الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-الدنيا دار بلاء وألم. 2- المنحة في جوف المحنة. 3- النهي عن الحزن.
قال تعالى: لاَ أُقْسِمُ بِهَـ?ذَا ?لْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـ?ذَا ?لْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ فِى كَبَدٍ [البلد:1-4] .
توالت الأقسام من الله تبارك وتعالى تأكيدًا لحقيقة ثابتة خُلِق عليها الإنسان، أنه خلق في كبد، في شدة ومشقة، يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة.
فها هو الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث، يدفعه الرحم دفعًا إلى هذه الدنيا، ثم يستهل صارخًا متألمًا ثم تبدأ مسيرته الشاقة في هذه الدنيا، يكابد نبت أسنانه، ثم يكابد ألم الفراق والفطام، ثم يكابد مشقة العيش والحياة، ثم يكابد مصائب الدنيا ومساوئها، ثم هو في خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف من الأمر والنهي، ثم يكابد الموت ويكابد القبر، ويكابد موقفه بين يدي الله، ثم يكابد العذاب في النار، ولا راحة له إلا في الجنة، ألم في ألم، كذلك خُلِق بني آدم. والله هو العليم الحكيم.
والله بحكمته وعدله ركب الألم في الإنسان، وهو العليم الخبير، ليسعى العباد في تحصيل منافعهم الدنيوية والأخروية، فالألم ليس مذمومًا دائمًا، فقد يكون هذا الألم خيرًا للعبد من عدمه. فالدعاء الحار المستجاب بإذن الله يأتي مع الألم، والتسبيح الصادق يصاحبه الألم، وحمل النفس على طاعة الله والصبر على أدوائها، والصبر عن ارتكاب المعاصي واجتنابها، والصبر على الأقدار أن لا يتسخطها، كل ذلك يكون مع الألم. وتأمل الطالب حال التحصيل، فحمله لأعباء الطلب يثمر عالمًا فذًا، لأنه احترق في البداية فأشرق في النهاية، أما الطالب الذي عاش حياة الراحة والدعة ولم تنضجه الأزمات، ولم تكويه الملمات، فهذا الطالب يبقى كسولًا مترهلًا فاترًا.
وأسمى من ذلك وأرفع، حياة المؤمنين الأولين الذين عاشوا فجر الرسالة ومولد الملة، فإنهم أعظم إيمانًا، وأبر قلوبًا، وأصدق لهجة، وأعمق علمًا؛ لأنهم عاشوا الألم والمعاناة: ألم الجوع والفقر والتشريد، والأذى والطرد والإبعاد، وفراق المألوفات، وهجر المرغوبات، وألم الجراح، والقتل والتعذيب، كل ذلك في سبيل الله، فكانوا بحق الصفوة الصافية والفرقة الناجية، آيات في الطهر وأعلامًا في النبل، ورموزًا في التضحية. يقول تعالى: ذ?لِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ ?لْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُحْسِنِينَ [التوبة:120] . وعن أبي هريرة قال قال رسول الله: (( مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ ) )رواه الترمذي وصححه الألباني.
فأخبر النبي أن الخائف المسرع في مرضاة الله هو المحصل لجنة الله الغالية، خلافًا لغيره. وجاء رجل إلى الإمام أحمد فقال له: متى الراحة؟ قال: عند أول قدم نضعها في الجنة.
لذلك كان الألم: نعمة من نعم الله على العباد وحافزًا لهم لابتغاء مرضاته، والعبد إن يعش مشبوب الفؤاد ملذوع النفس أرق وأصفى من أن يعيش بارد المشاعر فاتر الهمة خامل النفس، كما قال الله تعالى عن المنافقين: وَلَـ?كِن كَرِهَ ?للَّهُ ?نبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ?قْعُدُواْ مَعَ ?لْقَـ?عِدِينَ [التوبة:46] .
ولكن هناك نوع من الألم نهى الله تبارك وتعالى عنه وهو الحزن المثبط والبالغ. فالحزن البالغ ليس مطلوبًا شرعًا ولا مقصودًا أصلا، بل نهى الله عنه، قال: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا [آل عمران:139] ، وقال: وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [الحجر:88] ، وذلك لأن الحزن خمود لجذور الطلب، همود لروح الهمة، وأحب شيء للشيطان أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره، ويوقفه عن سلوكه، كما قال تعالى: إِنَّمَا ?لنَّجْوَى? مِنَ ?لشَّيْطَـ?نِ لِيَحْزُنَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ [المجادلة:10] .
وقد استعاذ منه النبي ، فكان يقول: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ) )، فالحزن تكدير للحياة وتنغيص للعيش، وهو مصل سام للروح، ويورثها الفتور والنكد والحيرة. وهو مصيبة من المصائب قد يصاب بها العبد، لهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها ?لْحَمْدُ للَّهِ ?لَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ?لْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34] وقال النبي: (( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ مِنْ خَطَايَاهُ ) )، فهذا يدل على أن الحزن مصيبة من الله يصيب بها العبد، يكفر بها من سيئاته. ولكن من أعرض عن ذكر الله فإن الحزن والتنغص في العيش حليفه، لا يفارقه جزاء لما قدم في جنب الله، كما قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ أَعْمَى? قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى? وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذ?لِكَ أَتَتْكَ ايَـ?تُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذ?لِكَ ?لْيَوْمَ تُنْسَى? [طه:124-126] .
كما أن الحقيقة التي لا مرية فيها أن الإنسان لا يستطيع أن ينزع من حياته كل آثار الحزن؛ لأن الحياة خلقت هكذا لَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ فِى كَبَدٍ [البلد:4] ، إِنَّا خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـ?هُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:2] .
حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا ترى الإنسان فيها مخبرا ألفيته خبرا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
ولكن من رحمة الله أن جعل الإنسان قادرًا على أن يخفف من حزنه، وهمه وغمه، فلا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون الله هو إلهه وفاطره وحده، وأن يكون معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه فيحقق قول الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ، ليكون من المؤمنين الذين قال الله عنهم: ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ?للَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ?للَّهِ تَطْمَئِنُّ ?لْقُلُوبُ [الرعد:28] ، وقال: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ?للَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ?لْبُشْرَى? فِي ?لْحَيو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ?للَّهِ ذ?لِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [يونس:62-64] ، فالمؤمن بالله الراضي بقضاء الله الصابر على أقدار الله القانع بما قسم الله: في سعادة وأي سعادة. قال الحسن البصري: والله لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف. وقال غيره: إني لتمر عليّ أوقات أقول: لو أن أهل الجنة على مثل ذلك إنهم لفي عيش طيب.
لم ترد.