فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 5777

الاعتذار والأعذار

الرقاق والأخلاق والآداب

التوبة

عاصم بن لقمان يونس الحكيم

جدة

جامع جعفر الطيار

1-وصية الرسول بترك لك فعل تضطر إلى الاعتذار منه

2-دعوة للمبادرة إلى التوبة والاستغفار إذ لا مجال للاعتذار يوم القيامة

3-اعتذار الكافرين يوم القيامة بالقدر

4-القدر يستدل به على المصائب لا المعايب

5-من الأعذار السخيفة: المراهقة

6-حال مراهقي السلف في عبادة الله تعالى

عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إياك وكل ما يُعتذر منه ) )، في هذا الحديث الكريم عباد الله، يبين لنا فيه نبينا صلى الله عليه وسلم أن على المسلم أن يتجنب فعل الأمور التي يحتاج إلى الاعتذار بعد فعلها، وهي الأمور السيئة التي تجلب على صاحبها الذم، لأن الأمور الحسنة والأفعال الطيبة، لا يحتاج فاعلها إلى الاعتذار منها، وهذا فيه صيانة لدين الإنسان وحفظا لماء وجهه، فالذي يقترض مالا على سبيل المثال، ثم يعتذر لتأخره عن سداد ذلك المال، أولى في حقه أن لا يقترض، لكي لا يحتاج إلى الاعتذار، ولا يفهم عباد الله من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا عن الاعتذار مطلقا، فإن الاعتذار عن الخطأ مشروع، وأمر محمود، ولكن المذموم هو أن ترتكب ما تحتاج معه إلى الاعتذار عنه، وكل من يُخطأ فله عذر، ولكن من الأعذار ما يكون مقبولا ومنها ما لا يُقبل، فالأعذار التي يأتي بها الظالمون يوم القيامة لا تنفعهم، قال تعالى: يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ، ولقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن كل بني آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون، وهذا يستلزم أن من أخطأ أو أذنب، فعليه أن يبادر إلى التوبة والاستغفار، فإن كان لآدمي عنده حق أو مظلمة، وجب عليه أن يتحلل منه في الدنيا قبل الآخرة، إذ لا درهم ولا دينار يومئذ، إنما هي الحسنات والسيئات، ونحن اليوم نرى أن إبليس قد زين للناس أعمالهم، فأصبح أكثرهم يعصون الله، والأخطر من ذلك أنهم أصبحوا يلتمسوا المبررات والأعذار لأفعالهم، لكي تكتسب نوعا من الشرعية، وليكفوا بذلك عنهم انتقادات الناقدين، فمن المبررات والأعذار، احتجاجهم بالقدر، فإذا نصحت أحدهم وزجرته عن معصيته قال لك: إن الله قدر علي ذلك، وهذا نظير قول الله تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤُنا ولا حرمنا من شيء ، وهذه هي حجة إبليس وفرعون وأبي جهل، وهي حجة واهية ساقطة، إذ أن الاحتجاج بالقدر لا يجوز إلا على المصائب، كأن يتعزى المسلم بعد المصيبة بالقدر، فيقول من أصابته مصيبة، كسرقة مال أو موت حبيب: قدر الله وما شاء فعل، فيسلي نفسه ويعزيها، فهذا أمر جائز ومطلوب، لأنه إيمان بالقدر، أما الأمر المحرم فهو الاحتجاج بالقدر على المعايب، فلا يجوز ولا يُقبل من إنسان أن يسرق أو يزني ثم يقول مبررا فعله: إن الله قدر علي ذلك، لأنك أنت الذي فعلت واخترت، وأنت لا تعلم أصلا ما قدره الله عليك قبل فعلك، فالاعتذار بالقدر غير مقبول، كما لو أن رجلا سرق مالك أو آذى أهلك فأمسكت به، فاعتذر لك بأن الله قدر عليه ذلك، لم تكن أنت لتقبل عذره، ومن الأعذار الغير مقبولة ما قاله المشركون أيضا من قبل: وكذلك ما أرسلنا من قبلك من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون ، فكثير من المسلمين اليوم يبررون واقعهم المخالف بأن ذلك هو تراث الآباء والأجداد، وتلك هي العادات والتقاليد، ولا يأبهون لمخالفة تلك الموروثات دين الله تعالى، ولا يبالون إن كانت تُسخطه أو تُغضبه، كما يقول تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آبائنا ، وقلما تجد من يعرض أمور حياته على شرع الله، فيقر ما أقره الشرع، وينتهي عما نهى عنه الشرع، وما ذلك إلا لأن إسلام أكثرِنا إسلام وراثي، عن تقليد وإتباع، لا عن إيمان وتصديق، وأحوالنا للأسف أكبر دليل على ذلك، أقول قولي واستغفر الله.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، من المبررات والأعذار التي يكثر تداولها بين المسلمين اليوم، العذر بالمراهقة، فكثير ما يُعتذر لتقصير في الواجبات والفروض، كالصلاة والصوم، أو يُعتذر عن المخالفات الشرعية بحجة أن فاعلها مراهق، وأن السن التي يمر بها حرجة، فإن أنت نصحت أبًا في ابنه، أجابك بأنه لا يزال مراهقا، والله تعالى سوف يهديه كما هدى غيره، فتجد الأب يغض الطرف عن عدم حضور ابنه الصلاة مع الجماعة، وعن نزواته المحرمة، وأذيته للبلاد والعباد، بل ربما سهل الأب لابنه السفر إلى الخارج، وسهل له سبل المعصية، لأن الكبت بزعمه في هذه السن له أثر سلبي، والمشكلة أن سن المراهقة قد يمتد إلى العشرين والثلاثين وربما الأربعين، كأن القلم لا يزال عنه مرفوعا، بل إن من الآباء من لا يزال مراهقا في تصرفاته، ينتظر هداية الله أن تحل عليه قبل الموت، والاعتذار بالمراهقة دليل على خلل في العقل وضعف في الدين، لأننا نقرأ تاريخ السابقين من صحابة وتابعين، فما نجد أثرا في دين الله لتلك الكلمة، إذ أن الطفل إذا بلغ أصبح مكلفا، يعاقب ويثاب على أفعاله، بل إن من الصحابة من كان في الخامسة عشر ومع ذلك يجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن رد النبي أحدًا أو استصغره انخرط في البكاء كالأطفال، فأي مراهقة مر بها هؤلاء؟ أضف إلى ذلك أننا نرى أن الغالبية، وليس الكل، الغالبية من طلاب حلق تحفيظ القرآن، قد هذب القرآن أخلاقهم، فما ترى منهم ما تراه من غيرهم من الأطفال أو الشباب، فالخلل ليس في سن المراهقة، بل هو في الترف والبذخ وسوء التربية، لأنك أنت الذي وفرت لابنك وسائل البعد عن الله تعالى، في البيت وخارجه، وأنت الذي لم تعوده على الصلاة في المسجد، وأنت الذي غضضت الطرف عن معاصيه وذنوبه، فلا تعتذر بعذر المراهقة، فإنه لا ينفعك عند الله، كما أن الاعتذار بالقدر أو بما كان عليه الآباء والأجداد لا ينفع عند الله، يقول الله عز وجل: بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ، فاتقوا الله عباد الله، وإياكم وكل أمر يُعتذر منه، فإن فعلت أمرا يُعتذر منه، فبادر بالتوبة والاستغفار، والاعتراف والإقرار، كما جاء في حديث سيد الاستغفار قول العبد، وأبوء بذنبي، أي أعترف به كما أعترف بنعمتك علي، وإياكم والتكبر على الناصحين، أو أن تأخذكم العزة بالإثم، فإن الجنة لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت