ يتوضّأ ويعرك أعضاءه مرة بعد مرة بعد أخرى، حتى إن بعضهم ليجلس في الخلاء الساعة والساعتين في ذلك المكان الذي هو مأوى الشياطين عياذا بالله، ربما فاتته صلاة الجماعة إن كان رجلا، بل ربما خرج وقت الصلاة وهو على تلك الحال، ثم إذا توضّأ بعد العرك والفرك والدّلك والجهد الجهيد أتى للنوع الذي بعده وهو الوسوسة في الصلاة وفي العبادات، ففي العمرة والطواف مثلا يوسوس له بالزيادة أو النقصان، ولا أقصد بذلك النسيان الطبيعي، فكلنا معرّض للنسيان، لكنه التكلّف الظاهر على الموسوس، وكذلك في عدد الجمرات التي رمى بها في الحجّ، وكذلك في نيّة الصيام وإخراج الزكاة والصدقة وفي كل نوع من أنواع العبادات يحاول الشيطان إفسادها على المسلم وأن يحرمه من لذة العبادة فيها.

أيها الإخوة الكرام، وللحديث في هذا الموضوع بقية في الجمعة القادمة بمشيئة الله وتوفيقه.

نسأل الله جل وعلا أن يصلح أحوالنا، وأن يعصمنا من الشيطان الرجيم ومن نزغه ونفثه وهمسه، وأن يكلأنا برعايته، وأن يحفظنا بحفظه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأفضل البشرية نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله امتثالا لأمر الله...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت