الرقاق والأخلاق والآداب
أمراض القلوب
بهجت بن يحيى العمودي
الطائف
الأمير أحمد
1-أعراض مرض الهم والحزن في حياة الناس. 2- تخبط الكثيرين في علاج هذه الظاهرة. 3- أسباب ضيق الصدر كما ذكرها القرآن. 4- العلاج الناجح لهذا المرض وتلك الظاهرة.
إخوة الإيمان، إننا اليوم بصدد علاج مرض من الأمراض ومشكلة من المشاكل ووباء من الأوبئة يجعل الحياة موتًا, والدنيا نكدًا وهمًا، واللذة تعاسة، وتصير الأرض الواسعة ضيقة بما رحبت على أهلها.
أما أعراضه، فالهم والغم. آهات وأنّات. كدر وملل. تفجر وصخب. تعاسة وقلق، كره وبغضاء للنفس ومن حولها. ترى ما هو هذا المرض الذي هذه أعراضه.
إنه مرض ضيق الصدر، يبدأ البدن بالاضطراب، ويضيق الصدر يريد الخلاص من النفس. هذه النفس التي يوجد بها فراغ لا يدري كيف يملؤه، بها وحشة لا يدري كيف يزيلها. بها هموم وآلام لا يدري كيف يبعدها.
فيمضي المسكين وقته بالبكاء الحار. والنحيب المر، ويقضي حياته بالسفر والهروب والتمرد على الأهل والمجتمع، وينتهي به المطاف إلى الأرصفة والدخان والمخدرات ثم الانتحار.
وهذا كله استعانة بشياطين الجن والإنس، يبغي بذلك حلًا لهذه المشكلة وعلاجًا لهذا المرض، ولكن نقول له: لقد أخطأت في العلاج.
إن المتأمل ـ يا عباد الله ـ في حال مثل هؤلاء يجد أن المرض يبدأ بقطع الصلة بينه وبين الله سبحانه وتعالى. لا يصلي، وإن صلى ففي الجمع والأعياد، هائم على وجهه في هذه الأرض، فرح بشبابه، متسكع مع أحبابه، تناسى أحزانه، يغني للدنيا أعذب الألحان وينشد فيها أجمل الكلمات، يدخل بيته كالذئب المفترس، ويخرج من بيته والشياطين تطير أمام عينيه، بعيد كل البعد عن منهج الله عز وجل وطريق رسوله صلى الله عليه وسلم، معرض عن ذكر الرحمن، مقبل على ذكر الشيطان، ومن هنا أحبتي تبدأ المشكلة.
عباد الله، لكل شيء سبب، فما هو سبب ضيق الصدر؟!
أخبرنا بذلك ربنا جل في علاه بقوله: فَمَن يُرِدِ ?للَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـ?مِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ?لسَّمَاء [الأنعام:125] .
سبحان الله!! ما أعظم هذه الآية، أين الحيارى ليجدوا سبب مشاكلهم؟ أين التائهون المكتئبون ليعلموا سبب مرضهم؟
ثلاث صفات، وصف الله بها الصدر البعيد عن هداية الله.
ضَيّقًا: أي مغلق، مطموس، لا يتسع لشيء من الهدى.
حَرَجًا: لا ينفد فيه الإيمان والخير، فهو يجد العسرة والمشقة في قبولهما
كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ?لسَّمَاء: أي أن حال هذا الصدر: كأنما يصعد بصعوبة وباستمرار في طبقات السماء، فينقص عنه الهواء، فيضيق، فيزداد ضيقًا، حتى لكأنه يختنق، وهذا هو الذي يشعر به الشخص، ضيِّق الصدر. هذا هو الذي يحسه الإنسان الذي تتخطفه الهموم والآلام والقلق والحيرة.
فهو يشعر بأن روحه تصعد ويحس أنه في سجن وأن صدره في ضيقًا.
إذًا فالسبب الأول هو البعد عن الهداية الربانية، يقول الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] .
إن الذي يعرض عن ذكر الله ويخالف أمر الله، ويخالف أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ستصبح معيشته وحياته ضنكًا ضيقة.. مليئة بالهموم والآلام والفراغ وضيق الصدر، ولو كان الشخص في عنفوان شبابه، يملك من الأموال الكثير، ومن الأرض الكثير ومن الأصدقاء الكثير، ثم أعرض عن ذكر الله فسيصيبه الكدر وضيق الصدر وسترى معيشته وحياته ودنياه ضنكًا، ستضيق به الأرض بما رحبت، لن ينفعه أمواله، لن يحمل أصدقاؤه هذا الهم من قلبه وصدره، لن يخففوا عنه، لن تسعه أرضه وإن كثرت وامتدت.
لماذا وهو الشاب؟ لماذا وهو الغني؟ كيف حدث له ضنك العيش هذا؟! لأنه أعرض عن ذكر الله، فسيرى معيشته ضنكًا عقوبة من الله.
حدث له ضنك العيش، وضيق الصدر لأنه قاسي القلب، لا يتأثر بالآيات والمواعظ. منكب على الدنيا، يجري خلف الشهوات، ويلهث وراء المنكر، وكل همه اللذائد والموبقات، لا يقر له قرار، فمن ذنب إلى معصية، ومن صغيرة إلى كبيرة.
يمل من اللذة فينتقل إلى غيرها.. يبحث عن السعادة في الفيلم والأغنية والمجلة والكرة والنكتة والطرفة.. يعيش في تعاسة، لا يخاف من الموت وأهوال الحساب وكرب القيامة. غافل عن الله متقاعس عن الخير، في وجهه ظلمة، عكستها ذنوبه وروحه المظلمة.
وبعد أحبتي، جاء دور العلاج لهذا المرض الفتاك الخطير على النفس المسلمة؟ يقول تعالى: وَنُنَزّلُ مِنَ ?لْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ?لظَّـ?لِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا [الإسراء:82] .
فما الطريق إلى شرح الصدر وإبعاد الملل والكدر عنه؟
يجيب عن هذه الأسئلة الذي خلق أنفسنا ويعلم ما يصلحها ويفسدها.
يقول الله عز وجل: فَمَنِ ?تَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى? [طه:123] ، من اتبع الله فلن يضل، ولن يشقى، ولن يتخبط في القلق والاكتئاب والحيرة والفراغ، ولن يشعر بالكدر وضيق الصدر أبدًا. وكيف يضيق صدره وهو يسير على منهج الله متبع لهدى الله.
ويقول الله تعالى: ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ?للَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ?للَّهِ تَطْمَئِنُّ ?لْقُلُوبُ [الرعد:28] ، فالعلاج الثاني هو (( ذكر الله ) )على كل حال، ويعلّق القلب به في كل حين، فتسبيحه وتذكره في كل وقت. فبذكر الله تدفع الآفات، وتكشف الكربات، وتغفر الخطيئات، وبذكر الله تطمئن القلوب الخائفة وتأنس الصدور الوجلة. وكيف لا تطمئن هذه القلوب وهي متصلة بالله خالقها مستأنسة بجواره، آمنة في جنابه وحماه، فتذهب عنها تلك الوحشة، ويبتعد ذلك القلق، وتفرج تلك الهموم ويزول ذلك الضيق.
ويقول الله عز وجل: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ ?لسَّـ?جِدِينَ وَ?عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ ?لْيَقِينُ [الحجر:97-99] .
أما العلاج الثالث فهو الإكثار من النوافل بعد الفرائض، فهي تجعل روحك متصلة بالله تعالى. وتجعل قلبك ذاكرًا له عز وجل، صلِّ الصلوات الخمس مع سننها، صم النوافل: كالأيام البيض والإثنين والخميس، قم شيئًا من الليل، وناج ربك وخالقك، واطلب منه ما أردت، أكثر من قراءة القرآن، واحفظ منه ما استطعت، جاهد نفسك حتى تنهض لصلاة الفجر، صلِّها وداوم عليها ثم انظر إلى نفسك، ماذا سيطرأ عليها ؟ ستشعر بحلاوة، وزيادة إيمان، تحسه في قلبك. في اتساع صدرك. تجده في هدوء نفسك.
ونأخذ من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم شفاءً ودواءً لهذا المرض وطمأنينة للقلب وأنسًا للنفس قال صلى الله عليه وسلم: (( ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا ) ).
الحمد لله ولي المتقين والصلاة والسلام على قائد الغر الميامين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أخي الحبيب، ارفع يديك إلى الله مولاك كلما شعرت بضيق، ارفع يديك وادع بما شئت، اشك بثك وحزنك إلى الله، اترك دموعك تسيل على خديك، لتخرج ما في نفسك من ضيق وهم وألم.
آخر علاج لهذا المرض هو اختيار الرفقة الصالحة الطيبة الذين يسيرون على منهج الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اترك رفاقك الأولين، ابتعد عنهم، ولا تقترب منهم، وعش مع هذه الرفقة الصالحة، تشعر بطعم الحياة حقًا، وتحس بحلاوة الإيمان صدقًا، عش معهم.. ثم انظر إلى نفسك بعد فترة، انظر إلى حالك انظر إلى صدرك، تجده قد اتسع بعد الضيق، تجده قد استقر بعدما كان يصّعّد في السماء، تجده قد غسل تمامًا، عندها ستجد للطّاعة لذة وللحياة هدفًا، عش معهم، وتذكر ذلك الذي قال الله تعالى فيه: كَ?لَّذِى ?سْتَهْوَتْهُ ?لشَّيَـ?طِينُ فِى ?لأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَـ?بٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ?لْهُدَى ?ئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ?للَّهِ هُوَ ?لْهُدَى? وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [الأنعام71] .
أخي الحبيب، يقول الله تعالى: وَ?لَّذِينَ ?هْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءاتَـ?هُمْ تَقُوَاهُمْ [محمد:17] ، ويقول عز وجل: إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ?لرَّحْمَـ?نُ وُدًّا [مريم:96] .
وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَو?ةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل:97] .
أخي الحبيب، قارن بين هذه الحياة السعيدة الطيبة، وبين حياة البعيدين عن منهج الله.
قارن بين المستقيمين الصالحين الطاهرين، وبين الحائرين التائهين، التعساء الأشقياء المليئين بالشك والهموم والقلق، وضيق الصدر.
أولئك الحيارى.. الذين يمثلهم شعر ذلك الشاعر الذي يقول:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت
وسأبقى سائرًا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت، كيف أبصرت طريقي.. لست أدري
بئس الحياة، وبئس العيش، وصدق الله إذ قال في مثل هؤلاء أَرَءيْتَ مَنِ ?تَّخَذَ إِلَـ?هَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَ?لاْنْعَـ?مِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:43، 44] .
أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـ?هُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ?لنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ?لظُّلُمَـ?تِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا كَذَلِكَ زُيّنَ لِلْكَـ?فِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:122] .
أما لسان حال المؤمن التقي الراجع إلى ربه فيقول:
أنا لست إلاّ مؤمنًا بالله في سري وجهري
أنا نبضة في صدر هذا الكون كيف يضيق صدري؟
أنا نطفة أصبحت إنسانًا فكيف جهلت قدري؟
ولم الترفع عن تراب منه يكون قبري
إني لأعجب للفتى في لهوه، أو ليس يدري؟
أن الحياة قصيرة، والعمر كالأحلام يسري.
وصلو وسلموا..