فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 5777

يُعرف المجرمون بسيماهم

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

1-صفات وأعمال من اتصف بها أو عملها كان من المجرمين

2-عقاب المجرم في الدنيا والآخرة

3-أحوال المجرمين مع الأنبياء والدعاة

أما بعد:

أحيانًا والشخص يقرأ كتاب الله عز وجل، أو وهو يسمع، يمر بآية أو بمقطع، يشد من انتباهه، فيتأمل في هذه الآية، وإذا هي تحمل في طياتها معانٍ عظيمة جدًا، وإذا ما رجع إلى أقوال أهل العلم.رأى أشياء وأشياء لم تكن تخطر بباله لأول وهلة.

ولقد مرت بي آية من القرآن فوقفت عندها. وتأملتها ورجعت لها. فكانت هذه الخطبة. وهو قول الله تبارك وتعالى في سورة الرحمن يُعرف المجرمون بسيماهم يُعرف المجرمون بسيماهم يُخبر المولى تبارك وتعالى أن هناك علامات وسمات وأوصاف. بل وأعمال، يعرف من خلالها المجرم من غيره. هناك بعض الأعمال والتصرفات التي إذا صدرت من الشخص أدخلته في دائرة المجرمين.

ففتشت بعد ذلك في كتاب الله، فإذا بالقرآن مليء بذكر أوصاف المجرمين، وفضح لأعمال المجرمين.بل وآيات كالقوارع تذكر مصيرهم ونهايتهم سواءً في الدنيا أو في الآخرة ، فإليكم أيها الأخوة، بعض أعمال المجرمين، بحيث لو رأينا من يتصف بها، فلا نتردد ونقول بأن فلان مجرم. فالتفريق بينهما واجب، وقد فرق الله بينهما بقوله: أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون قال الله تعالى: وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين وإليكم بعض تلك الآيات: تبيانًا لأعمال وأفعال المجرمين. الآية الأولى: قول الله تبارك وتعالى في سورة الفرقان وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين.

فهذا عمل من أعمالهم، وهو معاداة الأنبياء والمرسلين، ومحاربة ما جاء به الأنبياء والمرسلين، ومن ثم المعاداة لأتباع الرسل والمعاداة، ولكل من يدعو إلى ما دعا إليه الأنبياء والرسل، وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين، فهؤلاء المجرمون يضايقهم شريعة الله، ويزعجهم تعاليم الدين، لا يريدون أن يطبق عليهم أحكام الله، ولا يريدون الامتثال لما أمر به الدين. فلا سبيل لهم إلا التمرد على الأنبياء والرسل ومن بعدهم ومعاداة الدعاة إلى دين الأنبياء. فإذا رأينا من يعادي من يدعوا إلى دين الله، فلنعلم بأنه مجرم، إذا رأينا من يحارب دين الله ، فلا نتردد بأن نصفه أنه مجرم، وهذا ليس حكمنا، وليس كلامنا بل هو حكم الله عز وجل، في كل من يعادي شريعة الله، ويخاصم الملة الحنيفية فهو مجرم، وسيحشر يوم القيامة مع المجرمين، وإن تظاهر هنا في الدنيا بأنه من الصالحين.

أولًا: لا فلاح ولا توفيق له في الدنيا، قال الله تعالى: إنه لا يفلح المجرمون ، أما في الآخرة، فيود هذا المجرم أن يتخلص من عذاب الله، لكن أنّى له الخلاص، يود لو كان بإمكانه، أن يفتدي نفسه بأن يقدم أولاده وعشيرته وذويه في مقابل خلاص نفسه، لكن أنّى له ذلك، وهذه نهاية من يعادي شريعة الله، هذه نهاية من يحارب دين الله، هذه نهاية كل مجرم، يعادي دعاة دين الله قال الله تعالى: يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذٍ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعًا ثم ينجيه كلا إنها لظى.

الآية الثانية ، في فضح أفعال المجرمين، قول الله جل وتعالى في سورة الأنعام: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. يخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه ما أن تقوم دعوة إصلاح في أي قرية إلا وتصدى المجرمون لحربها وتصدروا لمقاومتها. فما الفرق إذن بين هذا وبين ما قيل في الآية السابقة؟ الفرق أن الآية الأولى عامة: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين فالآية لم تحدد من هم هؤلاء المجرمون، أما الآية الثانية ففيها تحديد لنوع معين من المجرمين وهم الأكابر، أكابر أهل القرية. وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ، ماذا يفعل هؤلاء الأكابر المجرمون، ما هي أعمالهم: ليمكروا فيها ، ولكنهم في النهاية ومن حيث لا يشعرون: وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. قال ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية: وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين والرؤساء ودعاة الكفر والصد عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة. هذه سنة الله تعالى في كل الأكابر، المجرمين، في كل قرية، إذا هم مكروا بدين الله، ومكروا بحملة دين الله، يكون نهاية مكرهم أن ينقلب الأمر عليهم، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون.وإليك الدليل على هذه السنة، وعلى هذه القاعدة: لقد مكر المجرمون الأكابر بأول الرسل نوح عليه السلام ومكروا مكرًا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يعوق ويغوث ونسرًا فماذا كان نتيجة تلك المحاربة لدين الله؟ أن أهلكهم الله ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.

وقد مكروا بنبي الله صالح عليه السلام فكانت العاقبة له ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين.

وُمكر بموسى عليه السلام أشد المكر، وحوربت دعوته، وضيق على أتباعه، ولكن كان الأمر كما قال الله تعالى: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا فماذا كانت النتيجة فوقاه الله سيئات ما مكروا. وفرعون عندما كان يحارب ويعادي موسى عليه السلام وأتباعه، لم يكن عن جهلٍ بأن ما يقوله موسى هو الحق، لكنها الغطرسة، وحب الكرسي، والتكبر، والعلو في الأرض، ويجمع هذا كله عنوان عام وهو الإجرام.ولكن كما قال المولى جل وعز: إنا من المجرمين منتقمون فانتقم الله منه، وانتقم الله لموسى ولأتباع موسى من إيذاء فرعون، فأماته الله أحسن ميتة، وأهلكه بالغرق، والقصة معروفة، ومكر المجرمون بعيسى عليه السلام ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا أما عن سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام فهي خير شاهد على ما دلت عليه الآية التي نتحدث عنها. ففي قريته - مكة - انبعث أكابرها وذوي السلطة فيها، وهم مجرموا زمانهم، انبعثوا لمقاومة دعوة الإصلاح التي خرجت عليهم، فصار التضييق في كل مكان، وكممت الأفواه ولم يسمحوا لأحد أن يتكلم أو يدعوا لهذا الخير حتى لا يتأثر به غيره. فاضطر بعض المسلمين إلى الخروج خارج البلاد، فكانت هجرتي الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة، وحاولت قريش أن تمنع البعض من السفر أو من الخروج، وهو ما يسمى في الوقت الحاضر بالإقامة الجبرية، فأمسكوا من استطاعوا مسكه، وتفلت البعض الآخر، وخرجوا خارج البلاد، وشكلوا بما نسميه نحن في هذا العصر بحزب المعارضة ضد حكومة قريش في مكة.فحاولت قريش أن تستعيد رعايها فأرسلت مندوبها إلى ملك الحبشة، لكن باءت تلك المحاولة بالفشل، والقصة معروفة، انتهت القصة بأن الأفواه التي كمت عن الكلام وعن تبليغ دين الله، وأولئك الذين خرجوا خارج البلاد، أولئك النفر الذين كانت تطاردهم أجهزة أمن قريش في شعاب مكة وأزقتها، هم الذين دقوا أعناق أكابر المجرمين في بدر وأحد والأحزاب، وغيرها من مواقف الإسلام الفاصلة، أولئك الذين هربوا خارج مكة، ليكونوا حزب المعارضة ضد قريش، ولاحقتهم السلطات القريشية، هم الذين فتحوا القرية - مكة - بعد ذلك، وأذلوا كبرياء المجرمين الأكابر فيها، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وصدق الله العظيم كذلك نفعل بالمجرمين قال الله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين فيا خسارة أولئك الأكابر، أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قومًا مجرمين كم هو جميل، لو خضع الأكابر لدين الله، كم هو جميل، لو تبنى الأكابر هم بأنفسهم دعوة الخير والإصلاح، فانتفعوا ونفعوا، يُبقي الله لهم سلطانهم وملكهم، هذا في الدنيا، وأما الآخرة فمما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأي غبن وأي غباوة من الأكابر أن يُهلكوا أنفسهم بأيديهم، يعارضون دين الله، ويتعرضون لأتباع دين الله، فتكون الخسارتين عليهم، في الدنيا بزوال سلطانهم، كما سردت لكم قصص وآيات الرسل، وأما في الآخرة فلعذاب الآخرة أشد وأبقى. وصدق الله العظيم: وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه. أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم...

أما بعد:

إن الآيات الواردة في فضح أعمال وأفعال المجرمين كثيرة في كتاب الله، ويصعب جدًا في هذا المقام القصير التفصيل. لكن أتابع وعلى عجالة. من أعمالهم وأفعالهم قول البارئ جل وتعالى: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وهكذا المجرمون يفعلون، الضحك على أهل الإيمان والسخرية بهم، وقد يسخر المجرمون وسائل إعلامهم لخدمة هذا الجانب، وقد خرج عدد من الأفلام في الغرب وفي الشرق، فيها الاستهزاء بدين الله علانية، والضحك والسخرية بأهل الإيمان، ولا تردد بأن صاحب هذا مرتد خارج من الملة، فليعرف بأنه لو رُأي أو سُمِع أو قُرأ شيء أقل مما ذكرت ، فقد لا يصل إلى الكفر، لكن ليُعلم بأن أصحابها أقل أحوالهم أنهم مجرمون.

ومما ذكر أيضًا في القرآن قوله تعالى: إلا أصحاب اليمين في جناتٍ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نكن نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين.

فهذه جملة أخرى من صفات المجرمين، لو رأينا شيئًا منها فلا نتردد بإطلاق الإجرام على أصحابها.

وأيضًا فإن الظلم والترف من صفات المجرمين قال الله تعالى: فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلًا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون.

فليتق الله كل من وجد في نفسه خصلة مما ذكرت، فليتق الله كل من به إجرام، فإن النهاية ليست هينة، فضيحة في الدنيا، وخزي وذل وصغار في الآخرة، هذا الذي ساقه إجرامه إلى إذلال أهل الإيمان، ستكون نهايته قول الله تعالى: سيصيب الذين أجرموا صغارٌ عند الله وعذاب شديد. ذلك المجرم الذي كان يحارب دين الله ويرفع رأسه على شريعة الله، ويشمخ برأسه على عباد الله الصالحين، ذلك الرأس سوف يُنكس يوم القيامة.اسمع إلى قول الحق في ذلك ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون. هل هذا فحسب، كلا، بل وترى المجرمين يومئذٍ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليّذكر أولوا الألباب.

أما عن حشر المجرمين فلا تسل، فإن الله تعالى يقول: ونحشر المجرمين يومئذٍ زُرقًا أي زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال فيا بؤس نهاية كل مجرم، ويا تعاسة خاتمة المجرمين حقًا لا بشرى يومئذً للمجرمين فأين يكون مستقرهم النهائي؟ وأين يحطون رحالهم، إنه في جهنم والعياذُ بالله قال الله تعالى: ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا وقال الله تعالى: إنه من يأت ربه مجرمًا فإن له جهنم لا يموتُ فيها ولا يحيى وقال الله تعالى: إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون.

فنسأل الله جل وتعالى...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت