الرقاق والأخلاق والآداب
الزهد والورع, الفتن
داود بن أحمد العلواني
جدة
الأمير منصور
1-فتنة هذه الأمة في المال والنساء. 2- التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها. 3- مثلان نبويان للمفرط في الدنيا والمقتصد فيها. 4- الأرزاق مكتوبة فأجملوا في الطلب.
الحمد لله الذي خلق للعباد دارين: دار عمل واختبار، ودار جزاء وثواب، أحمده تعالى الكريم الجواد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله الهادي إلى صراط مستقيم، الداعي إلى سعادة الدارين، صلوات الله عليه وسلامه وعلى سائر النبيين ومن اقتفى آثارهم إلى يوم الدين، وعنّا معهم بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله، واعلموا الغاية التي من أجلها خلقتم، واعرفوا ماذا تصيرون إليه إذا مُتم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين هم؟ وكيف كانوا؟ وأين هم اليوم الملوك الذين كانوا؟! ملكوا أو حكموا وتصرفوا وأدنوا وأبعدوا، وما هي إلا حياة قليلة، فيسألون عما فعلوا، أثاروا الأرض وعمروها.
والسعيد ـ عباد الله ـ من اتعظ بغيره، فتفكروا في هذه الدنيا وأحوالها وتقلباتها تجدوها غرورًا وباطلًا ولهوًا كما قال تعالى: وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] ، وقال النبي: (( إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) ) [1] ، وفي حديث آخر عن رسول الله صلى عليه وآله وسلم قال فيه: (( كانت فتنة بني إسرائيل في النساء، وفتنة أمتي في الأموال ) )، وفي حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه: (( ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء ) ).
فهذا هو مثل الدنيا يا عباد الله، كالزهرة الفتانة تستهوي النفوس وتستميل القلوب بخضرتها ونضارتها، ولكنها ما تلبث أن تذبل وتموت، وصدق الله العظيم إذ يقول: وَ?ضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَـ?هُ مِنَ ?لسَّمَاء فَ?خْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ?لأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ?لرّياحُ وَكَانَ ?للَّهُ عَلَى? كُلّ شَىْء مُّقْتَدِرًا ?لْمَالُ وَ?لْبَنُونَ زِينَةُ ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?لْبَـ?قِيَاتُ ?لصَّـ?لِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:45، 46] .
عباد الله، إن جميع ما في الدنيا من الخضرة والبهجة سراب، وسرعان ما تتقلب أحواله، ثم يصير حطامًا يابسًا، وكذلك ابن آدم وسائر الكائنات والمخلوقات، حالها كحال نبات الأرض، تنقلب من حال إلى حال. فلا تغتر ـ أخي المسلم ـ بشبابك فإنه سينقلب إلى الهرم، ولا تغتر بصحتك فستنقلب إلى السقم، ومن ثم المآل إلى العدم، ثم ترجعون إلى الله جل وعلا كما قال الله تعالى: وَ?تَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ?للَّهِ [البقرة:281] .
ومن أجل هذا ـ عباد الله ـ فإن مرشدنا ونبينا قد حذرنا من الاغترار بالدنيا وزخارفها ومفاتنها وبهجتها، وكرر التحذير كثيرًا من هذه الدنيا، وكان كل ما يخافه علينا السقوط في شباكها والافتتان بها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( والله، ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ) ) [2] .
هذه هي حقيقة الدنيا يا عباد الله، فكيف يليق بالعاقل أن يجعلها أكبر همه فيشغل قلبه وفكره وجسمه في الحصول عليها، وهو غافل لاه عن آخرته، وعن الغاية التي خلقنا الله من أجلها فقال جل ذكره: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ؟!
إن العاقل ـ عباد الله ـ الذي يأخذ من الدنيا بلا شره ما يوصله إلى الدار الآخرة ويقويه على طاعة الله، وتكون الدار الآخرة هي همه وشغله الشاغل كما قال تعالى: وَ?بْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ?للَّهُ ?لدَّارَ ?لآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ?لدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ?للَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ?لْفَسَادَ فِى ?لأرْضِ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يُحِبُّ ?لْمُفْسِدِينَ [القصص:77] .
وبهذا فسر السلف الصالح متاع الغرور، فقال سعيد بن جبير:"متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك فليس متاع الغرور، ولكنه بلاغ إلى ما هو خير منه"، وقال بعضهم:"كل ما أصبت من الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ما أصبت منها تريد به الآخرة فليس من الدنيا".
عباد الله، انتبهوا من رقادكم، فإن الرحيل عن الدنيا قريب، ولم يبق من دنياكم إلا اليسير، وعلامات الساعة تتوالى بالظهور معلمة ومؤذنة لنا ومنبّهة لنا بأن نتقيَ الله جل وعلا، ولنحذر من سخطه وعقابه، ولنعلم يقينًا لا شك فيه أن الدنيا قد أدبرت وولت، وأن الآخرة قد أقبلت، فكونوا ـ رحمكم الله ـ من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فَأَمَّا مَن طَغَى? وَءاثَرَ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا فَإِنَّ ?لْجَحِيمَ هِىَ ?لْمَأْوَى? وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى ?لنَّفْسَ عَنِ ?لْهَوَى? فَإِنَّ ?لْجَنَّةَ هِىَ ?لْمَأْوَى? [النازعات:37-41] .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] رواه مسلم في الذكر، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء (2742) .
[2] رواه البخاري في الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (7/172) ، ومسلم في أول كتاب الزهد (2961) .
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
أما بعد: عباد الله، جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي قال: (( إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض ) )، قيل: ما بركات الأرض؟ قال: (( زهرة الدنيا ) ), قال رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فسكت رسول الله حتى ظننت أنه سينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه وقال: (( أين السائل؟ ) )قال: أنا، قال: (( لا يأتي الخير بالشر، وإن كل ما ينبت الربيع يقتل حَبَطًا أو يُلم إلا أكلة الخَضِر، فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترت وثَلَطَت وبالت، ثم عادت فأكلت، وإن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنِعمَ المؤونة هو، وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة ) ) [1] .
عباد الله، اسمعوا واعقلوا، فإن في هذا الحديث الشريف مثلين:
أحدهما للمفرط في جمع الدنيا المغرور ببهجتها ومنظرها، فهو يقبل عليها كالدواب، تقبل على نبات الربيع الأخضر، فترعى وتكثر من الأكل منه أكثر من قدر حاجتها لاستطابتها إياه، فتنتفخ بطونها فتنشقق أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تمرض وتقارب على الهلاك، فهذا مثل من يأخذ من الدنيا بشرَهٍ وجوع نفس، غير مكترث أمِن حلال أم من حرام، فيؤدّي لهلكتِه، لا يفرق بين ما أحل الله له وبين ما حرم الله عليه، همه جمع الدنيا الفانية، فالحلال عنده ما حلَّ في يديه، والحرام عنده ما تعذّر أخذه وحصوله عليه.
وأما المثل الآخر في الحديث فهو للمقتصد في الأخذ من الدنيا والانتفاع بها والاستعانة بها على طاعة الله تعالى وعمل القربات، فهو يأخذ من الدنيا بحقها ومقدار حاجته، سائلًا الله أن ينزع حبها من قلوبنا ولا يخليها من أيدينا، فإذا نفد واحتاج عاد للأخذ قدر الحاجة بحقها، وهكذا ما يبلغه مدة حياته ويعينه على التزود لآخرته، وهمه الأكبر هو الآخرة.
فيا عباد الله، اتقوا الله، واعلموا أن رزق الله لا يجره حرص حريص، كما أنه لا ترده كراهيته كاره، فأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله.
فاتقوا الله تعالى وراقبوه، وتذكروا دومًا أقوال نبيكم ومعلمكم الخير وداعيكم ومرشدكم إلى الخير، فقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( إن روح القدس نفث في رُوعي أن لا تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ) ).
واعلموا أن الحياة كتاب مؤجل، واللحظات محدودة، والأنفاس معدودة، لهذا أمرنا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن نتّقي الله وأن نتجمّل في طلب الكسب الحلال وأن نجمل في الطلب.
[1] رواه البخاري في الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (7/172) ، ومسلم في الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زينة الدنيا (1052) .