العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
السيرة النبوية, قضايا دعوية
عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة
جامع السلام
1-حال البشرية عند بعثة النبي. 2- حفظ الله لرسوله من أدران الشرك وقاذورات الجاهلية. 3- الرؤيا الصادقة أول أنواع الوحي إلى محمد. 4- نزول جبريل في غار حراء. 5- بدء الدعوة في مكة واستنكار قريش لها. 6- تعذيب الصحابة. 7- رسول الله يعرض نفسه على قبائل العرب. 8- رسول الله يدعو في الطائف. 9- دروس وعبر للدعاة إلى الله تعالى.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى عباد الله.
إن سيرة النبي الكريم هي الشفاء لما فسد من القلوب، وهي الملاذ عند الأزمات والفتن التي تعصف بالأمة، لما جاء القرن السادس لميلاد عيسى عليه السلام كانت منارات الهدى قد انطفأت في مشارق الأرض ومغاربها، وكان الشيطان يذرع الأقطار الفسيحة فيرى ما غرس من أشواك قد نما وامتد، فالمجوسية في فارس طليعة عنيدة للشرك الفاشي في الهند والصين وبلاد العرب وسائر المجاهل، والنصرانية التي تناوئ هذه الجبهة قبست أبرز مآثرها من خرافات الهنود والمصريين القدامى، فهي تجعل لله صاحبة وولدا، وتغري أتباعها في روما ومصر والقسطنطينية بلون من الإشراك أشد من شرك عباد النيران والأوثان، والظلام الذي ران على الأفئدة والعقول في غيبة أنوار التوحيد طوى في سواده أيضا تقاليد الجماعة وأنظمة الحكم، فكانت الأرض مذأبة يسودها الفتك والاغتيال، ويفقد فيها الضعاف نعمة الأمن والسكينة، وأي خير يرجى في أحضان وثنية كفرت بالعقل ونسيت الله ولانت في أيدي الدجالين؟! لا غرابة إذا رفع الله يده عنهم كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم: (( إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ) ) [1] ، لقد شملت الدنيا قبل مبعث محمد حيرة وبؤس ناءت بهما الكواهل.
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم إلا على صنم قد هام في صنم
فعاهل الروم يطغى في رعيته وعاهل الفرس من كبر أصم عَمِ
فتأذن الله عندئذ ليحسمنّ هذه الآثار، وليسوقن هدايته الكبرى إلى الأنام، فأرسل إلى الأمة محمدا عليه الصلاة والسلام برسالة عامة ودائمة لجميع الناس وكل العصور، وأنزل معه القرآن ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
كان رسول الله يتيما تولاه الله برعايته، وحفظه بعنايته، يقول عليه الصلاة والسلام: (( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) ) [2] ، وشبّ رسول الله والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا وأكرمهم حسبا وأحسنهم جوارا وأعظمهم حلما وأصدقهم حديثا وأعظمهم أمانة وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، حتى ما لبث أن صار اسمه في قومه: الصادق الأمين.
كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم
وبعد هذه التهيئة لهذا الأمر العظيم تأذّن الله لهذا النبي الكريم بالرسالة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاء الملك، فقال: اقرأ، قال: (( ما أنا بقارئ ) )، قال: (( فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: ?قْرَأْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ?لإِنسَـ?نَ مِنْ عَلَقٍ ?قْرَأْ وَرَبُّكَ ?لأَكْرَمُ [العلق: 1-4] ) )، فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: (( زملوني زملوني ) )، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: (( لقد خشيت على نفسي ) )؛ فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ـ ابن عم خديجة ـ وكان امرأً تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله: (( أوَمخرجِيَّ هم؟! ) )قال: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزَّرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي. رواه البخاري [3] .
تقلصت ظلال الحيرة، وثبتت أعلام الحقيقة، وعرف محمد معرفة اليقين أنه أضحى نبيا لله الكبير المتعال، وأن ما جاءه هو سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء، جاء جبريل للمرة الثانية بعد انقطاع، قال جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله يتحدث عن فترة الوحي: (( فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني في حراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، ففزعت منه حتى هويت على الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني، فدثروني فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا ?لْمُدَّثّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ وَ?لرُّجْزَ فَ?هْجُرْ [المدثر: 1-5] ) )أخرجه البخاري [4] .
وهكذا كانت هذه الأوامر المتتابعة القاطعة إيذانا للرسول بإنذار قومه، ونزل القرآن الكريم على النبي آية آية، وشرع محمد يكلم الناس في الإسلام ويعرض عليهم الأخذ بهذا الدين الذي أرسله الله به، وسور القرآن الذي نزل بمكة تبين العقائد والأعمال التي كلف الله بها عباده، وأوصى رسوله أن يتعهد قيامها ونماءها، وأخذت الدعاية للإسلام تنتشر في مكة، ومن الطبَعِيّ أن يعرض الرسول أولا الإسلام على ألْصَقِ الناس به من آل بيته وأصدقائه، آمنت زوجته خديجة ومولاه زيد بن حارثة وابن عمه علي بن أبي طالب وصديقه الحميم أبو بكر الذي نشط في نشر الدعوة، فأدخل في الإسلام أهل ثقته ومودته: عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، وبدأ الإسلام غريبا ولكنه سرعان ما انتشر في الفترة السرية للدعوة حتى نزل قول الله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ?لأَقْرَبِينَ وَ?خْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ?تَّبَعَكَ مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: 214-216] ، فصدع رسول الله بالدعوة إلى الإسلام، وأنكر على قريش ما تشرك به مع الله، ودعاهم إلى كلمة التوحيد:"لا إله إلا الله"، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون، وحدب على رسول الله عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، فلما رأت قريش أن رسول الله لم يعبأ بها واستمر في تسفيه آلهتهم ذهبوا إلى عمه أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، إنا والله لا نصبر على ابن أخيك وقد شتم آباءنا وسفه أحلامنا وعاب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، فبعث أبو طالب إلى رسول الله فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، فقال له رسول الله: (( يا عمّ، والله ولو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته ) )، ثم استعبر رسول الله فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخي، فقال له: قل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا [5] ، ثم أنشد:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسّد في التراب دفينا
وهكذا بدأت قريش بالترغيب والترهيب، تريد صدّ رسول الله وصحابته عن هذا الدين، فما فتئت تعذّب صحابته بوسائل تعذيب لم يعهد لها التاريخ مثيلا، فعذب أبو جهل عمار بن ياسر ووالده ياسر ووالدته سمية فقتلهما، وعذب أمية بن خلف بلالا الحبشي، وممن عُذَّب عامر بن فهيرة وخباب بن الأرت وصهيب الرومي وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
ثم إن قريشا اشتد أمرهم فأغروا برسول الله سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله مظهر لأمر الله لا يستخفي به، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فظهر عليهم رسول الله ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه النبي ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه فوقف ثم قال: (( أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ) )، فأخذت القوم كلمتُه حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقع، حتى إن أشدهم أذية له قام يلاطفه، ويقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا، فانصرف رسول الله حتى إذا كان من الغد طلع عليهم رسول الله فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله: (( نعم، أنا الذي أقول ذلك ) )، قال: فلقد رأيت منهم رجلا أخذ بمجمع ردائه فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله؟! ثم انصرفوا عنه [6] .
واستمر أذى قريش للنبي حتى قرروا قرارا رهيبا وهو محاصرته عليه الصلاة والسلام ومن تبعه في شعب أبي طالب، وقرروا أن لا يناكحوهم ولا يبيعوهم ولا تأخذهم بهم رأفة، وتحالفوا على هذا القرار، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة، وكان الذي كتبها بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله ، فشلت يده، وانحاز بعد ذلك بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب إلا أبا لهب، وقطعت عنهم الميرة والمادة، ومنع التجار من مبايعتهم، فجهد القوم حتى أكلوا أوراق الشجر والجلود، وواصلوا الضر والفاقة حتى سمعت أصوات النساء والصبيان يتضاغون جوعا، ولم يكن يصل إليهم شيء إلا سرا، وكان رسول الله على رغم كل ذلك مستمرا في دعوته إلى الله، ولا سيما أيام الحج حينما كانت القبائل العربية تفد إلى مكة من كلّ صوب، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله يعرض نفسه في الموقف، فيقول: (( ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي ) ) [7] . واستمر الحصار في الشعب ثلاث سنوات حتى أنهاه بعض عقلاء قريش، فوجدوا أن الصحيفة التي كتبوها قد أكلتها الأرضة إلا"باسمك اللهم"، كما أخبرهم قبل ذلك رسول الله [8] .
وبعد وفاة أبي طالب عمّ الرسول وزوجته خديجه عظم الخطب على رسول الله ، واغتم وحزن الرسول ، فخرج إلى الطائف يطلب النصرة والمنعة ماشيا على قدميه ومعه مولاه زيد بن حارثة، فدعا أشرافهم ورؤساءهم إلى الإسلام، فردوا عليه ذلك، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فلما تهيأ للخروج بعد عشرة أيام وقفوا له صفين وأخذوا يسبونه ويشتمونه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه وقدميه ، وحتى اختضب نعلاه بالدم وزيد بن حارثة يقيه بنفسه ويدافع عنه، فأصابه شجاج في رأسه، واستمر هذا الأذى برسول الله حتى وصل إلى حائط في ضواحي الطائف، فدخل به واحتمى منهم، وقد أثر في نفسه ما لاقاه منهم فقال يدعو ربه: (( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ) ) [9] ، ثم خرج رسول الله من الحائط وتقدم إلى مكة وهو حزين مهموم، حتى إذا بلغ قرن المنازل أظلته سحابة فيها جبريل ومعه ملك الجبال، فرفع رأسه فناداه جبريل: إن الله بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت ثم سلم ملك الجبال، وقال: يا محمد، ذلك فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة، فقال: (( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) ) [10] .
ثم قدم عليه الصلاة والسلام مكة ودخلها بجوار المطعم بن عدي حماية له من أهل مكة، وحصل الإسراء والمعراج بعد ذلك للنبي ، فزاد أذى المشركين له وأصحابه حتى أذن رسول الله لصحابته بالهجرة إلى المدينة هروبا من بطش المشركين وأذاهم، وكل ذلك كان لكي يكتب للدعوة والإسلام الانتشار في الأرض عن طريق ذلك البلد الذي آمن أهله وصدقوا برسول الله ، وتجرأت قريش بعد ذلك على فكرة قتل النبي ، فأتتهم فكرة أن يأخذوا من كل قبيلة شابا من أنشط شبابها، فيجتمعون حول بيت رسول الله ، فإذا خرج ضربوه بالسيف ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فبينما هم يمكرون أذن الله تعالى لرسوله بالهجرة إلى المدينة بعد ثلاث عشرة سنة قضاها في مكة مهبط الوحي بصنوف الأذى والعذاب، ولكن الله الذي أنزل هذه الرسالة حماها وتكفل بها، وهاجر رسول الله إلى المدينة حتى وصلها منصورا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ?للَّهُ وَ?للَّهُ خَيْرُ ?لْمَـ?كِرِينَ [الأنفال: 20] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو التواب الرحيم.
[1] رواه مسلم (2865) .
[2] ذكره أبو سعيد السمعاني في أدب الإملاء (ص1) ، والسيوطي في الأحاديث المشتهرة وغيرهما. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (18/375) :"المعني صحيح، لكن لا يُعرف له إسناد ثابت". وانظر: السلسلة الضعيفة (72) .
[3] صحيح البخاري (3) .
[4] صحيح البخاري (4) .
[5] أخرجه ابن إسحاق في السيرة (سيرة ابن هشام 1/266) . وإسناده ضعيف لانقطاعه، حيث قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدّث. وانظر: السلسلة الضعيفة (909) .
[6] أخرجه أحمد (2/218) ، قال الهيثمي في المجمع (6/16) :"رواه أحمد، وقد صرّح ابن إسحاق بالسماع، وبقية رجاله رجال الصحيح"، وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (7036) :"إسناده صحيح، وبعضه في البخاري".
[7] أخرجه الترمذي (2925) وقال:"غريب صحيح"، وأبو داود (4734) ، وابن ماجه (201) ، وهو في صحيح سنن الترمذي (2335) .
[8] أخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام 1/350-351، 374-376) بدون إسناد، وانظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية لمهدي رزق الله أحمد (ص217-219) .
[9] أخرج هذه القصة ابن إسحاق (سيرة ابن هشام 2/419) بسند صحيح عن محمد بن كعب القرطبي مرسلًا، أما الدعاء فقد ذكره بدون سند، (المصدر السابق 2/420) . وانظر: فقه السيرة للغزالي بتعليق الألباني (ص125-126) .
[10] أخرجه البخاري (3231) ، ومسلم (1795) .
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.
أما بعد: فيقول الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـ?كَ شَاهِدًا وَمُبَشّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى ?للَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا [الأحزاب: 45، 46] .
حياة النبي مملوءة بكل معاني الخير التي يجب أن تتوفر في الدعاة إلى الله، كما أنها مملوءة بما يجب أن يتعلمه المسلمون من منهج حياته، وإننا مهما حاولنا استخلاص العبر فيها وأخذ الدروس من وقائعها لن ننتهي من ذلك، وإن تعددت المصنفات والخطب والمواعظ فالسيرة النبوية الكريمة كالبحر، كلما تعمقت في قاعه ظفرت بأجود أنواع اللؤلؤ والمرجان.
وإن فيما أخذناه اليوم من سيرة رسول الله وما لقي من أذى قومه عبرًا عظيمة ينبغي لدعاة الله وأوليائه أن يراجعوها ويقرؤوها في كل ما يلاقيهم من صنوف الأذى، بل إن هذا الجمّ الغفير من أنبياء الله ورسله الذين بلغ عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر كما في بعض الأحاديث الحسنة كلهم رفعوا راية الإصلاح في وسط مجتمعات سيطر عليها الفساد بكل صوره وألوانه، ولم يكتفوا بمجرد صلاح أنفسهم، فلم يكن من بينهم قط واحد رضي بأن يعيش بين قوم ضالين منحرفين وهو مخالف لهم إلا أن يصدع بدعوة الحق والتوحيد بين أظهرهم، فهل لقوا التكريم من أقوامهم؟! لقد سمعنا في حديث النبي أن النبي يأتي يوم القيامة ومعه واحد، والنبي يأتي ومعه اثنان، ويأتي النبي وليس معه أحد [1] ، هذا عدا من قتل وأوذي من أنبياء الله ورسله.
إذًا فالأذى هو سمة أهل الدعوة إلى الله، ولقد كان الله تعالى قادرا على نصر أوليائه في مكة، ولكنه أراد تربيتهم وتعويدهم على الصبر، فصبروا ثلاث عشرة سنة، وأخرجوا وأوذوا حتى صفت نفوسهم وقوي إيمانهم. عن أبي عبد الله خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فقال: (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتي بالمنشار، فيوضع إلى رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) )رواه البخاري [2] ، فأراد النبي أن يربي صحابته بهذا الحديث العظيم الذي يبين نصرة الإسلام والحق برغم القهر والأذى من أعداء الله. إذًا فللدّعاة إلى الله ولأوليائه قدوة بما حصل بإذن الله لهم وإن طال الزمان أو قصره، نسأل الله جلّت قدرته أن يعلي كلمتَه وينصر أولياءه، إنه سميع مجيب.
هذا وصلوا وسلّموا على نبيكم الكريم، فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين، فقال جل من قائل عليما: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] ...
[1] أخرجه مسلم (220) .
[2] صحيح البخاري (6943) .