الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
البيوع, الكبائر والمعاصي
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-أدلة تحريم الربا. 2- تهاون الناس في جمعهم المال من الحلال والحرام. 3- الإيداع في البنوك الربوية. 4- صور من التحايل في الربا.
أما بعد: فيكثر القيل والقال في كثير من مسائل الدين حين تعرض بصورة قد تماثل الدعاية للشر أو أقل مما يُبْرِزُ الخيرَ وينبِّه الناسَ ويحذرهم من التعامل بما يخالف شرع الله سبحانه وتعالى، ولكن النفوس المريضة والتي لم يباشِرْها الإيمانُ ويستقر في سويداء قلوبها تصطاد في الماء العكر وتحسن السباحة فيه، وهذا شأن المنافقين في كل زمان ومكان من عهد رسول الله إلى أن تقوم الساعة؛ لأنهم داء عضال ينخر في جسم الأمة المسلمة بإثارةِ الشبهات وتَزْيِيفِ القول وإعطاءِ الأمور هَالَةً إعلاميةً وإثارةِ القلاقل والفتن في المجتمع والتربص بالمؤمنين للإيقاع بهم، ذلك دَيْدَنُهُمْ وهذا شأنهم في الحياة، وهذا معلوم لدى العلماء وطلبة العلم، ولكن عامة الناس الذين يُثَارُ في أوساطهم ما يخالف تعاليم الإسلام تنطلي عليهم أَلاعِيبُهُمْ ومَعْسُولُ قَوْلِهِمْ، مع علم الجميع بحديث رسول الله والمجمل لأحكام الحلال والحرام ووجود المشتبهات بين ذلك والتي لا يعلمها كثير من الناس، وأن الذي يتقي الشبهات فإنما يَسْتَبْرِئُ لدينه وعرضه بابتعاده عن الوقوع في الأمور المشتبهة فضلًا عن الوقوع في الأمور المحرمة، قال رسول الله: (( إن الحلالَ بيِّنٌ وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد اسْتَبْرَأَ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) )أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة.
إن مما يؤسف له في مجتمعات المسلمين اليوم هو تحكيم عقولهم واتباع رغباتهم وشهوات أنفسهم في كثير من أمور دينهم دون مُسْتَنَدٍ من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ أو قياسٍ، بل هو الهوى وتحكيم العقل بعلم وبغير علم، فعندما تُثار قضيةٌ أو يعرض أي أمر من أمور الشرع سواء كان الشخص خاليًا بنفسه أو في مجتمع صغر ذلك المجتمع أو كبر نجد تناول ذلك الموضوع بعيدًا عن أدلة الكتاب والسنة والوقوف عندها، نجد تحكيم العقل والواقع والمنطق والهوى، وَيَا لَهُ مِنْ بُعْدٍ عن الحق وقُرْبٍ من الباطل.
ومن تلك الأمور التي تثار بين الناس أمورٌ واضحةُ التحريمِ بِنَصِّ الكتاب والسنة، مع أنه إذا وُجِدَ النَّصُّ من الكتاب أو السنة فلا اجتهاد مع النص، ومنها ما هو داخل في الأمور المشتبهة على كثير منهم، وتثار إما بقصدٍ حسنٍ لمعرفة الحكم الشرعي أو بسوءِ قصدٍ لأمور متعددة عند أصحاب المقاصد السيئة هم أول الناس علمًا بمقاصدهم السيئة.
ومن تلك الأمور السؤال عن الربا، والربا معلوم تحريمه في دين الإسلام بنص القرآن الكريم والسنة المطهرة، سواء كان المتعامل به فردًا أو جماعة أو مؤسسة أو هيئة أو اتخذ أي شكل من الأشكال وصيغة من الصيغ، فالتعامل بالربا حرام في الإسلام، وهو من كبائر الذنوب التي تسبب محق البركة وغضب الله عز وجل وعدم قبول العمل والدعاء، وليس التحريم من عالم من العلماء أو شخص من المسلمين، وليس لهم ذلك ولا غيره، وإنما حرمه الله عز وجل ورسوله محمد الذي لا ينطق عن الهوى، قال الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: 275، 276] . ثم أعقبها سبحانه بآيات واضحة لمن كان له أدنى بصيرةٍ أو خوفٍ منه عز وجل، فبعد أن ذكر تحريم الربا في الآية السابقة بِإيَرادِ نصٍّ قَطْعِيِّ الدلالة لا غبار عليه ويعرفه العالم والجاهل وهو قوله عز وجل: وَحَرَّم الرِّبَا أعقب ذلك في آية أخرى بمناداة المؤمنين ومخاطبتهم بأحب الأسماء إليهم ليسترعي انتباههم وليترفعوا عن المحرمات ويتقوا الله ويحذروا أليم عقابه؛ بأن يبتعدوا عن الربا إذا كان لديهم إيمان، وإذا لم يفعلوا فهم محاربون لله ورسوله مُحَادُّونَ مُبْغِضُونَ لتعاليم الكتاب والسنة، وما أعظم جريمة من يحارب الله ورسوله، فالخزي والعذاب والنكال هو جزاؤه في الدنيا والآخرة، قال تعالى: يا أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ?لرّبَو?اْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ?للَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْو?لِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 278، 279] .
هذه بعض الأدلة من القرآن الكريم، أما السنة الصحيحة عن رسول الله فمنها قوله: (( اجتنبوا السبع الموبقات ) )، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: (( الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وشهادة الزور ) )، وعن جابر رضي الله عنه قال: لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: (( هم سواء ) ).
فهذه بعض الأدلة التي تبين تحريم الربا على الفرد والمجتمع، وأَنَّ من تعامل به وتعاطاه فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب ومحارب لله ورسوله، ومهما كثر الْمُرَوِّجُونَ للربا والمتعاملون به فلا يخرجه عن دائرة التحريم قيد شعرة، ولا يغتر المسلم بكثرة الهالكين والواقعين فيه والداعين إليه وإلى غيره من المحرمات، قال تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ?لأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ [الأنعام: 116] ، وقال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ ?لنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103] .
ولقد أصبح هَمّ كثير من الناس جمع المال من أي طريق سواء كان حلالًا أو حرامًا، وهذا تصديق لحديث الرسول الذي قال فيه: (( لَيَأْتِيَنَّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أَمِنْ حلالٍ أم من حرام ) )رواه البخاري والنسائي، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (( يأتي على الناس زمان لا يبقى بيت إلا ويدخله الربا، وإن لم يدخله نالهم من غباره ) ).
وهذا الواقع المؤلم في مجتمعات المسلمين مُؤْذِنٌ بحلول غضب الله ونقمته التي سوف تَعُمُّ الصالحَ والطالحَ حيث قال سبحانه وتعالى محذرًا ومنذرًا من شؤم المعاصي والذنوب: وَ?تَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ شَدِيدُ ?لْعِقَابِ [الأنفال25] . فَهَمُّ كَثِيرٍ من الناس اليوم هو جمع المال واستغلال حاجة بعضهم بعضًا لِنَهْبِ ما في أيديهم وإِثْقَالِهِمْ وتَحْمِيلِهِمْ الدّيُون بالْحِيَلِ الْمُوقِعَةِ في المعاملات الربوية والاحتيال على شرع الله ومشابهة اليهود الذين يرتكبون المحرمات بأدنى الحيل، وقد أصبح هذا الشَّبَهُ والْخُلُقُ اليهوديُّ في مجتمعات المسلمين بما يُرَوِّجُهُ شياطينُ الإنس والجن منْ تَزْيِينِ المكاسب المحرمة وتلبيسها لباس الحلال باسم البيع، حيث دخلت المعاملات الربوية تأخذ أشكال الحلال في الظاهر ولكن القصد منها هو الوقوع في الربا والتعامل به ولكن بطرق ملتوية ظاهرُها الحِلُّ وباطنُها الْحُرْمَةُ؛ ظَانِّينَ بأن ذلك يخفى على رب العزَّة والجلال إذا هو خفي على البشر. فما أقل الورع في هذه الأيام، وما أكثر الوقوع في المحرمات وفي الشبهات التي أخبر الرسول بأن من وقع فيها فسوف يقع في الحرام لا محالة بقوله عليه الصلاة والسلام قبل نهاية الحديث السابق ذكره: (( ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) ).
فاتقوا الله عباد الله، واحذروا الوقوع في الربا والتعامل به والمساهمة والمساعدة والمعاونة عليه بالإيداع لغير ضرورة أو غيرها في المصارف الربوية المسماة بالبنوك باللغة الإنجليزية، أو لدى المرابين أفرادًا أو جماعات أو مؤسسات وشركات؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان ومحاربة لله ورسوله، وتوبوا إلى الله عز وجل كما أمر الله تبارك وتعالى حيث قال عز وجل في التوبة من الربا بعد التحذير منه: وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْو?لِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 279] ، وكما قال ذلك بعد ذكر تحريم الربا: فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَ?نتَهَى? فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ?للَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَـ?بُ ?لنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـ?لِدُونَ [البقرة: 275] ، وقال تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى وناهيًا ومحذرًا لهم من التعاون على أي إثم وعدوان: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ?لْبرِ وَ?لتَّقْوَى? وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ?لإِثْمِ وَ?لْعُدْوَانِ [المائدة: 2] .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده عز وجل وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله.
أما بعد: فَلَقَدِ اسْتَمْرَأَ بعضُ المسلمين الكسبَ الحرامَ وانتشر انتشارًا يُؤْذِنُ بالعقوبة إن لم يؤخذ على أيدي مرتكبيه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأَطْرِ أصحابه على الحق أَطْرًا؛ لأن سفينة نجاة المجتمع الْمَاخِرَةَ في هذه الحياة الدنيا لا تَنْجُو من الْغَرَقِ إلا بالقيام بهذا الركن العظيم الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عمومًا، وحينما يأخذ المنكر والأمر المحرم صبغة الحلال في نظر الناس واعتقادهم حينئذٍ يجب البيان والتوضيح إجمالًا وتفصيلًا على حسب الحالة دون إخلال بقواعد الشرع المطهر.
وعليه يجب التنبيه إلى أمر انتشر وليس على مستوى المؤسسات الربوية لكن على مستوى الأفراد حيث يتم التعامل بالربا الذي هو المقصود من تلك المعاملة ولكن باسم البيع في الظاهر، فأصحاب المؤسسات أو الأفراد يبيعون ما لا يملكون وإنما هي الأوراق التي يتم التوقيع عليها من الطرفين، وكذلك الطرف الثالث المالك والبائع الحقيقي، حيث يأتي صاحب الحاجة إلى المؤسسة أو الفرد المرابي حقيقة، وفي الظاهرِ تعاملُه إسلاميٌّ شرعيٌّ لا غبارَ عليه، يأتي يريد منه أرضًا أو عقارًا أو سيارة أو أثاثًا أو أدوات أيًا كانت وهو لا يملكها، ويتم البيع والشراء بمكالمة هاتفية أو اتفاقات مسبقة لطريقة الدفع من الطرف الثاني للطرف الثالث الذي يملك دون أن يمتلك الثاني تلك السلعة أو يحوزها لملكيته أو يعلم عن حالتها شيئًا، ولو حازها وملكها على الأوراق فلا يخرجها ذلك عن الوقوع في الربا المحرم شرعًا والذي يستغل به المسلمُ حاجةَ أخيه المسلم لينهب ما في يديه ويثقل كاهله بالديون ويأكل ماله حرامًا وسحتًا، مع أن أطول آية في القرآن هي آية الدين مُعَطَّلٌ العملُ بها بين المسلمين اليوم، والتي جاءت بعد ذكر الآيات الْمُحَرِّمَةِ للربا والناهية والزاجرة والمتوعدة لمن يتعامل بالربا بالعذاب الأليم، والتي أمر عز وجل في نهايتها باتقاء يوم يرجع فيه العبادُ إلى الله ويَقِفُونَ بين يديه، ثم أعقبها بأطول آية تَبُثُّ الرحمةَ والأُلْفَةَ والتعاملَ الكريمَ بين المسلمين الطالبين للأجر متى عملوا بهذه الآية كتابةً وشهادةً وأداءً وطلبًا للأجر الموعود به على لسان رسول الله لِمَنْ يُقْرِضُ أخاه المسلم ويمهله بضعفين من الأجر إلى ثمانية عشر ضعفًا، وجعل القرض من حق المسلم على المسلم حين قال عندما عَدَّدَ الحقوقَ: (( وإذا استقرضك أقرضته ) ). إنه لما غاب عن واقع المسلمين تطبيقُ الآيات والأحاديث في كثير من معاملاتهم صار هَمّ أكثرهم نَهْب ما في أيدي إخوانهم المسلمين بالحرام الصريح وبالمشتبه وبالتحايل، سواء بالربا أو بأكل المال حرامًا عُنْوَةً واقتطاعه منهم ظلمًا أو الرشوة أو الغش المنتشر في البيع والشراء الذي لا تكاد تخلو منه سلعة أو التحايل على الربا باسم البيع وغيرها من المعاملات البعيدة عن روح الإسلام وسماحته وأخلاق أهله العاملين به نصًا وروحًا والمطبقين له في كل صغيرة وكبيرة.
وعلينا أن نبتعد عن طرق اليهود في العمل بالحيل التي لا تُحِلُّ الحرامَ أبدًا، والتي انتشرت بين المسلمين في معاملاتهم واتخذت أشكالًا وصورًا متعددة، وهي محرمة شرعًا مهما تحايل أصحابُها المتعاملون بها، قال رسول الله فيما رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى: (( قاتل الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها ) )، وفي رواية للجماعة: قال رسول الله: (( قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه ) )أي: لما حرمت عليهم شحوم البقر والغنم التي حول المعدة والكليتين احتالوا على التحريم بِجَمْلِهَا على النار في الْقُدُور وبَيْعِهَا وأَكْلِ ثَمْنِهَا. كذلك الحال في احتيالهم على صيد السمك يوم السبت عندما اختبرهم الله وامتحنهم بذلك، فاحتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوه من الأسباب الظاهرة التي هي في الباطن تعاطي الحرام، قال رسول الله: (( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل ) ).
وهذه الحيل تنطبق على أعداد ليست بالقليلة من المسلمين في التحايل على المعاملات الربوية التي ظاهرها البيع ولكن حقيقتها هو استحلال الربا بتلك الطرق الملتوية، والتي أخذت أشكالًا وصورًا مختلفة هدفها صيد الفريسة وإيقاعه في شباك الحيل، أي: صاحب الحاجة الذي أتى للشركات أو المعارض أو المصارف أو الأفراد والذي يريد الحصول على نقود يحتاجها في زواج أو خلافه، ثم يصطاده أولئك المتربصون به وبأمثاله من الملايين ولا أقول: العشرات أو المئات أو الألوف وعشراتها ومئاتها؛ لأن غالب الناس اليوم واقعون في تلك الديون المتراكمة عليهم منذ عشرات السنين بسبب حاجتهم الأولى لبعض النقود التي أدت نتيجتها وسلبياتها الحتمية إلى هذه المآزق التي قد لا يتخلص منها كثير من الناس في حياتهم وقبل موتهم، بل تبقى ذِمَمُهُمْ مَرْهُونَةً لتلك الديون التي لمْ ولنْ تَنْفَكَّ عنهم طوال حياتهم، وذاقوا مرارة الحياة من استغلال أصحاب الأموال من الأغنياء لحاجات الفقراء والضعفاء وعامة الناس، ومن خلال استدراج المصارف المسماة بالبنوك الربوية وغيرها التي تستدرج الناس بما تنشره من دعايات لتوفير حاجاتهم وإصدار البطاقات التي يغترّ بها كثير منهم، ومِنْ ثَمَّ يَقَعُونَ في الربا خطوة خطوة، أو بالاتصال بهم هاتفيًا وإغرائهم بمعسول الكلام في تقديم القروض الميسرة على حَدِّ زعمهم، وهي في الحقيقة معاملات ربوية، وقد أصابَ الإفلاسُ بعضَ أصحاب مئات الملايين بعد تعاملهم بالربا مع تلك المصارف، فَاسْتِمْرَاءُ الناس للربا وانتشارُه وتسميةُ الأموال التي تأتي عن طريق التعامل به تسميتها بالفوائد والأرباح لا يغيِّر من الواقع شيئًا، ولا تحوِّل تلك الأسماءُ المسمياتِ من الحرام إلى الحلال أبدًا، فهي ربا صريح محرم في دين الإسلام، والأسماء الجديدة للربا هي: الفوائد والأرباح المركبة والبسيطة، وللخمور: القهوة والمشروبات الروحية، وللأغاني والموسيقى والطبول: الفنون والتسلية والترفيه، هذه التسميات لا تُخْرِجُهَا قَيْدَ أَنْمُلَةٍ عن الحرام إلى الحلال إلا بالرجوع والتوبة والإنابة إلى الله عز وجل، واختراعُ أسماء للمحرمات غير ما سميت به لا يخرجها عن مسمياتها، بل إن ذلك من علامات الساعة التي ورد عنها الخبر من سيد البشر محمد.
فليحذر كل مسلم التعامل بالربا والوقوع في حبائل المرابين وشباكهم التي يصطادون بها الناس حيث كثرت في هذه الأيام حِيَلُهُمْ وطُرُقُهُمْ الشيطانيةُ في البنوك والمصارف الربوية وغيرها، وأَخُصُّ أصحابَ معارض السيارات الذين استغلوا حاجات الناس، وقد تجلس السيارة في المعرض إلى أن تتلف عجلاتها وإطاراتها ويتغير لونها وتباع من صاحب الحاجة لأحد الوسطاء والسماسرة الذين يُسَمَّوْن بالشريطية ـ وهم الْمُحَلِّلُون للبيع ـ ثم تعاد لصاحب المعرض وهكذا وهي في مكانها، أو تخرج للحيلة فقط لأن القصد اصطياد أصحاب الحاجات وتسجيل الديون المضاعفة عليهم، والسيارات ما هي إلا حيل وخداع باسم البيع والشراء، ومثل ذلك في التجار الذين تتلف لديهم أكياس الحَب والسكر والبن والهيل والأرز، وطرق المعاملات الربوية كثيرة ليس هذا مجال بيانها، ولكن التنبيه والإشارة كافية.
هذا ما تم إيضاحه على سبيل الإجمال من أجل الذكرى التي ينتفع بها المؤمنون ولمن كان له قلبٌ واعٍ وَجِلٌ خائفٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ، قال تعالى: وَذَكّرْ فَإِنَّ ?لذّكْرَى? تَنفَعُ ?لْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55] ، وقال عز وجل: فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ ?لذّكْرَى? سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى? وَيَتَجَنَّبُهَا ?لأشْقَى ?لَّذِى يَصْلَى ?لنَّارَ ?لْكُبْرَى? [الأعلى: 9-12] ، وقال تعالى: إِنَّ فِى ذ?لِكَ لَذِكْرَى? لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ?لسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: 37] .
فعلينا أن نتقي الله تعالى ونخشى عذابه وبطشه في الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين يوم يتخلى عنا أقرب قريب لنا ولا يبقى إلا الحسنات والسيئات، وتأتي كل نفس تجادل عن نفسها، وتوفى ما عملت في هذه الحياة الدنيا، ولنتذكر دائمًا أطول آية في القرآن الكريم والتي جاءت بعد آيات تحريم الربا والتحذير من عواقبه، فقد جاءت آيتان كريمتان بعدها مباشرة والتي فيهما الحلول الشافية الكافية الكفيلة بإذن الله بما يبعد الناس عن الربا والوقوع فيه، فلنتأمل هاتين الآيتين جَيِّدًا والآيات التي قبلها والتي بعدها إلى نهاية السورة، وكذلك الآيات السابقة لهذه كلها والتي تحث على الإنفاق، ولنربط بين كل الآيات ابتداءً من الآية التي قبل آية الكرسي، ونتأمل ونتدبر كلام ربنا ونعمل به ونطبقه في حياتنا، فذلك خير لنا في الدنيا والآخرة، قال تعالى: وَ?تَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ?للَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة: 281] . وحول الآيتين اللتين فيهما الحلول وما يتعلق بهما وحَوْلَ الدَّيْنِ أيضًا تكون خطبتان قادمتان إن شاء الله تعالى.