فقه
الديون والقروض
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-كتابة الدين والإشهاد عليه. 2- الرهن. 3- الترغيب في إقراض المسلمين ونفعهم. 4- التجاوز عن المعسر وإنظاره. 5- وفاة المديون قبل سداد الدين. 6- قصة عظيمة في وفاء الدين. 7- همّ الدين.
أما بعد: فمن نعم الله تعالى على خلقه جميعًا أن جعل لهم الدراهم والدنانير في كل زمان ومكان، والتي بها قوام الحياة المعيشية في الدنيا مع أنها لا منفعة في أعيانها إلا ما كان من الذهب والفضة وفي استعمالات محدودة، ولكن الناس يضطرون إليها لحاجة كل واحد منهم إلى أعيان كثيرة لِلْقُنْيَةِ واللباس والأكل والشرب وغير ذلك مما هو معلوم للجميع، وكل واحد قد يعجز عما يحتاج إليه ويستغني عما لديه فلا يحصل له مبادلة عين بعين إلا بِغَبْنٍ كبير، لذلك جعل الله الدراهم والدنانير على اختلاف أشكالها ومسمياتها حَاكِمَيْنِ وَسَطَيْنِ بين الأموال جميعِها حتى تقدر الأموال بهما، فالله خلقهما لتتداولهما الأيدي وتكونا أثمانًا للأموال وللتوصل بهما إلى سائر الأشياء لِعِزِّهِمَا وغلائهما، فمن ملكهما فقد ملك أَعَزَّ شيء في حياة الناس وتقديراتهم.
والناس في قديم الزمان وحديثه يتخبطون في تلك الأموال ويُشَرِّعُون لأنفسهم الأنظمةَ والقوانينَ ويستغلُّون حاجاتِ بعضهم بعضًا وظروفَهم وفقرَهم، وسارت مجتمعات المسلمين اليوم على هذا الْمِنْوَالِ، وسلكوا طرق الرأسمالية والانتهازية، ونهجوا نهجهم وتركوا كتاب الله وسنة نبيه وراءهم ظِهْرِيًّا، وتجاهلوا تشريعات الإسلام وتخلوا عن العمل به وتحكيمه في معاملاتهم، حتى آلَ بهم الأمر إلى أوضاعهم الراهنة، ولنْ يُرفعَ عنهم ما هم فيه إلاَّ بمراجعة أنفسهم والرجوع إلى الكتاب والسنة قولًا وعملًا وعقيدةً وتطبيقًا صادقًا لما جاء فيهما من أحكام وحكم وتشريعات، وما لم يلتزموا العمل بهما فإن أوضاعهم إلى الخسران والضلال في الدنيا والآخرة، ولن تقوم لهم قائمة ما لم يستمدّوا أنظمتهم ومعاملاتهم وكلّ حياتهم المعيشية من تعاليم الإسلام، وسوف يبقون في مؤخرة الأمم وذَيْلِهَا ما لم يعتزوا بإسلامهم ويطبقوه جملة واحدة ويبتعدوا عن أسباب الضعف والخذلان والهوان.
وإن المتتبع لآيات القرآن الكريم والمتدبر لما يتلوه من الآيات العظيمة ليجد الْعَجَبَ من غفلة المسلمين عن الحكمة من نزول القرآن الكريم حيث اكتفوا بتلاوة آية أو آيتين في المناسبات في بعض الدول المتسمية بالإسلامية أو في الصلوات الجهرية ومنها التراويح في رمضان ليتغنَّوْا بالقرآن ويُقَدِّمُوا من كان صوته حسنًا لِيُطْرِبَهُمْ به دون تدبّرٍ وتأملٍ لآياته وعملٍٍ به وتحكيمٍٍ له وإيمانٍ بمحكمه ومتشابهه، نَسُوا قولَ الله عز وجل: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص: 29] . كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون ولا يَتَعَدَّوْنَ عشر آيات من القرآن الكريم حتى يتعلموا ما فيهما من العلم ويعملوا بهنَّ، فتعلموا العلم والعمل جميعًا، لقد مكث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عشر سنين في سورة البقرة ليعلم ويتعلم ما فيها من أحكام وحكم وتشريعات؛ لأنها حَوَتْ أكثرَ ما يتعلق بحياة الناس في الدنيا والآخرة.
وأرجع إلى الكلام عما يتعلق بِصُلْبِ موضوع الخطبة وإن كان له بقية في خطبة أخرى بإذن الله عز وجل، فعلينا أن نتلو آيات القرآن بتدبرٍ ووعْيٍ ونرجع إلى تفسير أهل العلم الموثوقين المستدلين بأحاديث رسول الله.
ومن تلك الآيات ما ورد في آخر سورة البقرة ابتداءً بقول الله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 261] ، ومرورًا بآية الربا، وانتهاءً بالدين والمداينة وختام السورة، وإن المتأمل ليقف عاجزًا ومَشْدُوهًا أمام النص القرآني والتشريع الإلهي حيث تتجلّى الدقة العجيبة في الصياغة والأسلوب حيث لا تُقَدَّمُ فقرة عن موضعها ولا تُؤَخَّرُ ولا يُبَدَّلُ لَفْظٌ بِلَفْظٍ إلا في مواضعَ لها دلالاتها التي يعجز كثير عن فهمها وإدراكها، ولا تطغى هذه الدقة المطلقة في الصياغة على جمال التعبير وطلاوته وحلاوته، ولا يتمّ الانتقال من نقطة إلى نقطة أخرى إلا بعد استيفاء التشريع المقصود واحتمالاته.
فعندما دعا الله عباده المؤمنين ورغبهم في الصدقات والإنفاق في سبيل الله عمومًا في أربع عشرة آية أعقبها سبحانه وتعالى بالآيات التي تحرّم الربا وذكر حال المرابين في الدنيا وما يجب عليهم الابتعاد عنه وإلا فالمصير المؤلم لهم في الآخرة ينتظرهم من العذاب الأليم، وأمرهم عندما يَتُوبُونَ بأن عليهم الاكتفاءَ بأخذ رؤوس أموالهم فقط، ورغبهم أيضًا في إِمْهَالِ الْمُعْسِرِ، وفوق ذلك الصدقة عليه فهو خير لهم لو أنهم يعلمون. ثم ذكر سبحانه وتعالى البديل عن هذا الاستغلال البشع لحاجات الناس وعَوَزِهِمْ وفقرهم وحاجتهم، ذكر البديل عن الانتهازية والأنانية الْمَقِيتَةِ وحبّ الذات وجمع المال من غير الوجوه المشروعة المباحة، ذكر ذلك في أطول آية في القرآن الكريم وهي آية الدين أو المداينة، الآية الْمُعَطَّلَة في مجتمعات المسلمين اليوم من حيث التطبيق العملي للدين المرغب فيه في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، الدين الذي يُبْتَغَى به وَجْهُ الله تعالى وما عنده من الأجر العظيم، أما التطبيق الحالي للمكاتبة والإشهاد على صنوف البيوع الربوية فهو مُقْتَبَسٌ من هذه الآية لضمان الديون المحرّمة عند أهل هذا العصر الذين يَدَّعُونَ التقدّمَ والوعي مع أنهم اقتبسوا كتابة العقود المالية من الإسلام ولم يستطيعوا أن يأتوا بجديد، بل تَبَجَّحَ بعضُهم بأنه اهتدى إلى فتح جديد في عالم الاقتصاد مع أن الله عز وجل قد ذكر أمورًا أَدَقَّ مما ذهبوا إليه، جاء ذلك في القرآن الكريم قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة.
إن البديل عن الربا هو الدين أو المداينة بين الناس عمومًا والمسلمين خصوصًا لما في ذلك من الأجر العظيم للدائن وتسهيل أمور أصحاب الحاجات وشيوع الرحمة في المجتمعات المسلمة، وقد ضمن الإسلام للجميع حقوقهم ورتب ونظم تنظيمًا محكمًا لضمان الحقوق المالية والشخصية، ورهّب من المماطلة وعدم أداء الحقوق والديون التي هي هَمٌّ بالليل مَذَلَّةٌ بالنهار على المدين؛ لأن الذي يموت وعليه دين مُعَلَّقٌ بِدَيْنِهِ حتى يُقْضَى عنه، ولو كان مجاهدًا في سبيل الله واسْتُشْهِدَ فإنّ الله يغفر له ذنوبه إلا الدَّيْنَ لما له من أهمية في واقع الناس وحياتهم المعيشية، لدرجة أنه لا تجب فريضة الحج على المسلم وعليه ديْن حتى يقضي دينه، فكان وفاء الناس وإعطاؤهم أموالهم أوجب على المسلم من أداء ركن من أركان الإسلام الخمسة، وبذلك وردت أحاديث عن رسول الله أذكرها بإذن الله تعالى في خطبة مستقلة لتكون أشمل وأكمل وأوسع وأجمل إيضاحًا وبيانًا، وليعلم الفرق الكبير والْبَوْنَ الشَّاسِع بين كلام النبوة وكلام عامة الناس، بين الإيجاز والإعجاز، وبين التعبيرات والتصورات العاجزة القاصرة عن إعطاء كل أمر حقه من البيان والتوضيح.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فإنّ ممّا يُؤْسَفُ له ويدْمِي قلبَ كلِّ مؤمنٍ غَيُورٍ على دينه حريصٍ على أمته ويؤذي مشاعرَه سَيْر المسلمين في رِكَابِ أعداء الله في معاملاتهم وتركهم لتعاليم الإسلام وابتعادهم عن منهج الله القويم وصراطه المستقيم، وإيجاد التبريرات والتعليلات والتحايل على النصوص الشرعية لاستحلال الأمور المحرمة، والوقوع في المحرمات الصريحة فضلًا عن المشتبهات المنهي عن الوقوع فيها. وما نراه ونشاهده ونسمعه ونقرأ عنه عبر الوسائل المختلفة من تحايل الذئاب البشرية في مجتمعات المسلمين لجمع الأموال بالطرق المحرمة الصريح تحريمها لهو أمر يؤسف حقًا؛ مثل الربا، أو المعاملات المعمول لها الطرق الملتوية لتحليلها أمام الناس في الظاهر مع حرمتها عند معرفة الهدف والقصد من ورائها، حتى أصبح هم الواحد جمع المال من طريق الحلال أو الحرام كما أخبر بذلك رسولنا محمد عندما ذكر علامات القيامة وقال: (( ليأتينَّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أَمِنْ حلالٍ أم من حرام ) )رواه البخاري والنسائي وغيرهما.
ذئابُ البشر طَوَّقُوا رِقَابَ عباد الله بالديون المحرمة من الربا الصريح ومن طرق بني إسرائيل الذين احتالوا على ما حرم الله سواء في الحيتان يوم السبت أو عندما جملوا وأذابوا الشحوم وباعوها لما حرم الله عليهم أكلها، فأصبح التحايل في الأمة المحمدية في هذا الزمان بارتكاب المحرمات بأدنى الحيل حتى على مستوى الشركات والمؤسسات والأفراد أيضًا عندما يقال لمن يرغب الاستدانة منهم: اذهب واختر العقار أو المسكن أو الأرض التي تريدها أو الأثاث والفرش المناسب أو السيارة التي تريدها وأنا أشتريها وأبيعها لك بكذا على أقساط إلى أجل محدود وكفالة معلومة أو رهن العقار مثلًا أو السيارة ولا تنتقل ملكيتها له إلا بعد التسديد بالكامل، وبدلًا من أخذ المرابين في البنوك عشرة في المائة يأخذ أولئك الأشخاص ثلاثين في المائة أو أكثر، ويبيعون ما لا يملكون، ويحتالون على دِين الله باسم البيع والشراء باعتبار أنه لا غبار على هذا التعامل الربوي الشيطاني الذي يستغلون فيه حاجات إخوانهم المسلمين ويوقعونهم أسَارَى للديون طوال حياتهم باسم التسهيلات والأقساط المريحة التي وضعوها حول رقاب إخوانهم وأَسَرُوهُمْ وقيَّدُوهم بحبال الديون وذُلِّهَا، وأَغْرَوْهُمْ بمعسول كلامهم ودعاياتهم الكاذبة الزائفة المبرّرة لوصولهم إلى جمع الأموال الخبيثة بإبراز الإعلانات المغرية لامتلاك السيارات الفارهة وما أشبهها عندما تدفع فقط ريالاتٍ محدودةً كل يوم، وما علم المسكينُ الْمُغَرَّرُ به أنَّ الذئابَ البشريةَ الْمُقْتَنِصَةَ له ولأمثاله والتي تحسن إِحْكَامَ الطَّوْقِ على الرقاب ووضع الأغلال والآصار في الأيدي والأرجل قد حَسَبَتْ كُلَّ هَلَلَةٍ فضلًا عن القرش والريال وتعرف كيف تستخرجها من ذلك المسكين.
وبذلك أصبحت مجتمعات المسلمين مجتمعاتٍ مُتََوَحِّشَةً، يُحْسِنُ كلُّ فردٍ افْتِرَاسَ الآخرين بما أوتي وعاش وعاصر من مَادِّيِّينَ في هذه الحياة ليس لهم هَمٌّ إلاّ جمع ما في أيدي غيرهم. فهل نفيق من غفلتنا؟! وهل ينتبه النائمون الواقعون في شباك أولئك الصيادين الْمُطَوَّقُونَ بِقُيُودِ أولئك الوحوشِ الْمُفْتَرِسَةِ؟! هل مِنْ عَوْدَةٍ إلى تعاليم الإسلام وتطبيق لأحكامه؟! هل مِنْ إِيقَافٍ لأولئك السائرين في ركاب اليهود والنصارى عند حَدِّهِمْ؟! هل من نظرة ثاقبة واعية مُدْرِكَةٍ لأحوال الأمة ومُنْقِذَةٍ لها من عَثَرَاتِهَا؟! هل من غَيْرَةٍ لدين الله ومحارمه ونُطْقٍ بكلمات الحق وشعورٍ بالمسؤولية والأمانة؟! قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11] .
إن الإجابة على تلك التساؤلات والأسئلة والحل الوحيد للانتهازية المادية المنتشرة بين الملايين من المسلمين تَكْمُنُ في تطبيقهم لِلْقَرْضِ الْحَسَنِ البعيدِ عن المعاملات الربوية الصريحة أو الملتوية التي ظاهرُها الْحِلُّ والرحمةُ والرأفةُ بأحوال الناس وباطِنُها الْغِشُّ والتدليس وسلب أموال الناس وأكلها بالباطل وارتكاب أدنى الحيل بما حرم الله، الْحَلُّ يكون في إِقْرَاضِ كلِّ مؤسسة وشركة وإدارة ومَحَالّ تجارية وغيرها لمن يعمل لديها وحسم المبلغ المناسب والمتوافق مع المرتب الشهري لأولئك العاملين المحتاجين وعدم إذلالهم مِنْ قِبَلِ أولئك المتربصين بالناس الهلاك، وفي ذلك ضَمَانُ الحقوقِ للطرفين، وعامة الناس المحتاجين يكون تعاملهم مع الأغنياء والمؤسسات المعنية لتنفيذ القرض الحسن وابتغاء الأجر من الله العزيز الحكيم الرحيم بعباده، الحل يكون مثل ما عملت الدولة للمواطنين في هذا البلد المبارك من خلال صناديق الإقراض العقارية والصناعية والزراعية وصندوق التسليف المتعدد الأغراض، حيث تقديم القرض لسنوات عدة تصل إلى خمس وعشرين سنة كما هي في العقاري مع تقديم معونة وحسم من المبلغ يصل إلى الثلث تقريبًا عند الوفاء بالتسديد مقدمًا أو الْخُمْسِ عند الالتزام بالتسديد السنوي، ولكننا نرى من كثير من المسلمين استغلال هذه الناحية واستخدام المماطلة وعدم التسديد مما حَرَمَ غيرَهم من هذه التسهيلات مع أنَّ ذِمَمَهُمْ لا تَبْرَأُ من هذا السلوك، ولو أن الدولةَ تُسْقِطُ باقيَ الدَّيْنِ عن الْمُتَوَفَّى انطلاقًا من الشريعة الإسلامية، ولكنَّ ذلك لا يُعْفِي المقترضَ الذي يستطيع الأداء، فالواجب عليه المبادرة بالتسديد في حينه ليكسب نسبة الحسم ويحوز على رضا رب العالمين والوفاء. وإلى الخطبة القادمة إن شاء الله والْمُكَمِّلَةِ لهذا الموضوع الْمُهِمِّ.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله...