فهرس الكتاب

الصفحة 5080 من 5777

مع سورة ق(2)

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير, الموت والحشر

عبد العزيز بن أحمد الغامدي

جدة

جامع الأميرة العنود

1-علم الله تعالى بالإنسان وحفظه لأعماله. 2- شدة الموت. 3- البعث والنشور. 4- جزاء الكافر يوم القيامة. 5- تبرؤ الشيطان من أتباعه يوم القيامة.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنها سبيل السعادة في الدنيا والآخرة.

إخوة الإسلام، نواصل الحديث مع سورة ق.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 16-18] .

يخبر تعالى أنه المتفرّد بخلق الناس، وأنه يعلم أحوال كلِّ واحد منهم وما يُسِرُّه ويوسوس في صدره، وأنه سبحانه أقرب إلى العبد بعلمه وملائكته من حبل الوريد؛ وهو عرق في العنق متصل بالقلب، والمعنى: أنه سبحانه أقرب إلى العبد من حبل وريده، فكيف يخفى عليه شيء مما في قلبه؟! وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه، المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله، فيستحي منه أن يراه حيث نهاه أو يفقده حيث أمره، ويحذر أن يفعلَ أو يقولَ ما يُكتبُ عنه مما لا يسره يوم القيامة.

وقد ذكر سبحانه أنه مع علمه بما في قلب ابن آدم وكَّل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عملَه؛ إلزاما للحجة، فقال: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ الملكان المترصّدان للعبد أعماله كلها، واحد عَنِ الْيَمِينِ يكتب الحسنات، والآخر عَنِ الشِّمَالِ يكتب السيئات، وكل منهما قَعِيدٌ مترصد مع العبد. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ خير أو شر إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ مُعَدٌّ لمراقبته، حاضر لحاله، كما قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ، قال رسول الله: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه ) ).

قال الحسن البصري التابعي الجليل رحمه الله وتلا هذه الآية: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ:"يا ابن آدم، بُسِطت لك صحيفة، ووكِّل بك ملكان كريمان... ـ إلى أن قال: ـ فاعمل ما شئت؛ أقلل أو أكثر؛ حتى إذا مت طويت صحيفتك، وجعلت في عنقك، معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول تعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: 13، 14] "، ثم يقول رحمه الله:"عدَل واللهِ فيك من جعلك حسيبَ نفسك".

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 19-22] .

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ، جاءت هذا الغافلَ المكذّبَ بآيات الله شدةُ الموت بالحق الذي لا مردّ له ولا مناص، فيتضحُ له الحقُ، ويظهرُ له صدقُ ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث والوعد والوعيد، ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي: ذلك الموت الذي كنت تروغ عنه وتفرّ منه. وتجيء سكرة الموت للمؤمِن كما تأتي لهذا الغافل المكذب، فالكلّ يجمع بينهما الفرار من الموت وملاقاته لهم وشدَّته بهم، فشدة الموت تأتي الجميع، ولذا فهي لا تدلّ على نقص في المرتبة، بل هي للمؤمن إمّا زيادة في حسناته وإمّا تكفير لسيئاته، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول عن رسول الله لما كان يحتضر: كانت بين يديه علبة فيها ماء، فجعل يُدخل يدَه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: (( لا إله إلا الله، إن للموت سكرات ) )، ثم نصب يده فجعل يقول: (( في الرفيق الأعلى ) )، حتى قبض ومالت يده.

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ، ينفخ إسرافيل عليه السلام في القرن النفخةَ الثانية؛ نفخةَ البعث، ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ، في اليوم الذي يلحقُ الظالمين ما أوعَدهم الله به من العذاب، ويلحقُ المؤمنين ما وعدهم الله به من الثواب.

روى الإمام مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله يقول: (( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ) )، قلت: يا رسول الله، النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: (( يا عائشة، الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض ) ).

وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ، مَلَكٌ يسوقها إلى أمر الله، فلا يمكنها أن تتأخر عن موقف المحشر، ومَلَكٌ يشهد لها أو عليها بما عملت في الدنيا من خير أو شر، وهذا يدلّ على عناية الله بالعباد وحفظه لأعمالهم ومجازاته لهم بالعدل، وهذا الأمر مما يجب تذكُّره وعدمُ نسيانه، ولكن أكثر الناس غافلون، ولهذا قال سبحانه: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ، يقال هذا الكلام يوم القيامة للمعرضِ المكذبِ توبيخًا ولومًا وتعنيفًا، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ، فيُرفع عنه الحجابُ الذي كان بينه وبين أمور الآخرة، فيُكشَف الحجاب الذي غطّى قلبه، فكثر تفريطه، واستمرّ إعراضه، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قويّ نافذ، يبصر به ما يزعجه ويروعه من أنواع العذاب والنكال، ثم بعد ذلك يحشر أعمى. وفي هذا تذكير وتخويف من الله للعباد بأنّ من لم تزل غفلته في الدنيا فإن زوالها يوم القيامة لا ينفع؛ إذ لا يمكنه أن يتدارك أمرَه، ولا أن يستدرك ما فاتَه.

اللهم إنا نعوذ بك من الغفلة، اللهم أعنا على سكرات الموت، اللهم ارزقنا الأمن يوم الفزع، اللهم اغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان.

وبعد: وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [ق: 23-29] .

يقول تعالى: وَقَالَ قَرِينُهُ أي: من الملائكة الذين وكلهم الله على حفظه وحفظ أعماله، فيُحضرُه يومَ القيامة ويُحضرُ ديوانَ أعمالَه ويقول: هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ من ديوان عمله؛ حَفِظْتُه وأحضرْتُه.

ويخاطب الله الملكَين القرينين السائقَ والشهيدَ، بعد أن جاءا بالعبدِ وديوانِه، وبعد أن يفصلَ الله بين الخلائق، فيأمرُهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ كافر، كثير الجحود، معاند لآيات الله، كثير المعاصي، مجترئ على المحارم والمآثم، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ، يمنع كلَّ حقٍ وَجَبَ في ماله لله أو لآدمي، فهو مناعٌ لأداء ما عليه من حقوق، ويدخل في ذلك أيضًا كلُّ محاربٍ مناعٍ لدعوة التوحيد، مُعْتَدٍ ظالمٍ عبادَ الله، متعدٍ حدودَ الله مُرِيبٍ شاكٍّ في وعد الله ووعيده، فلا إيمان ولا إحسان؛ وإنما وصْفُه الكفرُ والعدوان والشك والريب والشح واتخاذ الآلهة من دون الرحمن، ولهذا قال سبحانه: الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ يعني: فعبدَه، ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فيأمرُ اللهُ الملكين القرينين: فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ في عذاب جهنم الشنيع.

قَالَ قَرِينُهُ من الجن وهو الشيطان الذي كان يدعوه إلى الغواية في الدنيا، يقول متبرئًا منه حاملًا عليه إثمَه: رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ ، ينكر أن يكون أغواه، بحجّة أنه لم يكن له عليه سلطان ولا حجةٌ ولا برهان، ويجعل سببَ غوايتِه وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ، في طريق بعيد عن سبيل الهدى، فالقرينُ الشيطان يقول: إن هذا العبد كان في ضلال وبُعد عن الحقّ باختياره، فدُعي للغواية فأجاب، ولو كان من عباد الله المخلَصين لم يُقدر عليه، كما قال تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم: 22] ، وإنما أخبرَ الله عن قول قرين الكافر له يوم القيامة إعلاما منه عباده أنهم يوم القيامة يتبرأ بعضُهم من بعض.

وقال تعالى مجيبًا لاختصام الغاوين وقرنائهم من الجن ناهيا لهم عن الاختصام في موقف الحساب: لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ أي: لا تختصموا لديَّ اليوم في موقف الجزاء والحساب؛ إذ لا فائدة من ذلك، والحال أني قد قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ أي: وقد قَدَّمْتُ إليكم في الدنيا بالوعيد لمن كفر بي وعصاني، فقد جاءتكم رسلي بالآيات البينات والحجج الواضحات والبراهين الساطعات، فقامت عليكم حجتي، وانقطعت حجتُكم، وقدِمتم عليَّ بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها.

مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ما يُغيَّر؛ فلقد قضى الله بالعذاب لهم، وقضى لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13] ، وقضى سبحانه: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأنعام: 160] ، ولا يمكن أن يُخلِفَ الله ما قاله وأخبر به، لأنه لا أصدق من الله قيلًا، ولا أصدق منه حديثًا.

وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ أي: لا أعذّبهم ظلما بغير جرم اجترموه ولا ذنب أذنبوه، بل أجزيهم بما عملوا من خير وشر، فلا يزاد في سيئاتهم، ولا يُنقَص من حسناتهم، فلا يعذبُ الله أحدًا بذنب أحد، ولا يعذب أحدًا إلا بذنبه بعد إقامة الحجة عليه.

اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، اللهم أيقظنا لتدارك ما بقي من الأعمار، اللهم إنا نسألك أن تعيننا على الموت وما بعده، اللهم ثبتنا عند السؤال، اللهم اجعل قبورنا من رياض الجنة، ولا تجعلها من حفر النار، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت