فهرس الكتاب

الصفحة 3211 من 5777

الحرب بين الحقائق والمبادئ والمواقف

العلم والدعوة والجهاد

المسلمون في العالم

علي بن عمر بادحدح

جدة

سعيد بن جبير

1-بعض الحقائق التي أكدتها الحرب على العراق: مخالفة للقانون الدولي، جريمة إنسانية، مقصلة الديمقراطية، صفقة أسلحة، عقائد البعث. 2- مبادئ ينبغي أن تحكم المواقف والمنطلقات. 3- حكم الإسلام في هذه الحرب. 4- توجيهات لا بد منها في هذه الأزمة.

المقدمة: موضوع يهمنا جميعًا الحديث عنه اليوم، لا حديث للناس إلا هذه الحرب الجائرة الظالمة، هي شاغلة وسائل الإعلام، وهي موضوع حديث الناس والمجتمعات، ومنبر الجمعة، لا يغيب عن ذلك، مع أنه أنزه من الألاعيب السياسية، وأصدق من الأضاليل الإعلامية، وأرفع من المساومات الاقتصادية المالية، وأشمل من النظرات الجزئية، وأحكم من الاندفاعات العاطفية، وأقرب إلى النصوص الشرعية، وألصق بالمصالح، فحديثه في مثل هذه الأمور ينبغي أن يحوز هذه الصفات المهمة، وأن لا تكون رغبات الناس في حديث عاطفي أو اندفاع وارتفاع صوتي، كأنما نحن مرة أخرى لا نعي الدروس، ولا نفقه الحقائق، ولا نعتصم بالمبادئ.

الحقائق: ونبدأ بالحقائق، لأن معرفتها أساس فيما ينبني عليه ما يبنى عليها من الأحكام، وخاصة أن الحقائق مضطربة، وأنها مزيفة، وأنها مغلفة بأطنان من الأكاذيب، والأحابيل السياسية، والمغالطات الإعلامية، حرب أمريكا وبريطانيا ومن لف لفهما على العراق، حقيقتها هذه الجوانب التي نوجزها، والحديث والمقام يقصر عن الاستيعاب:

1-مخالفة قانونية: وقد أصموا آذاننا بالشرعة الدولية والقوانين العالمية والمرجعية الدولية وغير ذلك، فأين هي اليوم من أفعالهم؟ التي يعلم الجميع أنهم قد فشلوا في أن يجدوا لها مظلة أو نسبًا أو سببًا أو رابطًا لمجلس الأمن بمواده المختلفة أو غير ذلك، ويزعمون كذلك أن هناك دولًا عديدة تؤيد هذا المسار، وتقتنع به، وتشارك فيه، ولم نسمع أسماءها، ولم نعرف من أحوال من هو معروف منها، إلا أنه سار بعصا الإرهاب الأمريكي، أو بالعطاء الموعود من أمريكا.

ثم نرى بعد ذلك ما يزيفونه ويغيرونه ويلبسونه على الناس جميعًا، وحتى على شعوبهم وجنودهم كذلك.

جنرال أمريكي يخاطب قبل يومين جنوده فيقول: إن أسمائكم ستكتب بالذهب في لائحة الذين ساعدوا العراق على العودة إلى الأمم المتحدة.

وأظننا لا نحتاج إلى إفاضة في الأحاديث، التي ربما تسمعونها في المقالات والمداولات والمحاورات السياسة، ولكنني أنتقل في ومضات سريعة إلى عهد قريب وليس بعيدًا، لنرى كيف أن هذه الدول التي ترغي وتزبد في هذه الناحية القانونية كيف أنها قد خالفتها مرارًا وتكرارًا.

وما قالوه عن حق النقض هو حق من حقوق الظلم والبغي، قد استخدمته أمريكا أكثر دولة في العالم وأعلى نسبة، لصالح دولة البغي والكيان الصهيوني الغاصب في أرض الإسلام في فلسطين، حتى في مجرد ألفاظ فيها إدانات وكلمات، كان الفيتو لها بالمرصاد، حتى في لجان تقصي الحقائق والبحث عن الوقائع، كان لها هذا الفيتو بالمرصاد.

وقريب من ذلك أيضًا نرى الصيغة القانونية العجيبة الفريدة، التي ليس لها مثيل في العالم، في الأسرى الذين أسرتهم أمريكا، ولم توجه لهم تهمة، ولم تعرف لهم قضية، ولم ترفع لهم حقًا قانونيًا ولم تشرع لهم حقًا إنسانيًا ثم تقول بعد ذلك: إنها ترعى القوانين، وإنها إنما تهدف إلى مثل هذه الرعاية.

2-جريمة إنسانية: لأن الذي سمع بعضًا، أو قرأ بعضًا مما يقولونه عن الأسلحة وآثارها الإنسانية والبشرية، وآثاراها على البيئة والأرض والجو والبحر، لعلم أن طغيان القوم وإجرامهم بالغ مبلغًا لا تتصوره كثير من العقول، ولا تكاد تدركه، وقد قال ذلك خبراء منهم بألسنتهم، ومن قوادهم ومشاريكيهم في هذه الجوانب العسكرية، وأن الأرض تتأثر بما يكون من هذه الأسلحة التي فيها، بعض من الإشعاعات، ليس لمدة عشرات ولا مئات ولا آلاف من السنين، بل أكثر من ذلك.

ويقولون بعد هذا كما صرح هذا الجنرال الأمريكي: نقول إننا نعمل بكل جهد لكي نضمن أمرين: أقل دمار جماعي شامل ـ وهذا من فضل الله أن تعبيراتهم تدينهم (أقل دمار جماعي شامل) إذًا ثمت دمار جماعي شامل وهو يهدف إلى تقليله ـ ثم يقول: الأمر الثاني أن يقدر العراقيون الدخول في عصبة الأمم المتحدة متى استطاعوا، ويقول: نريد تفادي وقوع خسائر بشرية، وليس عندنا شيء ضد شعب العراق، مشكلتنا مع النظام، ولا نناقش هذا ولا ندخل في تكذيبه ولكننا نستدعي الأحداث القريبة.

ما الذي جرى في أفغانستان؟ وأين ذهبت القنابل الذكية؟ ألم تقع فوق رؤوس الناس وهم في الاحتفالات والأعراس؟ ألم تقع الأخطاء حتى قتلوا من جنود الحلفاء من قتلوا؟ ألم تكن كمية القنابل التي ألقيت ـ باعترافهم ـ تعادل أكثر مما ألقي في الحرب العالمية الأولى والثانية مجتمعة؟ ثم ماذا بعد ذلك؟ كلنا سمع وعلم ماذا جرى باستخدام لأسلحة اليورانيوم المنضب في بلاد المسلمين، في البوسنة والهرسك وحرب الخليج التي سبقت، ما زالت أثار الأمراض والتشويهات الخلقية حتى في بعض جنودهم، فضلًا عن أبناء العراق، والأجنة المشوهة، والأطفال المشوهين من آثار هذه الجرائم العظيمة، للدولة العظيمة في طغيانها وبغيها.

3-مقصلة الديمقراطية: الديمقراطية الدين الجديد الذي يبشرون به، ما هو؟ وأين هي؟ أين هي من هذه الجموع الحاشدة، ليس في بلاد العرب، ولكنها في بلاد أوربا وأمريكا، وهي تعارض وتقول إن الديمقراطية التي هي رأي الشعب، قد سُحقت ومحقت وأحرقت على أصوات هدير المدافع وقصفها ونيرانها.

ونعلم أن بعض الدول المشاركة، نسبة المعارضين فيها من الشعب تزيد على 85 في المائة، واليوم وبالأمس القريب بل بالأمس على وجه التحديد تعتقل الشرطة الأمريكية المتظاهرين ضد الحرب وغير ذلك.

وأعجب منه أنهم اعتقلوا اعتقالًا احتياطيًا ـ كما يزعمون ـ المتقدمين لطلبات اللجوء في أمريكا، لأنهم يشكلون خطرًا، كان من ضمن الاحتياطات اعتقالهم، وقال المسؤول: إنه اعتقال مؤقت ومعقول وحذر، ولا نعلق على ذلك.

ونعود مرة أخرى إلى أفغانستان، أين ديمقراطيتها؟ وأين عمرانها بعد خرابها؟ وأين مساعداتها الاقتصادية، وأين رخاؤها ورغد عيشها؟ وأين أمنها وأحوالها؟ إن العاقل يفكر في واقع منظور مرئي مسموع، وقد أهين رئيسها في معقل البلد التي جاءت به، حتى اضطروا إلى الاعتذار له، لأنه عومل معاملة مهينة مشينة.

ثم ماذا؟ ما الذي صنعوه؟ وما الذي يصنع هناك؟ لم نسمع إلا عن جمعيات نسائية، وصوالين تجميل نسائية، ومسرح للثقافة كما يقولون، وغير ذلك من المجلات وغيرها، وهذا هو الذي يقدمونه نموذجًا لما يريدونه.

ونحن نقول يريدون حرية المرأة على أهوائهم، لا دينهم رجعوا إليه، ولا قوانينهم التزموا بها، ولا إنسانيتهم راعوها، ولا ديمقراطيتهم طبقوها، ثم بعد ذلك يقولون: إن هذا حق مشروع، وإنه عمل ممدوح، وإنها غاية ستكون وردية الألوان وضيئة القسمات، مشرقة الأضواء.

من يصدق هذا، إلا إذا صدقنا أن الذئب يرعى الغنم، ويغذيها ويحميها، ويمنعها مما يضرها ويؤذيها.

4-صفقة تجارية: واضحة المعالم للمزيد من عقود الأسلحة، ومزيد من عقود الإنشاء وغير ذلك، وهي الإرهاب بعينه، وهي الاستغفال بعينه، ولكن ذلك له أيضًا جذور فكرية، فإن القوم في تكوينهم الفكري والعقلي وحضارتهم المعاصرة، قائمون على الاستعلاء والنظرة الدونية للأمم والشعوب، وإن روجوا غير ذلك، وإن حقيقة ساساتهم وقيادتهم كذلك.

هذا الرئيس الأمريكي الأسبق أو السابق"روز فيلت"يقول: بالحرب فقط يمكننا اكتساب الرجولة الممكنة، للفوز في الصراع الذي يسود الحياة.

والمارشال"فون"يقول: إن أعظم فضائل الإنسان تولد في الحرب، وإن السلام الدائم يؤدي إلى الترهل والفساد والانحلال.

إنهم ينشؤون على هذا البغي والعدوان، والهيمنة والسيطرة والتحكم، وذلك في فكرهم، وما صِدام الحضارات وصراعها ببعيد.

ويقول الجنرال العسكري بالأمس القريب: سيقوم عنصر المفاجآت في هذه الحرب من خلال الهجوم بطريقة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، من حيث السرعة والدقة، والخطط التي لدينا الآن لم ير أحد مثلها قط.

غرور وعنجهية ونوع من التعالي، الذي يدلنا على حقيقة هذه المنطلقات، وكما قلت: إن مقامنا ليس مقام تحليل لهذه المعاني، ولكنه بيان للحقائق.

فكل الذي يقال في أكثره هراء وكذب، لا نكذبه نحن بأقوالنا، ولا ندحضه بآيات كتاب ربنا، ولا بأحاديث رسولنا ، وهي التي تقيم الحق والعدل والإنسانية، وكل المعاني الفاضلة على الوجه الصحيح.

ولكننا نقولها بقوانينهم وبشرائعهم، ونقولها من واقعهم القريب قبل البعيد، وما أدراك ما البعيد؟ من الذي دمر المدن في اليابان بالقنابل الذرية؟ ومن الذي قتل في حربه ثلاثة ملايين في أرض الفيتنام؟

وهذه أمور وحقائق تقابلها حقائق أخرى، لا بد من معرفتها، فإنه لا بد من نظرة شاملة ، نعم عدوان إجرامي إرهابي ليس له أساس قانوني، لكنه في الوقت نفسه وفي المقابل لا نحتاج إلى أن نغفل عن:

5-أن البعث في عقائده كفر صريح: وأن قيادته قد كان لها تاريخ قريب غير بعيد في ذات الجرائم، قتلًا وتدميرًا ونفيًا وتشريدًا، فلسنا إذ ندافع عن العراق ندافع عن البعث بكفره، ولا عن أولئك المجرمين ببغيهم وعدوانهم.

لكن ذلك لا يبرر ذلك، بل الآخر أكبر من الأول، وكليهما وبال، ولكنا ندرك ذلك ـ أيضًا ـ من حقائق الواقع، وليس من قضايا العاطفة، وليس كذلك من الغوغائية التي تقول: إننا نفدي فلانًا وفلانًا، ولا فداء إلا للدين، ولا إزهاق للأرواح إلا لإعلاء راية الدين، وصد عدوان المعتدين على حرمات الله عز وجل، وذلك أمر واضح ويقوله كثيرون من أبناء العراق، ونعرفه نحن، ويعرفه جميع الناس، مما جرى في تلك الفترات الماضية والعقود المتعاقبة، كما نعلم جميعًا بما لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل.

فإذا عرفنا هذه الحقائق، اعتدلت النظرات، ولم نكن لا مع هؤلاء أو هؤلاء.

نحن مع المبدأ والحق الذي ينبغي أن يكون، ولا بد أن نعرف المفاسد والمصالح، وأوزانها ومقاديرها:

إن في ديمقراطية أمريكا نسفًا لأصول ديننا من جذورها، وتغييرًا لمقومات مجتمعاتنا من أساسها، وانحرافًا تريد أن تشيعه كما هو شائع عندها، وعند مثيلاتها، يريدون يومًا أن يكون لهم ما يكون، ليُلغوا كل ما هو أصيل ثابت في حقوقنا.

وأسترخص ها هنا مقالات جاهلية وإسلامية، تبين لنا أمورًا ينبغي معرفتها:

في وقعة حنين، وكان رسول الله وبعض مسلمة الفتح، وكان في أول المعركة ما كان من جولة كانت على المسلمين، وإذ بصفوان ابن أمية وهو حديث عهد بالإسلام، يضطرب أمره، ويأتيه من يقول: بطل سحر محمد، فلنكن مع القوم الغالبين، فقال ـ وهو إذ ذاك في أول إسلامه ـ: (لئن يَرُبني رجل من قريش خير من أن يَرُبني رجل من ثقيف أو هوازن) يقول: حكم محمد وهو من قريش، أولى عندي من أن يكون المتسلط علي أجنبيًا أنى وأبعد.

وقالها ابن عباد يوم جاء ابن تاشفين في أواخر عهد الأندلس، لينصر أهل الإسلام، فقيل له: يا ابن عباد، إن انتصر ابن تاشفين أخذ ملكك؟ فقال: لئن أكون ذنبًا في الحق، أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل، أرعى الإبل لابن تاشفين، خير لي أن أرعى الخنازير للفونسو.

ولا بد أن يعيي المسلمون مواقفهم، وأن يزنوا كلماتهم، وأن يعرفوا مبادئهم، لئن أكون ذنبًا في الحق، أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل. وحسبك بها كلمة قالها في ظرف عصيب، وكان ملكه مهددًا وكانت دولته إلى زوال، لكنه آثر أهل الإسلام والإيمان، وآثر أن يكون ذيلًا في الحق، على أن يكون رأسًا في الباطل، فهذه بعض الحقائق.

المبادئ: أما المبادئ فقد أسلفنا الحديث عنها مرارًا وتكرارًا، لتكون واضحة في العقول والأذهان، راسخة في النفوس والقلوب، حاكمة للمواقف والمنطلقات، فلعلنا نستحضر ذلك:

الأولى: مرجعنا الأساسي، وشرعيتنا العظمى هي: من كتاب الله، وسنة رسوله ، ليست من قوانين الأمم المتحدة، ولا من أنظمة أمريكا ولا من غيرها.

الثانية: مراعاة المصالح الشرعية للأمة الإسلامية: هي المرعية وليس غيرها لمصالح دنيوية أو مصالح جزئية، فإن ذلك كما نعلم قد ضيع كثيرًا وكثيرًا من مقدرات المسلمين، ومن كلمتهم وهيبتهم، ومن قدرتهم على استقلاليتهم، وبناء ذاتيتهم، ولا بد أن نعرف ذلك وأن نعيه.

الثالثة: النظرة المستقبلية مع عدم إغفال الواقعية الآنية: فإن النظر إلى أمر قريب يفقد الناس ويفقد المسلمين معرفة الحقائق الكبرى، والجرائم العظمى، والمؤامرات الخطيرة، فإن هذه القضية كما نسمع وتسمعون لا تتعلق بتحرير شعب العراق.

من يحرره؟ ولأجل ماذا؟ لأجل الإخلاص المتناهي لهم، لأجل الحرقة على أوضاعهم، والرعي لمصالحهم، لن يصدق ذلك أحد، بل ما وراء ذلك من تسلط وهيمنة وتغلغل وما يتبعه مما لا يعلم إلا الله سبحانه وتعالى مداه.

ومن ثم كما قلت، فإن حديث المبادئ يطول ويطول.

نحن مرجعنا كتاب الله، قال الله وقال رسول الله ، وفيهما غنية وكفاية.

مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] ، وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] .

وعلمنا رسول الله ـ كما قال سلمان ـ حتى الطائر يقلب جناحيه في السماء إلا ترك لنا منه خبرًا.

ونحن نؤمن بثبات كل شيء حفظ القرآن الكريم وحفظ السنة في مجملها، وثبات ذلك في التطبيق العملي في سيرة المصطفى ، فما بالنا لا نرجع ولا نعتصم به ونلتفت إليه، ونجعله معولنا الأساسي.

وندرك حينئذ به كل الحقائق، ونكشف به كل تلك الدقائق، ونستطيع بإذن الله عز وجل مع البعد الإيماني اليقيني، والالتجاء إلى الله عز وجل، أن يكون لنا حال أفضل، ومواقف أظهر وأوضح، وأثبت وأصح بإذن الله عز وجل.

المواقف: ولي بعض المواقف التي لابد من معرفتها، ويكثر الحديث عنها:

1-هذا عدوان سافر واضح من أمة لا تدين دين الإسلام، وفي صورة لا يشك عاقل أن فيها ضررًا على الإسلام وأهله، ولا يقولن لك أحد غير ذلك، ولا يخبرنك أحد بغيره، كما اضطربت بعض المواقف، وتراجعت وتغيرت وتبدلت، وقالت: إن الحرب أو إن الحملات الصليبية فترة تاريخية، ولا يشك عاقل أنها كانت لمصالح سياسية، ولم تكن حربًا دينية، وقال من قال في تراجعاته ومحاوراته: إنه ليس هناك فرق بين الشرائع السماوية في رعايتها للسلام وحرصها عليه، ونحن نعرف ما عند اليهود ـ عليهم لعائن الله ـ في توراتهم المحرفة، من دعوة صريحة للعنصرية والهمجية والعدوانية، ثم يقال هذا ويروج، ويقال غيره وتدبج فيه الأحاديث والأقاويل والبيانات، وهذا من المخاطر الكبيرة.

2-ثم هناك أمر آخر لا بد من معرفته، ولعلي أقف هذه الوقفات السريعة مع هذه المواقف، فيما إذا غزيت هذه البلاد الإسلامية، وهي إسلامية، وإن قلنا إن البعث في عقائده كفر، فإن البلد بلد إسلام، فتحها المسلمون ورووها بدمائهم، كانت وقفًا إسلاميًا، وجل أهلها مسلمون، وكثير منهم وخاصة في الآونة الأخيرة رجعوا إلى الله عز وجل، فلا يقال: إنها بلد لا يصدق فيها أنها بلد إسلام، ولا تنطبق عليها تلك الأحكام.

ومن الأحكام أنه إذا غزي المسلمون في عقر دارهم، أنه يجب عليهم الجهاد لصد هذا العدو، ما ذكره العلماء قاطبة في أقوالهم سردًا وإقرارهم بالإجماع.

من ذلك قول ابن عبدالبر رحمه الله:"والفرض في الجهاد ينقسم إلى قسمين: أحدهما يتعين على كل أحد، ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار، وذلك بأن يحل العدو بدار الإسلام محاربًا لهم، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الديار أن ينفروا خفافًا وثقالًا، وشبابًا وشيوخًا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر".

وقال النووي رحمه الله:"فإن دخلوا بلدة يتعين على أهلها ـ أي الجهاد ـ وأما غير أهل تلك الناحية، فمن كان منهم على دون مسافة القصر، فهو كبعضهم، حتى إن لم يكن في أهل البلدة كفاية، وجب على هؤلاء أن يطيروا إليهم، مع مراعاة قدرتهم على الدفع".

وكما قالوا في الاستشهاد بذلك قول الله عز وجل في بيان القرب والجوار: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة:120] .

وكما في قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123] .

3-ثم أمر المظاهرة لأعداء الإسلام والمعاونة لهم، والمشاركة لهم، ليس فيها شيء من شبهة ولا قليل من خلاف، فإن النصوص فيها واضحة، وإن أقوال الأئمة والعلماء فيها قاطعة، فمظاهرة ومناصرة غير المسلمين على المسلمين لا تتفق مع أحكام الدين، بل هي مناقضة له.

كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51] .

وقال عز وجل: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141] .

فمن أعان على أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل فإنه يخالف حكم الله، ومراد الله الذي اقتضاه.

4-كذلك ـ وهو الذي نحمد الله سبحانه وتعالى عليه ـ أن لا يكون لنا في ذلك اعتقاد ظني، ولا ميل أو هوى نفسي، فضلًا عن مشاركة عملية. نسأل الله أن يعيذنا من الشرور والآثام.

5-وإن هذه الحرب الدائرة والأعمال الجائرة، ينبغي أن لا تغفلنا أو تنسينا صلتها الأساسية في انبعاثها، وأسبابها، وفي غايتها، بقضية الإسلام والمسلمين الأولى في أرض فلسطين، فلا يخفى على عاقل أن هذا كله في مصلحة اليهود الغاصبين، بل ربما في أساسه وانبعاثه إنما كان لأجلهم، ولأجل تمكينهم، ولأجل بقائهم على قوتهم، ومعهم الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل، وهم الذين يرفضون التوقيع على الاتفاقيات، ولم يصل إليهم أحد من التفتيش، ولم يذكر أحد أنهم يحتاجون إلى تفتيش.

ثم حتى ينشغل الناس، ويمكن لهم، ويدور الحديث كما تعلمون عن انتهاز اليهود للفرصة، وقيامهم بأمور قد يكون فيها تهجير وضرب وترحيل لإخواننا المسلمين من أرض فلسطين، وغير ذلك مما هو أيضًا معلوم.

ونعلم أنه خلال هذا الشهر الذي نحن فيه، قد قتل اليهود 87 حتى الآن من إخواننا في فلسطين، ولا أحد يتكلم ولا أحد يذكر شيئًا.

ونعرف ما عندهم من كل هذه الجرائم، والمخالفات للقوانين الدولية، ولقرارات مجالس الأمن، وغير ذلك، وما التمكن من العراق إلا طريق لزيادة تمكينهم، وزيادة إضعاف قوة العرب والمسلمين، والإرهاب والخلخلة لأوضاع المجتمعات والدول العربية والإسلامية، بما يجعلها مضطربة حائرة، أو خائفة مترددة، أو مستسلمة ذليلة، حتى لا يبقى هناك أي قدرة على مواجهة أولئك اليهود الغاصبين، ويكون في ذلك مزيد من القوة والتمكين لهم، على حساب الإسلام والمسلمين.

ولو أننا تمعنا، لعرفنا الروابط ولرأيناها واضحة جلية، ولذلك نحن نعلم ما قاله الله عز وجل: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] .

وبين الله عز وجل أنهم لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة، ونحن نعلم قول الله عز وجل: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82] .

كل ذلك لا نغفل عنه ولا ننساه، ولا نغفل عن ما يجري هناك، فإنه هو محور الرحى، وقطب الرحى، ونقطة الالتقاء والصراع الحقيقي، وكل الطرق تؤدي إلى روما كما يقولون.

وأزعم أن كل القضايا التي تحيط بالمسلمين، لها من قريب أو بعيد صلة بهذه المواجهة الحقيقية الشاملة بين الإسلام وأعدائه في أرض الإسراء.

التوجيهات: ولا بد كذلك أن ننبه إلى أمر مهم وإلى جملة من التوجيهات نحن في أمس الحاجة إليها:

أولًا: الاعتصام بالجمل الثابتة والأحكام القاطعة: من كتاب الله وسنة رسوله ، هناك اجتهاد وآراء وخلافات أمرها معروف عند أهل العلم، لكن ثمة جمل ثابتة، وحقائق قاطعة، ليس فيها خلاف، وهي العواصم من القواصم، وهي النور في الظلمة، وهي معالم الطريق التي تعصم من الانحراف والزيغ والضلال بإذن الله تعالى، فتواصوا بها، واعتصموا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، فإنها وصية رسول الله ، كما في حديث ابن سارية: وعظنا رسول الله موعظة، وذرفت منها العيون، وجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد به إلينا؟ فأوصاهم بكتاب الله وسنة رسول الله ، وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعده، وأن يعضوا عليها بالنواجذ.

تمسكوا بها لأنه ثمة كثير وكثير من الصوارف التي تصرف عنها، والزيغ الذي يشوهها.

وللأسف فإن كثيرًا من صحفنا وإعلامنا يتحدثون عن حجم أعدائنا، حتى يُبث الرعب في القلوب، وحتى يسري اليأس إلى النفوس، وكأن أولئك القوم قد ملكوا أَزِمة الأمور وأصبح بيدهم تدبير الكون وتصريفه والعياذ بالله، وكأنه لا قوة حاكمة، ولا تقدير سابق، ولا قضاء مبرم من الله سبحانه وتعالى.

فيَفُتون في العضد، ثم يقولون من باب الواقعية: ماذا يمكن أن نصنع؟ وأي شيء يمكن أن نقول؟ إن هذا الذي يقول هذه المقالات لا يدرك الحقائق ولا يعرف الواقع.

سبحان الله، نحن ندرك الواقع ونعرفه، لكن إدراكنا لا يعني أن نترك كتاب الله وراء ظهورنا، ولا أن نخلف سنة رسول الله دُبر آذاننا، ونقول بما فيهما، وإن كنا قد لا نستطيع إنجاز ذلك أو القيام به في هذا الوقت، لكن تغييره هو الأخطر، لكن الشك في حقيقته هو الأكثر ضررًا والأعظم خطرًا، لأننا إذا شككنا في ذلك فإننا قد تركنا شيئًا مما نتشبث به ونضع أقدامنا عليه، وبالتالي تغيب عنا الرؤية الصائبة، ويغيب عنا موطئ القدم الثابت الراسخ، الذي يجعلنا قادرين على أن نقف، ونحن نعرف أين نقف، وأن ننظر ونحن نعرف إلى من ننظر، وأي شيء نرى أمامنا.

أفإن قالوا كلامًا معسولًا وغيروا نتغير عن هذه الجمل الثابتة والحقائق القاطعة في كتاب لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] ، وفي سنة طاهرة مشرفة، مبرأة من العيب والنقص، لسيد الخلق وأكرم الرسل ؟

ثانيًا: الحرص على الوحدة والائتلاف والحذر من الفرقة والاختلاف: نحن أحوج ما نكون إذا اجتمعنا وائتلفنا على هذه الجمل الثابتة، أن نتوحد وأن نجتمع، وننسى خلافاتنا، حتى خلافات واختلافات الآراء الاجتهادية الفكرية في المسائل العلمية، وفي المواقف العملية، ينبغي أن تذوب.

لأننا في مواجهة خطر أكبر، وعداء أشمل، وصورة ماحقة تستهدف الإسلام وأهله من الجذور ومن الأسس، فما ينبغي أن نُبدع هذا أو نفسق هذا، أو نقول إن هذا كذا، وهذا كذا، وخاصة في مثل هذه الظروف.

لا بد أن يكون التكاتف والتلاحم بين الجميع، رعاة ورعية، وحكامًا ومحكومين، وإن وجد خطأ فثمة ما هو أعظم من هذا الخطأ، وإن وجد تقصير فثمة ما هو أخطر من هذا التقصير، ولا بد أن نكون على وعي وبصيرة وعلى موازنة بين المصالح والمفاسد، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ليس المسلم من يعرف الشر من الخير، ولكنه من يعرف خير الخيرين وشر الشرين".

فإن الشرور كثيرة، والخير صوره متنوعة، قد تأخذ أدنى شيء منه وتترك ما هو أعظم، وقد تأخذ من الشر ما هو أعظم، وتترك ما قد يحتمل ما هو أدنى، فينبغي أن نعرف ذلك، وأن نحرص ـ أيها الأحبة الكرام ـ في زمن الفتن والمحن على تراص الصفوف وتلاحمها، فإن أعظم هدية تقدم لأعدائنا أن نفرق صفوفنا، وأن نزيد تقطيع أوصالنا، فيأكلونا لقمة سائغة كما قال العربي من قبل: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

إنهم لا يفرقون بين مسلم في هذه البلاد، وبين مسلم في بلاد الشام، وبلاد اليمن، إنه لم يعد ثمة تفريق بين ما يسمونه متطرفين أو إرهابيين، وبين مسلم قد يصفونه بأنه مسالم موادع، كلهم في شرعتهم من حيث الحقيقة سواء، وإن بدؤوا بهذا، فالثاني من بعده، وإن بدؤوا بتلك الديار فربما تكون تلك بعدها، فينبغي أن لا نجعل فرصة لأعدائنا في مزيد من التشتت والتفرق والتنابز بالألقاب، بل احرصوا على هذه الألفة وعلى المحبة، ولا يكون ذلك إلا بتلك الجمل الثابتة، في اعتصامنا بكتاب الله وسنة رسوله.

والأمر الثالث: الصدق في التوبة، والأصالة في العودة والأوبة، مضت أحداث سابقة وقال الناس: إن فيها عظة وعبرة، ورجعوا إلى الله في الحرب الماضية، وامتلأت المساجد وراجع الناس أنفسهم، ثم كرت الأيام وعاد الحال كما كان، ورجعت وسائل الإعلام في أكثر البلاد إلى نشر الفسق والفجور، واللهو واللعب والطرب، وتضليل الأمة، وستأتي هذه الكارثة ونرى شيئًا من تحول، ثم ماذا بعد نعود مرة أخرى، إننا إن لم نصدق الله عز وجل في توبتنا، وإن لم نخلص في أوبتنا، وإن لم نصحح مسارنا، فإن سنة الله لا تحابي أحدًا، وإن سنة الله ماضية وقد مضت على رسول الله ، فلقي ما لقي من العناء والأذى، مما وقع لأصحابه، وبما وقع في حياته عليه الصلاة والسلام مما مضت به سنة الله عز وجل وهذا أمر مهم.

ولعلنا قد ذكرنا من قبل إعلان التوبة، وإظهار الاستقامة، وصحة الأخوة، وكثرة الالتجاء والتضرع بالدعاء إلى الله عز وجل، وليس هذا موضوع تفصيلنا.

والأمر الرابع وهو المهم: الحذر من الإرجاف وترويج الشائعات، وكثرة تداول الرؤى والمنامات، ديننا لا يُعنى بالرؤى والمنامات، إسلامنا ليس فيه هذا التعنت ببعض الأخبار من الغيبيات، إسلامنا قال: وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105] .

إسلامنا دين عمل، ينبني على أدلة واضحة من كتاب الله وسنة رسول الله ، والشائعات تكثر، والمرجفون يزدادون في مثل هذه الفتن والمحن، فأخرسوا كل مرجف، واقطعوا دابر كل شائعة، واجعلوا الأمور توفر الأمن والأمان والثقة والتآلف والتآزر فيما بين الأمة.

ويعجب المرء من هذا الإرجاف الذي تمارسه بعض الصحف الذائعة الشائعة، وهي تملأ الصفحات بصور الأسلحة وقدراتها المدمرة، فلا ترى إلا الإعلانات التي تقول: في يومين وفي ثلاثة، حتى لو صح ذلك، ما الفائدة في نشره بين الناس؟ حتى يستسلموا، وحتى يستبشروا، وحتى يترقبوا الفرج من عدو الإسلام والمسلمين، وينتظروا الأمن والرخاء والحرية والحقوق الإنسانية، من هذا الذي سردنا بعض تاريخه قريبًا غير بعيد، واستمعوا إلى هذه العناوين ولا أريد أن أطيل عليكم: أول ضحايا الحرب العراقية، توقف دوري كرة السلة في بلد معين، لأن في بعض فِرق تلك البلاد لاعبون أميركيون، اضطروا للسفر بناء على نصائح سفارتهم، هذه أول الضحايا!

انظروا كيف يرى إعلامنا، أو يذكر هذا في خضم الأزمة القاتمة.

ومسابقات ملكة الجمال في بلد عربي تتواصل، ودعاياتها تملأ الصحف، وفوق هذه الدعايات التي فيها صور النساء وأسماؤهن، ترى صور الأسلحة، وترى عناوين الحرب، وذلك لا يقدمنا، ولا يجعلنا نطمئن إلى أحوالنا، إذا كان هذا هو ما قد نميل إليه، وما قد يروج بيننا.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت