الإيمان
الله عز وجل
محمد بن مبارك الرشدان
الخبر
الجامع الكبير
1-صورة من عظمة الخالق يوم القيامة. 2- الله ملجأ كل مكروب ومهموم. 3- سعة رحمة الله وعطائه وإجابته عباده. 4- قراءة القرآن تزيد العبد معرفة بربه. 5- معرفة الله التي نطمع فيها.
أيها المسلمون، حديثي معكم في هذه الخطبة عن الله الجليلِ العظيم، الملكِ العزيز الحكيم، وَهُوَ ?لَّذِى فِى ?لسَّماء إِلَـ?هٌ وَفِى ?لأَرْضِ إِلَـ?هٌ وَهُوَ ?لْحَكِيمُ ?لْعَلِيمُ [الزخرف:84] ، فلمن خرجنا للصلاة؟ ولمن حججنا وصمنا؟ ومن ندعو ونرجو رضاه؟ ألا ينبغي علينا أن نتعرّف على خالقنا ورازقنا سبحانه؟ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:70] ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية:36، 37] .
حديثي معكم ـ يا إخواني ـ عن العظمة، وأي عظمة أكبر من عظمة الله جل جلاله، عظمة الله عندما ضعفت في قلوب المسلمين عصوه وأشركوا به وطلبوا الرزق من غيره سبحانه وتعالى!!
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67] ، وَمَا قَدَرُواْ ?للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91] ، أي ما عظموه حق تعظيمه. جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنا نجد أن الله عز وجل يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع، فيقول: أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَمَا قَدَرُواْ ?للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ?لاْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ [الزمر:67] ، الآية ورواه البخاري، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
ثم بين سبحانه شيئًا من عظمته وقدرته فقال: وَمَا قَدَرُواْ ?للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ?لاْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَ?لسَّمَـ?و?تُ مَطْوِيَّـ?تٌ بِيَمِينِهِ. فالأرض كلها بما فيها من البحار والأنهار والجبال والخلق؛ كلها بما فيها يقبضها الله بيده ـ سبحانه ـ يوم القيامة، وكذلك السموات على عِظمها وسعتها مطويات بيمينه؛ فلا إله إلا أنت ـ سبحانك ـ ما أعظمك!!: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104] [1] .
روى أبو داود أنّ الله: يطوي السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأراضين السبع، ثم يأخذهن بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون. أخرجه مسلم.
فسبحانك يا ربنا ما أعظمك وما أحلمك على من عصاك!! سبحانك ما عظّمناك حق عظمتك، وما عرفناك حق معرفتك.
لو علم العباد ما لله من العظمة ما عصوه، ولو علم المحبون ما لله من الجمال والكمال ما أحبُوا غيره، ولو عرِف الفقراء غنى الربِ سبحانه ما رجوا سواه، فسبحانه جلّ في علاه هو سلوة الطائعين، وملاذ الهاربين، وملجأ الخائفين.
أمام بابك كل الخلق قد وقفوا وهم ينادون: يا فتّاح يا صمدُ
فأنت وحدَك تعطي السائلين ولا تردُّ عن بابك المقصودِ مَن قصدوا
والخير عندك مبذول لطالبه حتى لمن كفروا، حتى لمن جحدوا
إن أنت يا رب لم ترحم ضراعتهم فليس يرحمهم مِن بينهم أحدُ [2]
من علّق نفسه بمعروف غير معروف الله فرجاؤه خائب، ومن حدّث نفسه بكفاية غير كفاية الله فحديثه كاذب، لا يغيب عن علمه غائب، ولا يعزُب عن نظره عازب، وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ?لأرْضِ وَلاَ فِى ?لسَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذ?لِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس:61] .
إليك وإلا لا تُشد الركائب ومنك وإلا فالمؤمل خائب
وفيك وإلا فالغرام مضيع وعنك وإلا فالمحدِث كاذب
سبحانه كل يوم هو في شأن، يغفر ذنبًا، ويفرّج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين، يحيِ ميتًا، ويميت حيًا، ويجيب داعيًا، ويشفي مريضًا، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، سبحانه كل يوم هو في شأن.
سمع نداء يونس في الظلمات، واستجاب لزكريا فوهبه على الكبر يحيى هاديًا مهديًا، أزال الكرب عن أيوب، وألان الحديد لداود، وسخر الريح لسليمان، وفلق البحر لموسى، وشق القمر لمحمد، ونجى هودًا وأهلك قومه، وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.
إنه الله ذو العظمة والكبرياء، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى? وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ ?لزَّوْجَيْنِ ?لذَّكَرَ وَ?لأُنثَى? مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى? وَأَنَّ عَلَيْهِ ?لنَّشْأَةَ ?لأُخْرَى? وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى? وَأَقْنَى? وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ?لشّعْرَى? وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا ?لأُولَى? وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى? وَقَوْمَ نُوحٍ مّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى? وَ?لْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى? فَغَشَّـ?هَا مَا غَشَّى? فَبِأَىّ ءَالآءِ رَبّكَ تَتَمَارَى? [النجم:43-55] .
إنه الله الرحيم الودود، من تقرب منه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب من باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، فبابه مفتوح ولكن من الذي يدخل!.
من أقبل عليه تلقاه من بعيد، ومن أعرض عنه ناداه من قليب، ومن ترك من أجله أعطاه فوق المزيد، أهل ذكره هم أهل مجالسته، وأهل شكره هم أهل زيادته، وأهل طاعته هم أهل كرامته، وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته؛ إن تابوا إليه فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو رحيم بهم، يبتليهم بالمصائب ليرجعوا إليه، الحسنة عنده بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة عنده بواحدة، فإن ندم عليها واستغفر غفَرها له، يشكر اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل: قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الزمر:53] .
نفعني الله وإياكم..
[1] انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لإبن عثيمين (3/ 285) .
[2] انظر: مع الله للعفاني (ص132) .
أيها المسلمون، من أراد أن تزيد معرفته بربه وخالقه؛ فعليه الإكثار من قراءة كتابه العزيز، فإن القرآن كلامه، وفيه صفته، وهو أعلم بنفسه، ولا نحيط به علمًا سبحانه، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْبَصِيرُ [الشورى:11] .
اقرأ كتاب الله وتأمل فيه؛ تجد فيه صفات الرب سبحانه؛ ملك له الملك كله، أزمة الأمر كلها بيده، مستويًا على سرير ملكه لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته، عالما بما في نفوس عبيده، مطلع على أسرارهم وعلانيتهم، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.
تأمل في كتاب الله تجده سبحانه يثني على نفسه، ويمجد نفسه، وينصح عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بالنعم، فيذكرهم بنعمه عليهم ليشكروه، ويحذرهم من نقمه، ويذكرهم بما لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن هم عصوه، ويخبرهم بصنيعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء [1] .
والمقصود من معرفة الله ـ يا إخواني ـ المعرفة التي توجب الحياء من الله، والخوف منه، والإقبال عليه، وليس المقصود من معرفة الله الإقرار بوجوده، فهذا يعرفه كل الخلق جنهم وإنسهم، مؤمنهم وكافرهم، حتى البهائم تُقر بوجود سبحانه، إنما نقصد من العلم بالله العلم الذي يورث الخشية والعمل؛ كما قال تبارك وتعالى عن العارفين به: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] .
إخواني، إن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يُزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يُذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يُطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه وقدره، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له.
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضَاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خرَاب
إذا صح منك الود يا غاية المنى فكل الذي فوق التراب تراب
[1] انظر: فوائد لابن القيم (ص58) .