الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر
محمد النمر
الطائف
الهويش
-حتمية الموت وشدته وسَكراته - حالة الإنسان عند الموت وفي القبر - أسباب الثبات عند الممات والتوفيق للشهادة
أما بعد:
فيا عباد الله: الموت نهاية كل حي يجزع منه الأحياء ويعاني من سكراته المحتضر ولا يملك أحد أن يقدم شيئا على كثرة المحبين المشفقين أو الأطباء الحاذقين فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون نكاد نسمع صوت الحشرجة، ونبصر تقبض الملامح، ونحس الكرب والضيق من خلال هذه الكلمات، كما نكاد نبصر نظرة العجز وذهول اليأس في ملامح الحاضرين.
هنا وقد فرغت الروح من أمر الدنيا، وخلفت وراءها الأرض وما فيها، وهي تستقبل عالما لا عهد لها به، ولا تملك من أمره شيئا إلا ما ادخرت من عمل، وما كسبت من خير أو شر، هنا وهي ترثى ولا تملك الحديث عما ترى، وقد انفصلت عمن حولها وما حولها، الجسد هو الذي يراه الناظرون، ولكنهم ينظرون ولا يرون ما يجري ولا يملكون من الأمر شيئا، هنا تنفق قدرة البشر، ويقف علم البشر، وينتهي مجال البشر، هنا يعرفون أنهم عجزة عجزة،، قاصرون قاصرون، هنا يسدل الستار دون الرؤية، والعلم الإلهي، ويخلص الأمر كله لله بلا شائبة ولا شبهة ولا جدال ولا محال ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون.
وهنا يجلل الموقف جلال الله، فإذا مجلس الموت تجلله رهبة وجلال فوق ما فيه عن عجز ورهبة وانقطاع ووداع. وفي ظل هذه المشاعر الراجفة الواجفة الآسية الآسفة، يجئ التحدي الذي يقطع كل قول وينهي كل جدال فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين.
هذه الآيات من آخر سورة الواقعة تصف لنا حالة الإنسان عند الموت والروح تحشرج في صدر وهو يستدبر الحياة الدنيوية الفانية ويستقبل الحياة الأخروية الباقية ليدخل في عالم لا عهد له به ولا يملك من أمره شيئا إلا ما قدم من عمل أو كسب من خير أو شر فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم.
إنها تصور ما يكون عليه الإنسان عند الموت وفي البرزخ إلى يوم القيامة، فالمؤمن يبشر بالجنة فيزداد فرحا وسرورا ويبشر الكافر بالنار فيزداد حسرة وثبورا إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا... الآية: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية... الآية وقال تعالى عن الكفار ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق وقال تعالى عن آل فرعون النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب إلى غير ذلك من الآيات المؤكدة لنعيم البرزخ أو عذابه.
كما جاء النص الصريح الصحيح أن الميت إذا وضع في قبره تعاد إليه روحه ليسأل ويمتحن في قبره ولكن غير الإعادة المألوفة حتى إنه ليسمع قرع نعال مشيعيه عند انصرافهم، وقد أخبر رسول الله أن القبر أول منزل من منازل الآخرة فإن نجا منه العبد فما بعده أيسر، وإن لم ينج فما بعده أشد وفي الصحيحين قال رسول الله: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة.
وفي الصحيح والسنن قال رسول الله: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
كما ثبت عنه أن الميت إذا وضع في قبره أتاه ملكان يقال لأحدهما منكر والآخر نكير فيسألانه: من ربه، وما دينه، ومن نبيه، فإن نطق بالشهادتين نجا وإلا عذب، واعلم أخي المسلم أنه لا ينطق بالشهادتين في ذلك المكان المظلم الموحش وأمام الملكين المروعين إلا من رسخ الإيمان في قلبه وحققه قولا وعملا واعتقادا يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت... الآية وقد ثبت أن رسول الله قال: في هذه الآية إنها نزلت في عذاب القبر.
وفي الصحيحين أن رسول الله مر بقبرين فقال: (( إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ) ).
وقال صلوات الله وسلامه عليه: (( لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع ) ).
واعلموا رحمكم الله أن الذي عليه أهل السنة والجماعة أن كل إنسان يسأل بعد موته قبر أم لم يقبر، فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو غرق في البحر وتفرقت أجزاؤه لسئل عن أعماله وجوزي بالخير خيرا وبالشر شرا، ولا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالا بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها، ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من اللذة أو الألم كما يقول ابن القيم رحمه الله.
والله تعالى أكرم وأرحم وأعز من أن يساوي بين روح أحبته وامتثلت أمره واجتنبت نهيه وبدنٍ كانت فيه، وبين روح كفرت به وعصت أمره وتعدت حدوده وبدنٍ كانت فيه، فقد اقتضى عدله وأوجبت أسماؤه الحسنى وكماله المقدس تنعيم أبدان أوليائه وأرواحهم، وتعذيب أبدان أعدائه وأرواحهم، فلابد أن يذيق برحمته بدن المطيع وروحه من النعيم واللذة ما يليق به، ويذيق بعدله بدن العاصي له وروحه من الألم والعقوبة ما يستحقه، فلو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسده وروحه من نعيم البرزخ نصيبه وحظه، ولو علق الميت العاصي في مهاب الرياح لأصاب جسده وروحه من عذاب البرزخ نصيبه وحظه فيجعل الله النار على هذا بردا وسلاما، ويجعل الهواء على ذاك نارا وسموما.