الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
أسامة بن عبد الله خياط
مكة المكرمة
المسجد الحرام
1-علو الهمة دليل الرفعة والسمو. 2- صور للهمة الدنيئة. 3- صورة لعلو هم الصحابة. 4- فرق بين الحسد والغبطة.
أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله وراقبوه، واعلموا أنكم ملاقوه ؛ فيجزي كل نفس بما كسبت، يوم لا تظلم نفس شيئًا، إنما هي الأعمال، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8] .
أيها المسلمون:
إن طموح المرء إلى بلوغ الدرجات العلا وابتغاءه الفضائل، وسعيه إلى اكتساب المحامد، وتطلعه إلى الأفضل والأكمل والأمثل في حظوظ الدين والدنيا: برهان ساطع، ودليل واضح، وآية بينة على طيب جوهره، وكرم معدنه، وسلامة بنائه النفسي والعقلي، واستحقاقه الظفر بكل خير في العاجلة والعقبى، يرتفع بمقامه عن منازل ومسالك ساقطي الهمة، القاعدين عن طلب الخيرات، المحتضنين لرذيلة التواكل والكسل، المرتضين لأنفسهم بالعيش على هامش الحياة.
وعلى العكس من طموح أرباب الجد والمعالي: طموح فريق من الناس إلى ما لا يصح أن يطمح إليه الأريب، ولا يجوز أن تصبو إليه نفسه، أو يمتد إليه بصره، أو يتجه إليه سعيه، أو تنصرف إليه همته، كمثل من يطمح إلى اجتراح السيئات، واقتراف الخطايا ومواقعة المحرمات التي حرمها الله ورسوله ، وحذرا من استباحة حماها، والتردي في وهدتها، وكمثل من يطمح إلى ما في يد غيره مما حباه الله من فيض النعم، ووافر الخيرات فيتمنى زوالها عنه، وانتقالها إليه بغير جد ولا عمل، بل حسدًا وظلمًا وعدوانًا.
ولذا كان من رحمة الله بعباده وجميل إحسانه إليهم ما منّ به عليهم في هذا الدين من المناهج والشرائع التي أوضح بها معالم الطريق للسالكين، فوجه الأنظار إلى أقوم السبل، وأعدل الطرق، وبين لهم أكمل الخصال، وأرفع المثل؛ للتجافي عن هابط المنازع ووضيع المناحي وقبيح الخلال ؛ فنشر ألوية السلام الاجتماعي بين أفراد الأمة المسلمة بتهيئة الفرص لكل منهم مع النظر إلى التكوين والمواهب والقدرات التي يتفاوت فيها الناس وتتباين حظوظهم منها.
وبذا كان في مُكنة كل ذي عقل أن يستيقن أن في السعي إلى المطامح التي لا مشروعية لها إيذاءًا بالغًا للنفس، بتكدير صفو العيش وتنغيص متع الحياة وازدراء نعمة الله بالتنقص لها، وعدم الشكر لواهبها، ثم ما يتبع ذلك غالبًا من اصطلاء بسعير الصراع المدمر لكل المرتكزات والثوابت، الباعث على كل الشرور والبلايا.
وفي ذلك كله: من إضاعة العمر الشريف والزمان الغالي بالأماني والأحلام التي لا طائل من ورائها في ذلك ما لا يذهب عن أولي الألباب.
ولذا فإنه حين استشرف بعض النساء في عهد النبوة إلى الحظوة ببعض ما خص به الرجال فتمنين أن يكون لهن نصيب من الجهاد؛ لحفظ الذمار والذود عن الحق، ونشر الهدى وأن يكون لهن مثل ما للرجال من الميراث، وتمنى الرجال أن يفضلوا على النساء بحسناتهم كما فضلوا عليهن بالميراث، صرف سبحانه كلا الفريقين عن هذه الأماني إلى ما هو أنفع لهما، وذلك هو الكسب في المضمار الصالح الملائم لكل منهما في حدود ما اختص به، وجعل لهما نصيبهما من حسن الثواب، وحثهما على سؤاله سبحانه من واسع فضله، فإنه الكريم الوهاب، فقال سبحانه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ?للَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى? بَعْضٍ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ?كْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ?كْتَسَبْنَ وَ?سْأَلُواْ ?للَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ ?للَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمًا [النساء:32] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فيا عباد الله: لقد ظن فريق من الناس أن النهي الوارد في قوله سبحانه: وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ?للَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى? بَعْضٍ [النساء:32] . الآية ؛ معارض لما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل ) ).
والحق -يا عباد الله- أنه لا تعارض بينهما، فإن المراد بالحسد في الحديث: الغبطة، وتمني مثل ما للمنعم عليه، وذلك مباح لا حظر فيه، أما المنهي عنه في الآية فهو تمني نفس النعمة وانتقالها عن صاحبها وزوالها عنه، وذلك هو المحظور الذي حظرته الآية، فاتفقت بذلك الآية والحديث واجتمعا.
ألا فاتقوا الله - عباد الله- واحرصوا على الاستمساك بهدي الوحيين تكونوا من المفلحين.
وصلوا وسلموا على خير خلق الله محمد بن عبد الله فقد أمرتم بذلك في كتاب الله حيث قال سبحانه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .