الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة
فرج بن حسن البوسيفي
بنغازي
الأرقم بن أبي الأرقم
1-النصوص الواردة في الوصية بالجار والإحسان إليه. 2- من حقوق الجار. 3- أنواع الجيران. 4- من مظاهر أذية الجار.
قال الله عز وجل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء:36] .
النصوص الشرعية جاءت تحض على احترام الجوار ورعاية حق الجار بالتكرمة والاحترام وكفّ الأذى ودفع الضرر والبِشْر في الوجه والإهداء. فالجار ذو القربى هو الذي بينك وبينه قرابةٌ، والجار الجنب هو الذي لا قرابة بينك وبينه.
أما السنة فمنها قوله: (( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) )، وقوله: (( خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره ) )، وقوله: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ) )، وقوله: (( كم من جار متعلّق بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب، هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه ) )، وقيل للنبي: إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتصدق وتؤذي جيرانها بلسانها، فقال رسول الله: (( لا خير فيها، هي من أهل النار ) )، قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتصوم رمضان ولا تؤذي أحدًا، فقال رسول الله: (( هي من أهل الجنة ) )، وقال: (( يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ) )أي: ولو رِجل شاة، لا تحقرن أن تهدي إلى جارتها شيئًا، ولو أن تهدي لها ما لا يُنتفع به في الغالب؛ لتوادِد الجارة جارتها بهدية ولو حقرت، فيتساوى في ذلك الغني والفقير، وخص النهي بالنساء لأنهن موارد المودة والبغضاء، ولأنهن أسرع انفعالًا في كل منهما.
وشكا رجل إلى النبي جاره فقال: (( احمل متاعك فضعه على الطريق، فمن مر به يلعنه ) )، فجعل كل من يمر به يلعنه، فجاء إلى النبي فقال: ما لقيتُ من لعنة الناس؟! فقال: (( إن لعنة الله فوق لعنتهم ) )، وقال للذي شكا: (( كُفِيت ) )أو نحوه. وقال: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) )، وقال: (( إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، فمن أعطاه الإيمان فقد أحبه. والذي نفس محمد بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه ) )، وقال: (( لا يشبع الرجل دون جاره ) ).
قال رجل من الأنصار: خرجت من أهلي أريد النبي ، فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام، قال: (( أوقد رأيته؟ ) )قلت: نعم، قال: (( أتدري من هو؟ ) )قلت: لا، قال: (( ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) )، حتى ظننت أنه يشارك في المال بفرض سهم يعطاه مع الأقارب، وأن ينزل منزلة من يرث بالبر والصلة، والميراث المعنوي ميراث العلم، فإن حق الجار على الجار أن يعلمه ما يحتاج إليه.
وقال ابن عمر لغلامه: يا غلام، إذا سلخت الشاة فابدأ بجارنا اليهودي، حتى قال ذلك مرارًا، فقال له: كم تقول هذا؟! فقال: إن رسول الله لم يزل يوصينا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه. وأمر عبد الله بن عمرو لما ذبحت له شاة أن يهدي منها لجاره اليهودي.
وكان من دعاء رسول الله: (( اللهم إني أعوذ بك من جار سوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول ) ).
وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال له: إن لي جارًا يؤذيني ويشتمني ويضيق عليّ، فقال له ابن مسعود: (إن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه) .
فحقّ الجار غير الصالح إرادة الخير له وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية وترك الإضرار له إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفّه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضًا، ويستر عليه وينهاه برفق، فإن أفاد فبه، وإلا فيهجره قاصدًا تأديبه على ذلك، مع إعلامه بالسبب ليكفّ، وفي هذا المعنى قال ابن الوردي في لاميته:
دارِ جارَ الدار إن جار وإن لم تجد صبرًا فما أحلى النقل
قال ثوبان صاحب رسول الله: (ما من جار يظلم جاره ويقهره حتى يحمله ذلك على أن يخرج من منزله إلا هلك) . وهذا المعنى يظهر واضحًا جليًّا في قوله لأصحابه: (( ما تقولون في الزنا؟ ) )قالوا: حرّمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله: (( لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره ) )، وقال: (( ما تقولون في السرقة؟ ) )قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: (( لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره ) ).
وقال صلوات الله وسلامه عليه: (( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ) )، قيل: من يا رسول الله؟ قال: (( من لا يأمن جاره بوائقه ) )أي: شرّه والداهية والشيء المهلك والأمر الشديد الذي يوافى بغتة، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:32-34] ، أو يوبقهن: يهلكهن، وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [الكهف:52] موبقًا أي: مهلكًا.
(( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ) )، قيل: من يا رسول الله؟ قال: (( من لا يأمن جاره بوائقه ) ). فمن ينزل الهلاك والشرّ والشدة والمباغتة والمخاتلة في جاره فقد حكم عليه من لا ينطق عن الهوى بالنقص في إيمانه، ففي هذا الحديث تأكيد حق الجار؛ لقَسَمِه على ذلك, وتكريره اليمين ثلاث مرات, وفيه نفي الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو بالفعل, ومراده الإيمان الكامل، ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) )، وقوله: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ) )، واسم (الجار) جاء في هذا المقام يشمل المسلم وغير المسلم, والعابد والفاسق, والغريب والبلدي, والنافع والضار, والقريب والأجنبي, والأقرب دارًا والأبعد, وله مراتب بعضها أعلى من بعض؛ فجارٌ له حق, وهو الذمّي الأجنبي له حق الجوار.
إذا ما عملتِ الزاد فالتمسي له أكيلًا فإني لست آكله وحدي
كريمًا قصيًّا أو قريبًا فإنني أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
وكيف يشبع المرء زادًا وجاره خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخل يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا وما فيّ إلا تلك من شيمة العبد
ومن الجيران من له حقّان، وهو المسلم الأجنبي، له حق الجوار وحق الإسلام. وجارٌ له ثلاثة حقوق، وهو المسلم القريب، له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة.
وأولى الجوار بالرعاية من كان أقربهم بابًا، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: (( إلى أقربهما منك بابًا ) ). والحكمة في ذلك أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوّف لها، بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره.
متى نشأت ريحٌ لقدرك فابعثي لجارتك الدنيا قليلًا ولا تملي
فإن يسير الطعم يقضي مذمة ولا سيما للطفل أو ربّة الحمل
وليس من حقوق الجوار كف الأذى فقط, بل احتمال الأذى, بل لا بد من الرفق وإسداء الخير والمعروف، وأن يبدأ جاره بالسلام, ويعوده في المرض, ويعزّيه عند المصيبة, ويهنئه عند الفرح, ويشاركه السرور بالنعمة, ويتجاوز عن زلاته, ويغض بصره عن محارمه, ويحفظ عليه داره إن غاب, ويتلطّف بولده, ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه.
وإذا صعدت على سطح منزلك ورأيت عورة لجارك فحق الإسلام غض البصر، وحق الجوار عدم خيانة جارك، وهذا الحكم يدخل فيه الصعود إلى السطح أو النظر من النوافذ أو الشرفات أو النظر مما يسمّى بالمنور، ففيه النوافذ المطلة على أخيك المجاور، فمن الأدب والإسلام أن تستأذن قبل صعودك، كي لا تؤذي مسلمًا في بيته.
إذا شئت أن ترقى جدارك مرة لأمر فآذِن جار بيتك من قبل
ولا تفجأنْه بالطلوع فربما أصاب الفتى من هتك جارته خبل
جاء رجل فقام على النبي يستأذن مستقبل الباب، فقال له النبي: (( هكذا عنك ) )يعني نحّاه، وأمره بالتباعد قليلًا عن مواجهة فتحة الباب، ثم قال له: (( فإنما الاستئذان من أجل النظر ) ). وقال رسول الله: (( لا يحل لامرئ أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل ) )، أي: فإن نظر قبل أن يستأذن صار في حكم الداخل بلا استئذان، وهو محرّم عليه. وقال رسول الله: (( إذا دخل البصر فلا إذن له ) ).
قال عمر بن الخطاب: (من ملأ عينه من قاعة بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق) . واطلع رجل من ثقب أو خرق في حجرة النبي ، ومع النبي مدرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله قال: (( لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ) ).
من المظاهر غير اللائقة دينيًا وخلقيًا وذوقيًا واجتماعيًا أن تربي حيوانات وطيورًا بأنواعها المختلفة ضمن المسكن المشترك بينك وبين غيرك، حيث تتسلط على جيرانك الروائح الكريهة والحشرات والإزعاج.
ويدخل في الإزعاج ارتفاع صوت المذياع أو المرئية أو الموسيقى الصاخبة أو تشغيل الآلات الكهربائية المزعجة وقت الراحة والهدوء، كتشغيل المكنسة الكهربائية أو الغسالة أو استخدام المطرقة أو المثقاب (الترابنو) ، والأسوأ من ذلك أذية الجار بالكلام البذيء والسباب والشتم.
لقد رحل الحي المقيم وودعوا فتى لم يكن بإزائه من ينازله
ولم يك يخشى الجار منه إذا دنا أذاه ولا يخشى الحريمة سائله
فتى كان للمعروف يبسط كفه إذا قبضت كف البخيل ونائله
ليس من حسن الجوار ولا من اللائق أن يكون بين البيوت طاحونة أو ورشة حدادة أو ورشة طلاء سيارات أو محل موسيقى أو قهوة يجتمع فيها الرجال ويواجهون أبواب وشرفات ونوافذ البيوت.
من المظاهر السيئة عدم إصلاحك خزان مياهك فوق العمارة، مما يسبب أذى الجيران بالمياه، أو برمي الأوساخ من النوافذ وعلى شرف الجيران، وهذه الأخلاق مرفوضة من حيث الدين، ومن حيث الخلق، قال رسول الله: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ).
من المظاهر السيئة غلق الطريق المشاع بين جميع السكان والجيران بالسيارة وغيرها، أو توسيخ طريقه بماء الغسل أو المجاري.
ومن حسن الجوار أن يستشير ويعرض على جاره محله قبل بيعه، فجار الدار أحق بالدار، والجار أحق بصقبه.
فكم فيهم من سيد وابن سيد وفيّ بعقد الجار حين يفارقه
يكاد الغمام الغرّ يرعد أن يرى وجوه بني لأم وينهلّ بارقه
من حق الزوجة والأسرة أن يوفر وليهم لهم بيتًا بين جيران صالحين, تأمن فيه الزوجة على نفسها.
ناري ونار الجار واحدة وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضر جارًا لي أجاوره أن لا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي برزت حتى يغيّب جارتي الخدر
لم ترد.