فهرس الكتاب

الصفحة 5448 من 5777

الزائر الكريم

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأزمنة والأمكنة, فضائل الأعمال

فايق بن عبد الله البصري

دورتموند

أبو بكر الصديق

1-فضائل رمضان. 2- الوصية باغتنام شهر رمضان المبارك. 3- الحث على قراءة القرآن والدعاء. 4- الحث على الصدقة وإفطار الصائم. 5- التحذير من التسويف والكسل. 6- التحذير من الصادين عن عمل الخير. 7- ظاهرة الالتزام بالصلاة والحجاب في رمضان فقط.

إخوتي في الله، أخواتي في الله، بعد أيام قليلة سوف يحلّ علينا زائر كريم طال انتظاره، زائر أكرمنا الله تعالى به، يجلب لنا الخير الكثير، فيه مسابقة كبيرة، جوائزها عظيمة، الفائز من فاز في هذه المسابقة، والخائب من خسر فيها، إنه شهر رمضان المبارك، شهر القرآن، مدرسة ستفتح أبوابها، فهل ترى نخرج منها مع الفائزين أو الخاسرين؟! نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الفائزين.

في هذا الشهر ذنوب مغفورة وعيوب مستورة ومضاعفة للأجور وعتق من النار، قَال الحبيب المصطفى: (( إذا كانت أول ليلة من رمضان فُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وَغُلِّقتْ أبواب جهنم فلم يفتح منها باب، وصُفِّدت الشياطين، ويُنادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة ) )رواه الترمذي وابن ماجة.

أبواب الجنة مفتوحة لنا في هذا الشهر، فلنكن من الداخلين إلى الجنة، إنها فرصة ثمينة لكل مقصر ـ وكلنا مقصرون ـ أن نفوز بمغفرة من الله، فإذا لم يغفر لنا في رمضان فمتى نرجو المغفرة؟! قال رسول الله: (( رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة ) )، وَقَالَ لَهُ جِبرِيلُ: يَا محمدُ، مَن أَدرَكَ شَهرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَم يُغفَرْ لَهُ فَأُدخِلَ النَّارَ فَأَبعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، قال: (( فَقُلتُ: آمِينَ ) )، وقال: (( إِنَّ في الجَنَّة غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُها مِن بَاطِنِها وَبَاطِنُهَا مِن ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللهُ لِمَن أَلانَ الكَلامَ وَأَطعَمَ الطَّعَامَ وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى بِاللَّيلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ) ).

إخوتي الكرام، أوصي نفسي وإياكم بالاستفادة القصوى من الوقت في هذا الشهر الكريم، ولنعقد العزم الصادق والهمة العالية على استغلال رمضان بالأعمال الصالحة، فإنه سرعان ما ينقضي كما انقضى قبله من الأشهر والسنين. ويا حبذا لو وضع كلّ منا خطة يسميها:"خطة شهر رمضان الإيمانية"، فيها برنامج كامل، وهذا البرنامج يمكن أن تضع فيه عدّة نقاط، منها: كيف ستكون قراءتك للقرآن؟ خصّص وقتا محدّدا كل يوم لقراءة القرآن، وليكن أقل شيء تقرؤه جزءا واحدا لتتمكن من ختم القرآن في رمضان، قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( الصِّيَامُ وَالقُرآنُ يَشفَعَانِ لِلعَبدِ يَومَ القِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهوَةَ فَشَفِّعْني فِيهِ، وَيَقُولُ القُرآنُ: مَنَعتُهُ النَّومَ بِاللَّيلِ فَشَفِّعْني فِيهِ ) )، قَال: (( فَيُشَفَّعَانِ ) )، وقال: (( اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ) )رواه مسلم. واحرص في هذا الشهر على حفظ شيء من القرآن لأن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب كما أخبرنا حبيبنا المصطفى.

ولا تنسوا ـ إخوتي ـ الإكثار من الدعاء؛ فإن الدعاء سلاح المؤمن، وإن للصائم دعوة لا تردّ، وَفي ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِرِ دعاء مستجاب، وَكذلك بَينَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَأَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَالحَاجَاتُ كَثِيرَةٌ وَالمَسَائِلُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَالعَبدُ فَقِيرٌ إلى رَبِّهِ ولا غِنى لَهُ عَن رَحمَتِهِ طَرفَةَ عَينٍ، وَأَهَمُّ المُهِمَّاتِ مَغفِرَةُ الذُّنُوبِ وَتَكفِيرُ السَّيِّئَاتِ وَالعِتقُ مِنَ النَّارِ وَالفَوزُ بِالجَنَّةِ، قال: (( ثلاث لا ترد دعوتهم ) )، ذكر منهم: (( الصائم حتى يفطر ) )رواه الترمذي وابن ماجه، وَيَقُولُ عليه الصلاةُ والسلامُ: (( أَعجَزُ النَّاسِ مَن عَجِزَ عَنِ الدُّعَاءِ ) ). فادعوا لأنفسكم ولأهلكم وللمسلمين جميعا، قال الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186] ، وجاءت هذه الآية الكريمة بين آيات الصيام.

وإذا شعرت بالجوع والعطش في رمضان فاذكر الفقراء من المسلمين والذين تمر عليهم الأيام والليالي ولا يجدون ما يطعمون به أنفسهم وأولادهم، وليدفعك ذلك إلى الجود بما تستطيع لتخفّف عنهم آلام الجوع. والصدقة في رمضان لها شأن خاص، فقد رَوَى البُخَارِيُّ عنِ ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ أَجوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجوَدُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلقَاهُ جِبرِيلُ، وَكَانَ يَلقَاهُ في كُلِّ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ أَجوَدُ بِالخَيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرسَلَةِ. قال الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ رحمه اللهُ:"وَعَبَّرَ بِالمُرسَلَةِ إِشَارَةً إلى دَوَامِ هُبُوبِها بِالرَّحمَةِ، وَإِلى عُمُومِ النَّفعِ بِجُودِهِ كَمَا تَعُمُّ الرِّيحُ المُرسَلَةُ جَمِيعَ مَا تَهُبُّ عَلَيهِ". وإذا استطعت أن تفطر صائما فلك مثل أجره دون أن ينقص ذلك من أجره كما قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( مَن فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثلُ أَجرِهِ ) )، وممكن أن تضع في برنامجك كم مرة تتصدّق في رمضان، وكم صائما يستطيع أن يشاركك الإفطار. وممكن أن تخصص وقتا لحضور جلسات العلم التي تعقد في هذا المسجد أو في مساجد أخرى. واحرص على أن لا تفوتك الصلوات الخمس جماعة في المسجد قدر الإمكان وصلاة التراويح.

أيها الإخوة، أحذر نفسي وإياكم من الكسل والتسويف، قال الحسن البصري:"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قومًا غرتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، قالوا: نحسن الظن بالله، وكذبوا؛ لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل".

إن الكسلان يقينه ضعيف في الوعد والوعيد، فلا تتكاسل عن ذكر الله لأن ذكر الله فيه الخير الكثير. تأمل حديث النبي: (( من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة ) )رواه الترمذي وصححه الألباني. وإذا قلت الآن: سبحان الله العظيم وبحمده ونظرت في الساعة فإذا هي ثانية واحدة، لو ثبت يقينك في هذا الوعد أنّك تكتسب بالثانية الواحدة نخلة في الجنة وقد قال رسول الله: (( ما من نخلة في الجنة إلا وساقها من ذهب ) )، فوزن ساق النخلة من ذهب مئات الكيلوغرامات، هذا ثمن كل ثانية من عمرك.

وربما يقول قائل:"هذا البرنامج ثقيل، وأنا عندي التزامات أخرى، وعندي عمل، وعندي شؤون خاصة"، ويجيبه على ذلك الحبيب المصطفى إذ قال: (( يا أيها الناس، عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووِم عليه وإن قلَّ ) )، ولكن علينا أن نعمل ما في وسعنا ولا نقصر، ولعله يكون آخر رمضان تدركه، فاستزد فيه من الخير، واعلم أن رمضان إما أن يكون شاهدًا لك أو شاهدًا عليك.

واعلم بأنَّ هُنَاكَ قُطَّاعَ طَرِيقٍ وَسُرَّاقَ أَوقَاتٍ وَمَانِعِي خَيرَاتٍ، فمن الناس من يقضي ليالي رمضان في متابعة المسلسلات والأفلام من قناة فضائية إلى أخرى، وليس عنده وقت للعبادة، ومن الناس من لا يعرف من رمضان إلا الموائد وصنوف المطاعم والمشارب، يقضي نهاره نائمًا ويقطع ليله هائمًا، فاتقوا الله عباد الله، وَسَارِعُوا إلى مَغفِرَةٍ مِّن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ في السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالكَاظِمِينَ الغَيظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَو ظَلَمُوا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَن يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَغفِرَةٌ مِن رَّبِّهِم وَجَنَّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعمَ أَجرُ العَامِلِينَ [آل عمران: 133-136] .

إخوتي في الله، كثير من الناس نراهم ينشطون في رمضان ويصلون في المساجد حتى إنكم ترون كيف تمتلئ المساجد في صلاة التراويح، وهذا شيء طيّب، ولكن المؤسف ما إن ينتهي رمضان حتى تجد أكثرهم يهجرون المساجد، وربما بعضهم يترك الصلاة، فهو يصلي ويصوم فقط في رمضان، وبعض الأخوات يرتدين الحجاب في رمضان، ثم بعد رمضان يحتفظن بملابس الحجاب في خزانة الملابس إلى رمضان القادم، وهؤلاء هم عبّاد رمضان، والله سبحانه وتعالى أحقّ أن يعبد؛ لأن الله هو ربّ رمضان ورب بقية الشهور، فنحن لا نصلي ونصوم حتى يرانا الناس في رمضان، بل نفعل ذلك استجابة لأمر الله تعالى وعبادةً له في كل الأشهر حتى نهاية العمر.

أسأل الله أن يبلغنا وإياكم رمضان، اللهم بلغنا رمضان وأحسن عملنا فيه، اللهم ارزقنا قبل رمضان توبة، وقبل الموت توبة، اللهم واجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت