الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
أحاديث مشروحة, الزهد والورع
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
1-الحلال بين والحرام بين. 2- الحذر من الأمور المشتبهات. 3- التلازم بين صلاح الباطن وصلاح الظاهر.
أما بعد: عن النعمان بن بشير أن النبي قال: (( الحلال بين والحرام بين، وبينهما مُشْتَبِهَات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ).
عباد الله، إن هذا الحديث أصل من أصول الإسلام كما يقول الإمام أحمد رحمه الله، ففي هذا الحديث يبين لنا نبينا أن الأمور تنقسم إلى حلال محض بيِّن وإلى حرام محض بيِّن، وبينهما أمور تشتبه على كثير من المسلمين، أهي من الحلال أم من الحرام؟ فالحلال المحض كأكل الطيبات من الثمار واللحوم وكلبس القطن والصوف وكالزواج، أما الحرام المحض فكأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر وكالزنا ولبس الحرير والذهب وكالتعامل بالربا والقمار ونحوه، وأما المشتبه فيه فمثل بيع العينة أو التورق، وكلبس جلود السباع أو كأكل لحم الخيل والبغال.
وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب وبين للأمة فيه الحلال والحرام، كما قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] ، ووكل الله تعالى لنبيه في بيان ما أشكل من التنزيل، وكل ذلك بوحيه تعالى، قال الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44] ، والنبي ما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بين لنا ديننا، علمه من علمه وجهله من جهله، قال النبي: (( تركتكم على بيضاء نقية، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ) ).
وأما قوله في المشتبهات: (( لا يعلمهن كثير من الناس ) )، فيدل على أنه من الناس من يعلم هذه المشتبهات وهم العلماء؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل الباطل على أهل الحق؛ ولذا لا بد أن يوجد في الأمة عالم يوافق قوله الحق، والشبهة كما يقول الإمام أحمد: منزلة بين الحلال والحرام، أو هي اختلاط الحلال بالحرام، ولذلك كان السلف الصالح يجتنبون أي شيء فيه شبهة، يقول سفيان الثوري:"إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يُتقى"، وقال بعضهم:"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس"؛ ولذلك قال نبينا وهو إمام المتقين: (( إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها ) ).
والناس في أيامنا هذه قد تعدوا منزلة الشبهات، ووقعوا في منزلة الحرام المحض، فالرشوة والربا والاختلاس من الأموال العامة وغيرها من كبائر الذنوب التي لا خلاف فيها، كل ذلك صار أمرا لا تكاد أن تسمع من ينكره، فما كان بالأمس من المحرمات أصبحنا نسمع من يطالب بفرضه على الناس، فهذه صحيفة تنال من هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأكاذيب رخيصة لا يُصدقها عقل، وبالأمس القريب صحيفة أخرى تنشر صور الناجحات في الثانوية على صفحتها الأولى قربة إلى الله ورغبة في نشر العفاف والستر بين بناتنا وحفاظا على مجتمعنا من الانحراف! وهذا كاتب في نفس الجريدة يحلم باليوم الذي تقود فيه ابنته السيارة وتترافع أمام المحاكم الشرعية وتختلط بالرجال ويكون هنالك وزيرات في الدولة، ولمزيد من النكاية والاستهزاء عنون مقالته بقول الله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:6، 7] . وما سمعنا للأسف من أنكر على هذه الصحيفة التي تشرع أبوابها لمن يريدون هدم هذا الوطن عن طريق تقويض الدين الذي قامت عليه وبه، فإلى الله المشتكى، يقول تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
أما بعد: لقد أخبر نبينا: (( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) )، فهذه الجملة النبوية تدل دلالة واضحة على أن القلب وصلاح الباطن هو الأصل والأساس، إذ القلب الأمير والجسد الجنود، فبصلاح الباطن يصلح الظاهر، وبفساده يفسد الظاهر، ولا شك أن صلاح وفساد الجسد والقلب متلازمان، فلا يتخيل المرء رجلا يقع في الحرام ويسمع وينظر إلى الحرام ويأكل الحرام ولا يصلي الفرائض مع المسلمين ولا يقوم بحق الله، لا يُتصور بعد ذلك كله أن يقول هذا: إن الإيمان والتقوى في القلب مبررا بتلك الجملة أفعاله الشائنة؛ لأنه لو كان ثمة إيمان لظهر ذلك جليا في أفعاله وأقواله، كما قال النبي: (( إذا صلحت صلح الجسد كله ) )، فالله تعالى لا ينظر يوم الحساب إلى غنى الإنسان أو فقره، ولا ينظر إلى وسامته أو دمامته، ولا ينظر إلى بياضه أو سواده، ولا إلى قبيلته أو أصله، إنما ينظر إلى قلبه وعمله، قال النبي والحديث في صحيح مسلم: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ). فالمرأة التي لا تتحجب وتختلط بالرجال وتخلو بالأجنبي، والرجل الذي يلبس الثياب المخالفة للشرع كالقصير أو الضيق أو يتشبه بالكفار في ثيابه وقصة شعره ومظهره الخارجي والداخلي، وذلك الذي أطلق بصره وسمعه في الحرام ثم يدعي أن الله تعالى لا يحاسبه إلا على ما في قلبه، والذي يأكل الحرام من ربا ورشوة وأموال الناس من عمال أو مكفولين وإن كان يصلي ويصوم، فكل أولئك على خطأ وخطر عظيم؛ لأن الله تعالى ينظر إلى الأعمال مع القلوب، فما خالف من الأعمال شرع الله فلا يعقل أن يكون عند الله حميدا أو مقبولا.
فاتقوا الله عباد الله، وأصلحوا الباطن والظاهر منكم؛ لأن الله تعالى ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم...