فهرس الكتاب

الصفحة 5135 من 5777

احتفالات الألفية

أديان وفرق ومذاهب, العلم والدعوة والجهاد, قضايا في الاعتقاد

أديان, البدع والمحدثات, المسلمون في العالم

صالح بن عبد الله الهذلول

غير محدد

غير محدد

1-دين عيسى ابن مريم عليه السلام هو التوحيد. 2- سبب تحريف دين النصارى. 3- السر في الدعم الغربي لليهود. 4- سبب الاحتفال بالألفية الثالثة. 5- الآثار المترتبة على هذه الاحتفالات. 6- حكم الاحتفال بالألفية. 7- أسباب لصدّ تلك الهجمة أو تعويقها.

أما بعد: فإنه نظرًا للجدل الدائر حول الألفية وحلول عام 2000 لميلاد عيسى ابن مريم عليه السلام وتأثر كثير من المسلمين بهذا الحدث تأثرًا ساقهم ليظهروا فرحتهم به وتبادل التهاني بينهم أو مع النصارى وبروز مظاهر عدة ترجمت هذا التفاعل، مما يعكس صورة قاتمة لقطاع كبير من المسلمين، ولأن الأمر يمس العقيدة آثرت أن تكون خطبة هذه الجمعة عن هذا الموضوع.

أيها المسلمون، الأصل في دين عيسى ابن مريم عليه السلام هو التوحيد وهو الإسلام، وأن لا إله بحقّ إلا الله وحده سبحانه، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: 116-118] ، وقال جل شأنه بعد سرد قصة ولادته في سورة مريم، قال: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [مريم: 34-36] ، وقال جل ذكره مخاطبًا نبيه محمدًا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] .

وعيسى عليه الصلاة والسلام من أولئك المرسلين عليهم الصلاة والسلام، بل لا تزال نصوص إلى الآن في الإنجيل المحرف الذي يتداوله النصارى اليوم تثبت ألوهية الله سبحانه وبشرية المسيح، وتنكر ألوهية عيسى ابن مريم عليه السلام.

غير أن أحد اليهود اعتنق النصرانية بعد رفع المسيح ابن مريم، واستطاع أن يغير اتجاه هذه الديانة ويسير بها إلى التثليث بدلًا من التوحيد، واستطاع بحيله ومكره معززًا بغباء النصارى أن يُدخل نصوصًا محرفة في الإنجيل تثبت ألوهية المسيح.

ثم تداول النصارى بعده أناجيل عدة، فيها الصحيح وفيها السقيم من ناحية انقطاع السند ونكارة اللفظ أو كليهما، كما وجد تعارض بينهما في بعض المسائل، وإلى الآن هي بين أيديهم أربعة أناجيل، بينما الذي نزل على عيسى ابن مريم إنجيل واحد، فاعجب لضلالهم وخفة عقولهم.

أيها المسلمون، وظل العبث اليهودي في الديانة النصرانية يواصل مسيرته طيلة القرون الماضية بعد أن نفذ إلى أخطر موقع، وهو التحريف للإنجيل، حتى إن أحد علماء النصارى من شدة تأثره باليهودية ألف كتابًا قبل خمسمائة سنة من الآن سماه:"عيسى ولد يهوديًا".

واستمر هذا العبث يمضي بمكر ودراسة وتخطيط، حتى تشكلت لدى قطاع كبير من النصارى قناعات بوجوب النظر إلى اليهود، وأنهم شعب مميز، بل هم شعب الله المختار! وأن هناك ميثاقا وعهدا بينهم وبين الله تعالى بوجوب عودتهم إلى فلسطين وتجمعهم فيها، وأن المسيح لا ينزل حتى تتمّ عودة اليهود إلى أرض الميعاد (فلسطين) ، وتشبعت أذهان النصارى بهذه العقيدة أكثر من اليهود أنفسهم، فسعوا جادين منذ ثلاثة قرون لتوطين اليهود في فلسطين، ولعل هذا هو السر في الدعم الغربي لليهود، وإذ يرون إعادة اليهود إلى الأرض المقدسة أمرا ليس لهم خيار فيه، فليس هي إذًا نظرة عاطفية، أو موقف سياسي أملته ظروف مرحلية، أو مصلحة دعت إليها الحاجة، بل جاء ذلك من عقيدة راسخة لا تقبل التبديل ولا التغيير.

هذه العقيدة عند النصارى تأكدت بعد احتلال اليهود لفلسطين قبل خمسين عامًا من الآن، وبدأ ينمو في حسهم الشعور بأن عودة المسيح بدأت تقترب، ولما احتلوا القدس قبل ثلاثين عامًا من الآن تأكد ذلك أكثر، وخاصة أن الألفية الثانية لميلاد المسيح ابن مريم قربت من نهايتها.

غير أنه بقي شيئان في نظر النصارى لا بد من تمامهما قبل عودة المسيح:

الأول: بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى، وقد وضع اليهود خريطة الهيكل الجديد، فيما تواصل حفرياتهم تحت المسجد الأقصى بحجة البحث عن آثار يهودية مطمورة، وفي الوقت نفسه يتم إعداد وتدريب كهان الهيكل في معهد خاص بالقدس، أما الأموال اللازمة لذلك فقد جُمع معظمها، وأودع في حساب خاص باسم مشروع بناء الهيكل.

الثاني: وبعد اكتمال المشروع السابق (بناء الهيكل) ستقع معركة عظيمة وتكون حاسمة، وقد ورد اسمها في كتابهم المقدس والمحرف، هذه المعركة كما يقول عنها علماؤهم المعاصرون أنها نووية وتقع في فلسطين، وأن قوات الكفار من المسلمين والملحدين سوف تدمر فيها، إلى أن يظهر المسيح فوق المعركة، ويعلن نهايتها ثم يحكم العالم مدة ألف عام حتى تقوم الساعة.

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأشهد أن لا إله إلا الله المتعالي بأوصافه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وصلى الله على عبده ورسوله أفضل الخلق وخاتم الرسل، من لقي الله تعالى لا يؤمن به لقيه على غير دين الإسلام، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85] ، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: أيها المسلمون، فلعله من خلال العرض السابق يتضح لنا الامتزاج بين العقيدتين: النصرانية واليهودية، وهذا حصل بفعل اليهود حتى يسخروا النصارى لأغراضهم وخدمتهم، وذلك لم يحصل إلا بعد جهد شاق استغرق وقتًا طويلًا واستمر قرونًا، حصل ذلك مع أن النصارى يرون أن الذي يقف وراء صلب المسيح ـ كما يعتقدون ـ هم اليهود، وهذا سبب العداء التاريخي الشديد بين أهل الملتين، استطاع اليهود عبر القرون الماضية تذويب ثلجه، حتى استصدروا صكًا من النصارى بتبرئة اليهود من دم المسيح، وذلك لأجل أن يقف الفريقان في خندق واحد ضدًا وخصمًا أمام عدوهم المشترك المسلمون؛ ولذلك فهم يحتفلون هذه الأيام بكل الإنجازات الماضي ذكرها، والتي احتاجت منهم إلى جهد وعنت شديد، واستغرقت وقتًا طويلًا، وكلفتهم باهظ الأثمان.

نعم إنهم يحتفلون، ولكن بتاريخهم، ويحيون ذكرى انتصاراتهم، وما انتصروا إلا علينا، ويعددون مآثرهم وصور تقدمهم، وقد مرت عجلاته فوق رؤوسنا.

فقد بدأ القرن الميلادي الذي يحتفلون في نهايته، بدأ بسقوط الخلافة الإسلامية، وتقسيم العالم الإسلامي إلى مستعمرات، وانتصف باغتصاب فلسطين وإحياء القوميات الجاهلية على أنقاض الوحدة الإسلامية، ثم ينتهي الآن بمذابح المسلمين في كشمير والفلبين وأفغانستان ولبنان والشيشان والصومال وغيرها.

لقد أعلن من يسمونه الحبر الأعظم بابا الفاتكان قبل أربعة أيام عن فتح باب الجنة، إيذانًا بانطلاقة الألفية الثالثة؛ مما يعطي هذه الاحتفالات اعتبارًا دينيًا، فليست مواقع القرار السياسي هي التي تحدد أو تعلن وقته، وإنما يتم ذلك من الكنيسة، وعلى لسان البابا.

إذًا عمّاذا تتحدث وسائل الإعلام في الدول الإسلامية؟! وبماذا تحتفل وزارة السياحة في إحدى أكبر الدول الإسلامية احتفالًا تزيد تكلفته على خمسين مليون جنيه، ويشترك فيه أكثر من ألف فنان من جميع أنحاء العالم، ويتخلل الاحتفال عروض مسرحية يقوم فيها ألف راقص؟! كل هذا سيجري في غضون هذه الأيام والذي يوافق العشر الأواخر من رمضان المبارك. والشيء المضحك المبكي أن قائد تلك العروض الموسيقية والمسرحية في الدولة المشار إليها رجل فرنسي طمأن المسلمين بأنه سوف يراعي في الاحتفال الاعتبارات الخاصة بشهر رمضان. أمَا علم أولئك المغفلون أو المتغافلون أن دور أمتهم في تلك الانتصارات هو دور المغلوب والمهزوم؟! فبماذا يحتفلون إذًا؟! هذا فضلًا عن أن الاحتفال بهذا التاريخ من أساسه مرفوض في ديننا وعقيدتنا.

أيها المسلمون، الدول النصرانية الكبرى تتنافس في الاستعداد لإحياء ليلة لا تتكرر في ألف عام إلا مرة واحدة، فتنفق المليارات وتهدر الأوقات في تحصيل وتحقيق أهداف يستحي السفهاء من السعي إليها، ناهيك عن العقلاء، وإلا فماذا يعني أن تنظّم البرامج السياحية التي تنقل سائحي الطرف الشرقي من الكرة الأرضية إلى الطرف الغربي والعكس، سعيًا في أن يقضي السائح ساعات الاحتفال في أفضل وأجمل بقعة، وغير هذا كثير من صور الهوس الذي يموج في ورش الاستعداد للاحتفالات.

إن هناك مخططات بعيدة المدى تم إعدادها، وهي تنفذ الآن تحت مظلة الاحتفالات بقدوم الألفية الثالثة، أقل ما توصف به هذه المؤامرة هو أنها أكبر حملة تنصيرية تغزو بلاد المسلمين، بعد أن أخفقت الحروب الصليبية الأولى والمعاصرة، وبعد أن أضحى احتمال عودة المسيح ونزوله الآن ضعيفًا؛ لأنه لم يصل بعد في الموعد المنتظر، فاستبدلوا قدومه الحسي بقدوم دينه والتبشير به في العالم كله، ونشر مبادئه التي يرونها، واعتناق أكبر عدد ممكن للنصرانية، كما استبدل اليهود احتلالهم لما بين الفرات والنيل حسيًا بأن يكون ذلك معنويًا؛ وذلك بنشر الثقافة اليهودية هناك، وأن لا يفعل إلا ما يريدون، وكل ما يعارض أو من يعارض مصالحهم ومشاريعهم يجب الإطاحة به؛ لأن الحسابات التي يعدونها في رأس هذا القرن الميلادي لم يقدر لها النجاح المطلوب، ولذا فإن ما يفعله أهل الديانتين هو خطوة مرحلية تمليها الظروف غير المواتية لهم الآن، ومتى ما سنحت لهم الفرصة قفزوا إلى مآربهم.

إن ملايين النصارى الذين سيتدفقون على دوَل الشام وخاصة الأردن وفلسطين تحت مظلة الاحتفال بالألفية، إن تلك الجموع تحمل معها حملات تنصيرية، إضافة إلى أنها تظاهرة لاستعراض القوة والكثرة العددية، والتفوق في كل شيء، وتوسيع الوجود المسيحي هناك، فقد اعتمد الفاتيكان قبل عدة أشهر خمسة مواقع مسيحية جديدة في الأردن، يستطيع المسيحيون من جميع أنحاء العالم زيارتها باستمرار، وهذا يجعلنا ندق ناقوس الخطر خوفًا من احتمال الدعوة إلى أرض ميعاد جديدة للمسيحيين، فلديهم شوق ممِضّ أن يروا بلاد الشام ترفع الصليب في كل مواقعها؛ لأن سنابك خيل المسلمين في معركة اليرموك التي قادها أصحاب رسول الله وسقط فيها من نصارى الروم والعرب عشرات الآلاف من القتلى لا يزال صداها يرن في آذانهم ويتردد.

أيها المسلمون، لو كانت تلك الاحتفالات مجرد صخب سياحي أو ضجيج إعلامي أو لغط سياسي حول عدد من القضايا لهان الأمر، ولكن الظاهر أن تفاعلات الاحتفال لن يجري تمريرها دون توظيفها في تدشين هجمة تبشيرية نصرانية واسعة النطاق، تهدف إلى غرس أشواك شجرة الميلاد الألفي الشركية في قلوب الملايين من البشر التائهين، لإلحاقهم بركب المغضوب عليهم أو الضالين.

إنهم لا يحتفلون بميلاد عيسى ابن مريم على أنه رسول من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، مع أن إقامة الموالد جملة وتفصيلًا بدعة ضلالة يأثم المسلم على فعلها، إنهم لا يحتفلون على أن عيسى رسول، بل يحتفلون بعيسى الإله أو ابن الإله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، كبيرٌ على مسلم موحّد أن يحتفل أو يتفاعل مع احتفالات يُدَّعى أنها احتفالات ميلاد الرب، قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: 17] ، وقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: 73] .

وتعني احتفالاتهم أن الإسلام ليس دين الحق؛ لأنه لو كان كذلك لحكم المسيح الآتي بشريعته، كما تعني أن القرآن ليس مهيمنًا على ما سبق من الكتب السماوية.

وقد يعترض أناس ويقولون: إن هذه عقائد خاصة بهم، ونحن لا نؤمن بها، ونعرف قبل الألفية وبعدها أنهم كفار. وهنا نبادر هؤلاء المعترضين قائلين: إذن فلندَع لهم احتفالاتِهم، كما تركنا لهم عقائدهم، وإلا فنحن مشاركون لهم لا محالة في ترسيخها بتعظيمها أو الاحتفال بها.

أو يعترض آخرون قائلين: تلك الاحتفالات تجري خارج المملكة فشرها بعيد عنا. لكنا نقول: القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت لا تعترف بالحدود الجغرافية، فكثير من أبنائكم يرونها وأنتم نائمون، ولعل قطاعًا كبيرًا منهم يتابعونها فينبهرون ببهرجة ما يعرض وأنتم ضحى تلعبون، فلزم التنبيه.

عباد الله، أيها الشباب خاصة، الجدير بالمسلم المتأثر بتلك الاحتفالات أن يتبرأ منها كما تبرأ المسيح منها ومن أمثالها إذ أعلن ذلك، كما جاء في القرآن قول الله تعالى: وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: 72] .

أيها المسلمون، ماذا نقول للتحذير من خطر الاحتفالات بالألفية؟

علينا أولًا أن نَعِيَ أنها تبشيرية في المقام الأول؛ ولذا فمن الطبيعي أن تُسخَّر لها الآلة الإعلامية الضخمة في دول الغرب، وهم هناك إذا أرادوا إلقاء الأضواء على قضية ما أبرزوها حتى ليخيل إلى الناظر إليها أنها من سحرهم تسعى، وكثير من شباب المسلمين اليوم يعكفون خلف الشاشات المرئية قنوات فضائية أو إنترنت، وهي موكلة بنفث السموم.

ومن أجل صد تلك الهجمة أو تعويقها علينا:

أولًا: التحذير من الانبهار ببهرج الألفية التي قد تخطف أبصار وقلوب ضعفاء الإيمان، ولنركز على روح الاستعلاء على الشرك ومظاهره الخادعة، اهتداء بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [الأنفال: 36، 37] .

ثانيًا: إبراز النظرة الإسلامية لعيسى عليه السلام، وهي النظرة الوسط بين غلو النصارى الذين يؤلهونه، ونظرة اليهود الذين يجافونه، ويعدونه ابن بغيٍ، ويصفونه بأقبح وأشنع الأوصاف، قال الله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَانظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة: 75] .

ثالثًا: أن نعتز بتوحيدنا، ونعتد بشريعتنا، ونفتخر بهويتنا الإسلامية، بما فيها الأعياد والعادات والتقاليد المستمدة منها، ونحن نملك حضارة التوحيد القائمة على القيم النبيلة والاحترام الحقيقي لحقوق الناس كلهم والمتميزة بالصبغة التي أرادها الله، صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة: 138] .

إن حضارة الغرب قائمة على: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم: 7] . إن الهزيمة النفسية التي ترى في مظاهر الشرك والعصيان تقدمًا وحضارة وتخجل من قيم الإيمان والتوحيد هي شخصية ضائعة، ليس لها مكان ولا في الهامش.

وأخيرًا: لنحذر ونُحذِّر من الدعوى التي يطرحها أهل الكتاب بأسلوب أو بآخر، من أن الزمان أصبح زمانهم، والمستقبل مستقبلهم، وأن الله يؤيدهم بالانتصارات والمعجزات والكرامات وخوارق العادات، فهذا كله من كيد الشيطان، إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 175] . ولنفضح الخلفيات الدينية والخرافية القابعة وراء مشاريع أهل الكتاب الإجرامية في مناطق المسلمين، ولنثق أنهم يكيدون بكيد الشيطان، وكيد الشيطان ضعيف.

ومن مظاهر ذلك أنه في ظروف احتفالاتهم هذه تهبّ الآن على بعض دول أوربا رياح وعواصف عاتية، ففي جنوب فرنسا وحدها خلّفت مئات الجرحى وعشرات القتلى، وهرب الكثيرون من منازلهم خوفًا من سقوطها حيث تصدع كثير منها، بل هدم البعض، وأصبحت بلا ماء ولا كهرباء، حتى استنفروا 3200 عاملًا للطوارئ يعملون فقط على إعادة تيار الكهرباء، وقدرت الخسائر المادية في فرنسا فقط بمليارات الدولارات، وفي أمريكا أصيبت السلطات هناك بأشبه ما يكون بحالة هستيريا، تخوفًا من هجمات إرهابية تستهدف موقع الاحتفالات والتجمعات، وانعكس ذلك الشعور والاهتمام على الناس هناك، حيث تهافتوا على اقتناء الأسلحة استعدادً للدفاع عن أنفسهم من هجمات إرهابية.

وختامًا نقول:

والليالي من الأيام حبالَى مثقلات يلِدن كلَّ جديد

اللهم احفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت