فهرس الكتاب

الصفحة 2545 من 5777

من هم الأبرياء

العلم والدعوة والجهاد

القتال والجهاد

هيثم جواد الحداد

لندن

المنتدى الإسلامي

1-تبديل الحقائق وخداع المصطلحات. 2- واجب العلماء في بيان الحق وإزالة اللبس. 3- فساد وتحريف في معنى كلمتي الإرهاب والأبرياء. 4- مصادمة بعض المسلمين للنصوص في تعريف الأبرياء. 5- الأسباب الموجبة لإهدار دم المسلم وغير المسلم. 6- قتل الغرب واليهود للأبرياء في بلاد المسلمين.

عباد الله، إن المحنة التي تعيشها الأمة في هذه الأيام، ليست محنة مقتصرة على تلك الضربات العسكرية التي يلقيها جسد هذه الأمة في بقاع شتى من العالم، بل إنها تتجاوز ذلك لتشمل الهجمة العنيفة التي تشن علينا من كل جهة وناحية تجاه معالم ديننا، وحقائق شريعتنا.

هذه الهجمة الشرسة قد تكون أشد خطورة من الهجمة العسكرية حتى وإن ذهب ضحيتها أبرياء مسلمون.

غمرتها إحناءة الذل لما ركعت للهوى نفوس عباد

يا ركوع العبيد للصنم الصخر وشكوى العبيد للأسياد

وهوان الأكف، كانت عطاء ومضاء النفس ما رآه فؤادي

إن تحريف حقائق الدين، ومعانيه، أشد خطورة من كثير من الصراعات الدموية التي تجري في أنحاء كثيرة.

أمة الإسلام، إن وضوح الحقائق، وصحة المعاني في أذهان المسلمين، هو الحارس الأول لحمى الدين، وحمى الدم، وحمى العرض، وحمى كل شيء.

أما إذا أصاب هذه الحقائق وتلك المعاني شيء من التحريف والتبديل، فهو يؤذن بتقويض بنيان الدين، وهدم معالم الشريعة بحسب أهمية هذه الحقائق.

عباد الله، حينما بدل معنى الإيمان، وانقسم أهل البدع فيه إلى طائفتين، فطائفة قالت: إن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، ولا حاجة للأعمال، فتح على الأمة باب شر لم ينسد حتى الآن، فانسلخ الناس من الدين بالكلية، وترك الحكام الحكم بما أنزل الله، واستبدلوه بالقوانين الوضعية، وزعموا أنهم بذلك لا يخرجون من الدين، لأن الكفر لا يكون إلا عن اعتقاد, وكان هذًا مسوغًا للأمة أن توالي أعداء الله، وتترك الجهاد، وهكذا حتى أصبحت هذه الأمة في هذا الواقع المؤلم الذي نراه بأعيننا.

وفي المقابل، غلا فريق آخر، فجعل الإيمان حقيقة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، فمن ارتكب كبيرة من الكبائر، فقد نقض إيمانه كله، فيخرج من الملة، ويكون كافرًا مرتدًا حلال الدم، وهكذا استحلوا دماء المسلمين، بدءًا من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحتى زمننا هذا.

كل هذا كان نتاج لتبديل حقيقة الإيمان، وتحريف مدلوله الشرعي.

عباد الله، تبديل الحقائق، وتحريف المعاني مرض خبيث ينخر بنيان الأمة من داخلها، ويجر عليها الدمار الشامل، بل هو مقدمات لإراقة دمائها، واستحلال أعراضها.

ولهذا كان الذب عن عقيدة المسلمين، ورد الشبهات، وتعليم الناس الحق، من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، لا سيما إذا حرفت المعاني وبدلت الحقائق واختلط الحق بالباطل، وعلا صوت الباطل، واضمحل صوت الحق.

ولهذا قال النبي: (( يحمل هذا الدين من كل خلَف عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ) ).

وفي الصحيحين عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ َ يَقُولُ: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) ).

أيها الإخوة، وكلما كانت حقائق الدين ومعانيه واضحة في أذهان الناس، فإن اقترابهم منها في الواقع يكون أيسر، وأسرع، وكذا العكس، فكلما شابت الشوائب حقيقة الدين، كان الرجوع إليه أعسر وأشق، بل إن الأمة إذا حاولت الرجوع، فإنها ستضل الطريق ولن تعرف إلى ما ترجع.

ومن هذا يا عباد الله، كانت البدعة في الإجمال أخطر من المعصية، لأن العاصي يعلم أنه عاصي، ويرى الحق أمامه، فيحتاج إلى من يذكره للعودة له، أما المبتدع، فلا يرى الحق، إذا يرى أنه على الحق، فلن يترك ما عليه.

أمة الإسلام، وفي خضم هذه الأحداث، تعرضت بعض حقائق الشريعة والدينية لشيء من التبديل والتحريف، حتى أقحم في الدين ما ليس منه، ولويت أعناق بعض النصوص، واستبدلت بعض المصطلحات الشرعية، بعبارات تمت صياغتها من قبل أعداء الدين، من اليهود والنصارى، والمنافقين، والعلمانيين، وغيرهم.

تحدثنا في خطبة ماضية عن مدلول الإرهاب، وكيف أنه قومنا التقموا هذا الطعم، فأصبحوا ينددون بشيء اسمه الإرهاب، وما علموا أن هذا التنديد سينقلب عليهم يوما ما، وأن هذه الكلمة ستستخدم لإدانتهم، وفرض العقوبات عليهم، وها هي أمريكا تمارس أفظع الجرائم ضد شيوخ ركع، وأطفال رضع، ونساء ضعاف، دون أن يعتبره أولئك إرهابًا.

وفي هذه الخطبة نتناول معنى آخر كثر ترداده على الألسنة ألا وهو أن الإسلام يحرم قتل الأبرياء.

لقد استخدمت وسائل الإعلام العالمية كلمة أبرياء، ثم تلقفتها منهم وسائل إعلامنا الإسلامية، وبدؤوا بالتنظير لها، فقالوا: الإسلام يحرم قتل الأبرياء، ثم انطلت هذه الحيلة على كثير من الدعاة وطلبة العلم، فأخذوا في ترديد هذه الكلمة دون أن يعلموا ما هو المقصود بالكلمة، وماذا يريد بها واضعوها، وحشدوا جملة من النصوص التي تفيد بالعموم تحريم قتل النفس، مثل قول الله جل وعلا: مِنْ أَجْلِ ذ?لِكَ كَتَبْنَا عَلَى? بَنِى إِسْر?ءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ?لأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ?لنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَـ?هَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِ?لّبَيّنَـ?تِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مّنْهُمْ بَعْدَ ذ?لِكَ فِى ?لأرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة:32] .

وظن بعضهم اجتهادًا منه أنه يحسن للإسلام صنعًا، حيث يبين محاسن الدين، ويقربه للناس، ويجعله أكثر قبولًا لدى غير المسلمين.

ولم يعلم هؤلاء الناس أنهم يسيئون للإسلام صنعًا من نواح عدة، أما الأولى: فلتحريفهم حقائق الشريعة، ومعاني الدين.

وأما الثانية: فلأن هذا المعني سيستخدم ضدهم للحيلولة دون قيامهم بإظهار شعائر دينهم.

وأما الثالثة: فإن هذا المصطلح سيكون سلاحًا يشهره الأعداء في وجه المسلمين، لإخضاعهم وإذلالهم كلما أراد المسلمين النهوض من كبوتهم، واستعادة حقهم السليب.

أيها الإخوة، ماذا يقصد القوم بكلمة أبرياء، لم نجد في بياناتهم تعريفًا لهذه الكلمة، ولكن واقعهم يترجم هذه الكلمة بأن البريء هو الرجل النصراني، وفي أحسن الأحوال من لم يقاتل في ساحة المعركة، وهل القتال في ساحة المعركة هو الجرم الوحيد الذي يهدر دم الإنسان، كما جاء في الشريعة الإسلامية؟

وهنا سأمثل ببعض الأفعال التي تهدر دم صاحبها، حتى ولو لم يكن من المقاتلين في ساحة المعركة، وهو في عُرف هؤلاء يسمى بريئًا، لكننا قبل ذلك نقرر ونؤكد أن الأصل هو حرمة الدم، للمسلم، والكافر، وأن هذه الحرمة لا تزول بشك، ولا يزيلها إلا اليقين القاطع، كما ثبتت باليقين.

في الصحيحين عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ) ).

وقد سبق قول الله جل وعلا في النفس: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ?لأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ?لنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَـ?هَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] . الصنف الأول من تلك الأفعال التي تهدر دم صاحبها الجرائم التي جزاؤها القتل:

في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( َلَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ ) ).

وقال جل وعلا: إِنَّمَا جَزَاء ?لَّذِينَ يُحَارِبُونَ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ?لأرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـ?فٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ?لأرْضِ ذ?لِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ?لدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33] .

وتأسيسًا على ذلك يقال إن الأصل هو عصمة دم المسلم، وأن دم المسلم ـ في الجملة ـ لا يحل إلا بإحدى الحالات التالية:

1-القتل العمد العدوان.

2-الزنا بعد الإحصان.

3-الردة بعد الإيمان.

قال ابن حجر في فتح الباري:"وحكى ابن العربي عن بعض أشياخه أن أسباب القتل عشرة، قال ابن العربي ولا تخرج عن هذه الثلاثة بحال"ا.هـ كلامه.

ومن أسباب القتل العشرة التي قد ترجع إلى هذه الثلاثة، السحر، والحرابة، والبغي على الإمام العادل، وبكل حال فليس المقصود استقصاء أسباب القتل، وإنما المقصود أن موجبات إباحة الدم في الشريعة الإسلامية، غير موجبات إباحة الدم في الشرائع الوضعية، وأن ما يسمى في الأعراف الدولية"بريء"مثل التارك لدينه المفارق للجماعة، ومثل الزاني المحصن، إنما هو"مجرم مباح الدم"بالإجماع في شريعة رب الأرض والسماء.

وهذا يذكرنا عباد الله بقصص أولئك الذين يكتبون كتابات كفرية، لا تحتمل تأويلًا، تحكم بردتهم ومروقهم من الدين، إلا أكبر دليل على هذا التقرير، فالغرب سماهم أدباء مبدعين، فهم في قمة البراءة عنده، أما عندنا فهم مرتدون، دمهم حلال.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من...

الحمد لله وارث الأرض ومن عليها من الخلق، وباعث محمد رسوله بالهدي ودين الحق وصلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

عباد الله، وأما الصنف الثاني من الأفعال التي تهدر دم صاحبها فهو خاص بغير المسلمين:

ولتوضيح ذلك يقال إن غير المسلم، على ثلاثة أقسام:

كتابي كاليهود والنصارى، وغير كتابي، كالوثنيين، والهندوس.

فالذمي هو الكتابي الذي دخل في ذمة الدولة الإسلامية، ويدفع لها الجزية، فهذا الأصل أنه معصوم الدم ما قائمًا بالعهد الذي أخذ عليه، فإن نقضه أهدر دمه، وهذا بالإجماع، وإن كان هناك شيء من التفصيل.

ومن شواهده قصة تقتيل لبني قريظة لما خانوا الله ورسوله في غزوة الخندق، فقتل الرسول مقاتلتهم وسبى ذراريهم ونساءهم والقصة معروفة مشهورة.

ومن شواهده كذلك مَا رُوِيَ أَنَّه رُفِعَ إلَي عمر رَجُلٌ قَدْ أَرَادَ اسْتِكْرَاهَ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَا, فَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاكُمْ. وَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

وبهذا يعلم أن غير المسلم الكتابي يباح دمه إذا نقض العهد، وهذا يسمى في العرف الدولي بريء.

القسم الثاني من أقسام غير المسلمين، هو المحارب الذي يقاتل المسلمين في ساحة المعركة، فهذا لا ذمة له أصلًا.

القسم الثالث: المستأمن، وهو إما رسول دخل أرض الإسلام بعقد أمان، أو ما في حكمه، مثل أهل البلاد التي دخلها المسلم بعقد أمان.

هذا التقسيم تقسيم إجمالي، لا داعي للخوض في تفاصيله، إذ المقام لا يتسع لذلك. الصنف الثالث من الأفعال التي تبيح القتل لكنه يختلف عن النوعين السابقين بأن النوعين السابقين يهدران الدم، وهذا إنما أبيح القتل فيه ضرورة لا أصلًا، ودم صاحبه يبقى معصومًا.

هذا الصنف مذكور في ما أطلق عليه الفقهاء التترس، وفيه يجوز للمسلمين في ساحة القتال قتل جماعة الكفار المقاتلين إذا تترسوا بالمسلمين ولم يكن ثمة طريق للوصول لهم، إلا عن هذا الطريق، ولو أدى ذلك لقتل بعض المسلمين، فلو أدى ذلك لقتل بعض الكفار، كان جائزًا من باب أولى.

وبهذا يعلم أن هؤلاء وإن لم يكونوا من المقاتلة، فإنما جاز قتلهم تبعًا لا قصدًا، وهم لا شك حسب تعريف هؤلاء الذين مرقوا على دين الله، من الأبرياء.

أيها الإخوة، لقد قدمت لكم أن القوي هو الذي يملي الآراء، ويعرف المصطلحات ويسن القوانين، وأن الضعفاء لا يملكون إلا الانصياع والاستجابة.

هذه الولايات المتحدة تطبق في الحرب صنوفًا من القتال يقتل فيها أكثر مما يقتل بمبدأ الترس، ومع ذلك فلا تخجل ولا تواري، ها هي في أفغانستان تعترف بأن المعركة قد يسقط فيها مدنيون، لكنها تقول نحاول تقليل قتل المدنين قدر ما نستطيع، وذكرنا لكم من قبل ما قالته وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت حينما سألت عن المليون عراقي الذين قتلوا في العراق بسبب الضربات الأمريكية، قالت إنه شيء مؤسف لكن الثمن يستحق ذلك.

أيها الإخوة، نحن وإن كنا نقول: إن شريعتنا جاءت بمبدأ قتل الترس إلا أنها وضعت من القيود والضوابط ما يجعله في أضيق الحدود، فقد عبر بعض العلماء حينما ذكروا جواز هذه المسألة بقولهم إذا كانت المصلحة ضرورية، كلية قاطعة، فمعنى كونها ضرورية أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار، إلا بقتل الترس.

ومعنى أنها كلية قطعية أنها قاطعة لكل الأمة، (أي لعمومها، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، ومعنى كونها قطعية أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعًا، قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها.) أيها الإخوة، وهناك أصناف أخرى تجعل إطلاق عبارة الإسلام يحرم قتل الأبرياء، وتعميمها غير صحيحة، كمثل قتل المشركين عند تبييتهم، وكذا إجازة الانتقام ممن اعتدى ونقض المواثيق ?لشَّهْرُ ?لْحَرَامُ بِ?لشَّهْرِ ?لْحَرَامِ وَ?لْحُرُمَـ?تُ قِصَاصٌ فَمَنِ ?عْتَدَى? عَلَيْكُمْ فَ?عْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ?عْتَدَى? عَلَيْكُمْ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لْمُتَّقِينَ [البقرة:194] . وللتنبيه فلا يسوغ لأحد أن يقدم على شيء من هذا إلا بعد دراسة شرعية متأنية، متأملة، ونظر عميق، جامع بين فقه الواقع، وفقه المسألة، معتبرًا مقاصد الشريعة، ومبدأ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وغيرها من القواعد الشرعية.

عباد الله، نعود فنقول: إننا ونحن نقول ذلك فإننا نقرره من باب أن يبقى حمى الدين سليمًا، ومعالمه واضحة، وأن لا يدخل عليه الدخن والغبش، وإن كنا نرى أحيانًا أن تطبيق بعض الأحكام قد يتعذر في الواقع، إما لإشكالات كثيرة تحيط بالمسألة، وإما لأعذار تحتف بالفاعل، تدرء عنه العقاب، ومن المستقر في شريعتنا على وجه الإجمال أن الشبهة تدرأ الحد، كما أنه مستقر في قضائنا أن يخطأ الإنسان في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة، وكذا مما قد يعيق تطبيق بعض الإحكام في الواقع، المفسدة المترتبة على تنفيذها، فالحدود لا تقام في أرض الحرب خشية أن يلحق من وقع عليه الحد بالكفار، أو حتى لا يحدث ما يشق صف الجيش.

عباد الله، أما إذا سُئلنا، هل الإسلام يبيح قتل الأبرياء، ولم يقتل المسلمون الأبرياء، فمحاجة لهؤلاء نقول: لا بد من تعريف الأبرياء قبل أن نتكلم عن هذا الحكم، فإن قيل هم الذين لم يقاتلون، نقول فشعب أفغانستان الذي تسفك دمه أمريكا من الأبرياء، وعليه فإن فعل أمريكا فعل إجرامي.

فإن قالوا: ولكنه رد فعل وانتقام لجريمة ارتكبت ضدهم، فنقول: ومعنى هذا أنكم أجزتم قتل الأبرياء في بعض الحالات، هذا أولًا، وثانيًا قد أجزتم الانتقام، فلم تجيزون لأنفسكم ذلك وتحرمونه على غيركم.

وكم حافر حفرة لامرئ سيصرعه البغي فيما احتفر

وما يطِل عمر المظالم في الورى فأطول أعمار المظالم أقصر

ستبقى البرايا بين غاد ورائح تئن من البلوى وأخرى تزمجر

لم لا نقول بمنطقكم إن هذا الفعل الذي ارتكب ضدكم هو كذلك انتقام منكم لما فعلتموه بغيركم في فلسطين، وأفغانستان، والسودان, ومن قبل فيتنام، واليابان، وغيرها، ومن تسمونهم أبرياء في بلدكم، كذلك هم في بلادهم.

أمة الإسلام، إن تقرير حقائق الدين، وتوضيح معالمه، ضروري حتى ولو لم يكن لدينا المقدرة على تطبيق هذه المعالم في الواقع، فقد يأتي الله بقوم من أظهرنا أقدر منا على تطبيق هذه الشعائر.

أما إذا بدلناها، حرفناها عن مواضعها الشرعية، فكأننا بعد أن عجزنا عن المضي في الطريق، نوصد الأبواب في وجه الأجيال المستقبل عن الوصول إلى الهدف المنشود.

إن خير مثال على ما نحن فيه، الصلح مع يهود، فإننا إذا أقررنا لهم بشرعية وجودهم على أرض فلسطين، فإننا نعطي صك ملكية الأرض ونوصد أبواب المطالبة بها أمام أجيالنا في المستقبل، أما إذا قلنا للناس: نحن عاجزون عن استرجاع أرض الإسراء في هذه الأوقات، لكن هذا لا يعني أننا سنقر بها لأحفاد القردة والخنازير، فستظل الأجيال من بعدنا تترقب ليوم تحرير الأرض، وإرجاع الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت