فهرس الكتاب

الصفحة 3156 من 5777

مصعب بن عمير

سيرة وتاريخ

تراجم

ياسر بن محمد بابطين

جدة

جامع الأمين

1-فضل الصحابة. 2- موقف عظيم بعد غزوة أحد. 3- مصعب بن عمير في مكة. 4- إسلام مصعب رضي الله عنه ومعاناته. 5- من حياة الدلال إلى حياة الشدة. 6- الهجرة إلى الحبشة. 7- سفير الإسلام. 8- مثال الولاء والبراء. 9- شجاعته واستشهاده. 10- ثناء الصحابة عليه.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واستمسكوا بهداه، تحظوا برضاه، وينلكم الخير في دنياكم ويوم لقاه.

أيّها المؤمنون، يقول حبيبنا: (( النجوم أمنَة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) )رواه الإمام مسلم، وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون عن دينه) ، وعند أبي نُعيم في الحلية من قول ابن عمر رضي الله عنهما: (من كان مستنّا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه ، ونقلِ دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد ، كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة) .

اللهم ارض عن أولئك النفر الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، اللهم إنا نُشهدك أنا نحب محمدًا وصحبه، اللهم فأحينا على طريقهم واحشرنا في زمرتهم.

أيها المؤمنون، ما أشدّ الشوق إلى أن نخترق أربعة عشر قرنًا إلى الوراء لنُطلّ على الحجاز يتهلّل بِشرًا وفرحًا برسول الله ومن معه، بين مكة والمدينة والإيمان يأرز بينهما.

ما أجمل أن نعيش لحظاتنا هذه مع واحد من تلاميذ محمد، مع سائر في ركب النور، مع رجل يمشي على الأرض وقلبه معلّق بالسماء.

لما انقضت غزاة أحد مرّ رسول الله على الشهداء يتفقّدهم، يعرّج على الأجساد الطاهرة، على القلوب الوفية، على من قدموا أرواحهم لنصرة الدين، وبذلوا أنفسهم ثمنًا لجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، مرَّ بهم واحدًا واحدًا، فلما حاذى واحدًا منهم وقف عنده ورفع يديه إلى السماء يدعو له، ثم قرأ قول الله عز وجل: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] ، ثم قال: (( أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يُسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه ) ).

كانت وقفةً مؤثرة ودعوة مؤثرة وقولة مؤثرة، فبين يدي مَن كان هذا الموقف؟ ولمن كان هذا الدعاء؟ من ذلكم الشهيد الذي استوقف المصطفى واستعبره؟ وكيف قضى نحبه ووفى ما عليه؟

أما من؟ فلقد كان أبا عبد الله مصعب بن عمير ، وأما كيف فهلمّ نسأل عنه عن سيرته عن بطولته، ولئن سألنا فلنسمعن عجبا.

تُحدثنا عن مصعب شوارع مكّة وطرقاتها، نواديها وعرصاتها، يحدثنا عنه أريج المسك والأطياب وناعم المسكن والثياب ولذيذ المطعم والشراب، تحدّثنا عنه مكّة بأسرها، فتياتها اللاتي لطالما تمنّينه، شبانها الذين كانوا يغبطونه على عيشه، أمه التي كانت تدلِّلُه وتلبي له كلَّ مطلب، كلُّ أولاء يحدّثوننا أنّ مصعب ألقاهم وراءَ ظهره وسار إلى الله، ألقى الدنيا بكل أوضارها وعلائقها، وسار يحدوه الشوق، ويدفعه الأمل، ليرقى في منازل المحبين.

لما أسلم مصعب انقلب نعيم عيشه بؤسًا وفقرًا، وحالُ ترفه جوعًا ونصبًا، لكنه لم يبال، فكل شيء لله يهون.

إذا صحَّ منك الودُّ فالكل هينٌ وكلُّ الذي فوق الترابِ ترابُ

فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ وليتك ترضى والأنامُ غضابُ

وليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ

أقبل مصعبُ يومًا بعد أن صار إلى ما صار إليه بعد إسلامه، أقبل وعليه نمرة قد وصلها بإهاب يستر بها بدنه النحيل، فلما رآه أصحاب النبي نكسوا رؤوسهم رحمةً له، ليس عندهم من الثياب ما يقدمونه له، ولمن يقدمون لو وجدوا؟ يقدمونه لمن كان يومًا أنعم قريش عيشًا وأعطرهم، وهو اليوم يرحم لحاله.

فلما أقبل على رسول الله وصحبه سلّم فردّ السلام عليه وأثنى عليه وقال: (( الحمد لله، يقلب الدنيا بأهلها، لقد رأيت هذا ـ يعني مصعبا ـ وما بمكة فتى من قريش أنعم عند أبويه نعيما منه، ثم أخرجه من ذلك الرغبة في الخير وحب الله ورسوله ) )، وعن علي رضي الله عنه قال: إنا لجلوس مع رسول الله إذ طلع علينا مصعب بن عمير ما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو اليوم فيه، ثم قال: (( كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة، ووضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تُستر الكعبة ) )، قالوا: يا رسول الله، نحن يومئذ خير منا اليوم فنفرغ للعبادة ونُكفى المؤونة، فقال: (( لأنتم اليوم خير منكم يومئذ ) ).

لقد صار مصعب مضرب المثل في الزهد والفقر وقلة الحال بعد أن كان مضرب المثل لفتيان مكة في الترَف ورغد العيش، لذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رآه يومًا: (انظروا إلى هذا الرجل الذي نوّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلَّةً اشتريت له بمائتي ألف درهم، فدعاه حبُّ الله ورسوله إلى ما ترون) . نعم، حب الله ورسوله إذا ملأ قلبَ العبد هانت في عينه الدنيا وصغرت، فما يبالي بما أقبل منها أو أدبر، افتقر أم اغتنى، صحَّ أم مرض، شبع أم جاع، لا يهم شيءٌ من ذلك لأنّ همّه وشغله:"إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي".

لما أسلم مصعب لم يكن بلاؤه في انتزاعه من حياة النعيم التي ألِفها فحسب، بل لقد تعرّض للعذاب والإذاء جسديًا ومعنويًا، وبالله عليكم كيف ترون الجسد الناعم المرفّه إذا عذّب في رمضاء مكة؟!

حلفت أمه أن لا تأكل ولا تشرب ولا تستظل حتى يرجع عن دينه ويترك محمدًا، غير أن الإيمان يأبى عليه ذلك، يأبى عليه أن يبيع النور بالظلام والهدى بالضلال، فثبت على دينه حتى كادت أمه تموت وإنه لغير مكترث. أخذه قومه فقيدوه بالأصفاد وحبسوه حتى تغير لونه ونحل جسده ونهك جسمه، وإنه لغير مكترث، ومضى مصعب يجرُّ قدميه فوق الشوك، يعالج طريق الجنة التي حفت بالمكاره، حتى إذا سهل الله الفرج هاجر إلى الحبشة، فترك وطنه، وودع حبيبه رسول الله فارًا بدينه مع ثلة من المؤمنين الصادقين.

وفي الحبشة يبلغهم أن قريشًا هادنت المسلمين وتركتهم وما يريدون، فيعود مصعب مع من عاد، فإذا قريش لا كما عهدوا من كفرها وغيها، بل قد ازدادت شراسةً عمّا كانت عليه من قبل، ولا حقيقة لما بلغهم من أمر الهدنة، فرجع مصعب فارًا بدينه مع أهل الهجرة الثانية إلى الحبشة.

وتمضي الأيام ويعود مصعب إلى مكة مشتاقًا إلى رسول الله وليشهد هذه المرة محنة الحصار في الشعب، وفي الشعب صبر مصعب وصابر حتى أنهكه الجوع والعطش، فخارت قواه حتى صار لا يقدر على المشي، فكان المسلمون يحملونه على أكتافهم.

وبعد أعوام تأتي طليعة الأنصار الأولى لتسلم وتبايع البيعة الأولى، فيبعث رسول الله معهم أول سفير في الإسلام أبا عبد الله مصعب الخير معلّمًا وداعية وإمامًا، وفي عام واحد تسلم المدينة كلها إلا من شاء الله، تسلم على يد مصعب سادةً وأتباعًا، صغارا وكبارا، رجالا ونساءً، الأنصار كلهم حسنة في ميزان مصعب رضي الله عنه، ومن الأنصار؟ إنهم الذين لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، إنهم بطانة المصطفى وحماة الدين ورجال الإسلام الأُوَل، الذين لم يقم الدين إلا على أكتافهم، إنهم المرحومون المرحوم عقبهم بدعوة المصطفى، أولئك هم تلاميذ مصعب وغنيمته.

وبعد أن قضى مصعب مهمته في المدينة، بعد أن جادل أهلها ودعاهم ورباهم، فأتم ما أرسل لأجله، ما تراه صنع رضي الله عنه؟ هل طلب أوسمة شرف وشهادات تقدير؟! هل أخذ إجازة ليتخفف من العناء؟! هل ابتنى منتجعًا أو اكترى مشداحًا ليهدأ باله قليلًا؟! هل نال ترقية أو علاوة في المرتب؟! كلاّ فما لأجل هذا خرج ولا بذل ما يبذل، لقد فعل ما فعل لله، فلما أدى ما عليه لم يركن ولم يسترح، بل عاد إلى مكة إلى أرض البلاء والمحنة لتنعم عيناه بصحبة رسول الله ، وليكون في طليعة المهاجرين يوم أذن لهم بالهجرة، فيا لله ما أوقدها من همة، لم يهاجر مرة ولا اثنتين، بل أربع هجرات: ثنتان للحبشة وثنتان للمدينة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

أقول ما تسمعون...

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.

أما بعد: فلقد ضرب لنا مصعب رضي الله عنه أروع الأمثلة في الولاء والبراء، فإنه لما أسلم رضي الله عنه عادته أمه ومارست عليه شتى الضغوط ليعود في الكفر بعد الإيمان، فلم يلتفت إليها، بل ثبت على دينه، وقطع صلته بكلّ من عادى الله ورسوله، ولم تكن تلك حماسة الإيمان في بداياته فحسب، بل ظلت حرارة الولاء والبراء في قلبه مدى حياته، ففي غزوة بدر مرّ مصعب رضي الله عنه بأنصاريّ قد أسر أخاه ابن أمه وأبيه، فقال مصعب لما مر بهما يوصي الأنصاري بأخيه: شُدَّ يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقال أخوه: هذه وصاتك بي يا أخي؟! فقال مصعب يشير إلى الأنصاري: إنه أخي دونك.

أما شجاعته رضي الله عنه فأيُّ شيء ينتظر من جندي فذّ من جنود الإسلام الأوائل؟! أستاذه محمد وشعاره: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] ، رتبته: وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمد:35] .

تعالوا ـ أيها الأحبة ـ نقف على المحطة الأخيرة من حياة هذا البطل غزوة أحد، وأي شيء غزوة أحد؟! إنها الفصل الأخير من مشهد البطولات والتضحيات في حياة مصعب الخير، فلقد حمل الراية يومئذٍ، فما اهتزت في يده رغم شدة القتال، سقطت راية قريش سبع مرات، تأخذها يد إثر يد، وراية حزب الله ثابتة في كفّ أبي عبد الله.

ثم لما شاع في الناس مقتل رسول الله وانكشف منهم من انكشف ثبت مصعب مع الثابتين، وأقبل يحمل الراية ويهتف مردّدًا قول الحق عز شأنه: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144] ، فتقدم إليه عدوُّ الله ابن القمئة يبارزه، واشتد القتال بينهما، فأهوى ابن القمئة على يمنى مصعب فقطعها، فتناول الراية بيسراه فقُطعت، فاحتضنها بين جنبيه، فحمل عليه عدو الله الثالثة فأهوى بالرمح على جسده الشريف الطاهر، فخرَّ رضي الله عنه على الأرض صريعًا، وشاع في الناس أن الذي قتل إنما هو رسول الله ؛ لأن مصعبًا كان من أشبه الناس به خَلقًا، وهكذا قضى مصعب نحبه، باع الدنيا بالآخرة، وقدم الرخيص فظفر بالغالي. سقط جسده على الأرض وحلّقت روحه إلى بارئها، شاط في دمائه الزكية، ويُبعث يوم القيامة يثغب جرحه دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك.

فتًى ماتَ بين الضربِ والطعنِ ميتةً تقومُ مقامَ النصرِ إنْ فاتَه النصرُ

وما ماتَ حتى ماتَ مضربُ سيفِِِِه من الضربِ واعْتَلّتْ عليهِ القنا السُمر

ألا في سبيلِ اللهِ مَنْ عُطلتْ لهُ فجاجُ سبيلِ اللهِ وانثغرَ الثغرُ

تردَّى ثيابَ الموتِ حُمرًا فما دَجى لها الليلُ إلا وهي من سندس خُضرُ

ثوى طاهرَ الأردانِ لم تبقَ بقعةٌ غداةَ ثوى إلا اشتهتْ أنها قبرُ

عليكَ سلامُ اللهِ وقفًا فإنني رأيتُ الكريمَ الحُرَّ ليسَ له عُمْرُ

قال خباب رضي الله عنه: هاجرنا مع رسول الله في سبيل الله نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من قضى ولم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قُتل يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه به إلا نمرة، كنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال: (( اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه شيئًا من الإذخر ) )، ومنا من أينعت ثمرته فهو يهدبها.

لقد ذهب مصعب ليلقى جزاءه عند رب شكور، طلّق الدنيا فتلقفته الجنة عجلى متشوقة إليه، رحل مصعب ولم ترحل ذكراه ولا ذكرى بطولاته ولا ذكرى تضحياته من قلوب أصحابه أصحاب محمد ، فهذا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بعد مرّ السنين يؤتى بإفطاره يومًا وقد كان صائمًا، فلما أُدني منه بكى وقال: (قُتل أخي مصعب بن عمير وهو خيرٌ مني، كُفِّن في بردة، إن غُطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدى رأسه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا) . وأيُّ شيء ترانا نقول إن كان هذا يقوله ابن عوف رضي الله عنه أحد المبشرين بالجنة؟!

اللهم ارحم مصعبًا وألحقنا به في ركاب محمد ، واجعل في هذه الأمة من يحذو حذوه ويتبع أثر ذلك الجيل الصالح.

عباد الله، ألا وصلوا وسلموا على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر حامل لواء العز في بني لؤي وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي ذي الغرة والتحجيل المؤيد بجبريل المذكور في التوراة والإنجيل...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت