فهرس الكتاب

الصفحة 4012 من 5777

لماذا سقط المسلمون؟

العلم والدعوة والجهاد

المسلمون في العالم

عبد الله بن عبد العزيز التميمي

الرياض

الأمير حسن بن عبد الله آل سعود

1-أسباب قيام الحضارة الإسلامية السابقة. 2- بُعد المسلمين عن دين الله عز وجل سبب ما حل بهم من البلايا. 3- تصحيح العقيدة والرجوع إلى الدين القويم سبب نصر هذه الأمة.

حين انتصر المسلمون على الروم في وقعة اليرموك وقف ملك الروم يسائل فلول جيشه المنهزم والمرارة تعصر قلبه والغيظ يملأ صدره والحنق يكاد يذهب عقله: ويلكم، أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم، أليسوا بشرًا مثلكم؟! قالوا: بلى أيها الملك، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم في كل موطن، قال: فما بالكم إذًا تنهزمون؟! فأجابه عظيم من عظماء قومه: إنهم يهزموننا لأنهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويتناصفون بينهم.

ولقد صدق وهو كذوب. إن تلكم السجايا العظيمة والخصال الكريمة كانت هي أسباب ذلك العز والمجد التليد، وكانت هي نفس الأسباب التي صنعت ملحمة الجهاد الكبرى، ورسمت أقواس النصر الباهرة، وأقامت حضارة الإسلام العالمية، ومكنت المسلمين من رقاب عدوهم حتى دانت لهم الأرض وأهلها، وأتتهم الدنيا وهي راغمة.

هذه الخصال الرفيعة هي التي انتقلت بأسلافنا تلك النقلة الضخمة، من عتبات اللات والعزى إلى منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ؛ حيث الأرواح المتطلعة إلى السماء والنفوس السابحة في العلياء.

تلك السجايا هي التي صنعت أبطالًا لا كالأبطال، ورجالًا لا كالرجال، خَطُّوا بدمائهم الزكية صفحات أمتهم الماجدة.

ثم تغيرت الحال، وهوت الأمة من عليائها؛ لتستقر في غبرائها، وكم يتألم المسلم الغيور على أمته وهو يرى زمام القافلة ينتقل إلى غيرها بعد أن كان في يدها.

كم صَرَّفَتنا يد كنا نُصَرِّفها وبات يملكنا شعب ملَكناه

إن الخصوم والأعداء لم ينالوا ما نالوا بسموهم ورفعة أخلاقهم، ولكن ـ والله ـ بتخاذلنا وبعدنا عن منهج ربنا، أَوَلَمَّا أَصَـ?بَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى? هَـ?ذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] ، وَمَا أَصَـ?بَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] .

إن كثيرًا من المسلمين اليوم قد مالوا عن الجادَّة، وأصبحوا لا يحملون من الإسلام إلا اسمه، تراهم يدّعون الإسلام والإيمان وهم أبعد الناس عن ذلك؛ احتفالات بالموالد وأعياد الكفار وبناء على القبور وحج للأضرحة واحتكام إلى غير شرع الله، عقائدهم تغرق في أوحال الخرافة، وتصرخ من تفاقم البدعة.

تهالك على المادة، وطمع في المغانم، وإقبال على الدنيا، ونسيان للآخرة، وحين تنزل بهم نازلة أو تحل بهم مصيبة فعند القبور الملتجى وإليها المشتكى عياذًا بالله.

أما تحكيم غير شرع الله فيعدّه الكثيرون ممن يزعم الإيمان مظهرًا من مظاهر التقدم والمدنية، وبابًا إلى الحضارة والانفتاح والعولمة.

لقد أعرض هؤلاء عن قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ?لطَّـ?غُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ?لشَّيْطَـ?نُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـ?لًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى? مَا أَنزَلَ ?للَّهُ وَإِلَى ?لرَّسُولِ رَأَيْتَ ?لْمُنَـ?فِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء:60، 61] .

قال ابن كثير:"هذا إنكار من الله عز وجل على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ، وهذه الآية ذامة لمن عَدَل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا"اهـ.

ويقول ابن القيم:"لمّا أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليها واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما عرض لهم فساد في فِطَرهم وظلمة في قلوبهم وكَدَر في أفهامهم ومحق في عقولهم، فإذا رأيت هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نُصبت وجيوشها قد رُكبت فبطن الأرض ـ والله ـ خير من ظهرها، ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس"اهـ، ولكأنه ـ والله ـ ينظر إلى حالنا اليوم؛ فسدت فطر كثير من الناس وأظلمت قلوبهم، فإلى الله المشتكى.

عباد الله، لقد أخبر رسول الله وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، أخبر عن حال أمة الإسلام اليوم، فقال فيما رواه أبو داود وغيره بسند حسن عن أبي هريرة: (( توشك أن تداعى عليكم كما تداعى الأَكَلَة إلى قَصْعَتها ) )، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟! قال: (( بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهْن ) )، قال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (( حب الدنيا وكراهية الموت ) ).

والناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يجد هذه السمة هي الغالبة على أكثر الناس، فليعلم أولئك وغيرهم أن الله لن يمكّن للمسلمين في الأرض حتى يصلحوا من حالهم ويرجعوا إلى دينهم، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .

لقد وعد الله عباده بالنصر والتمكين إذا هم صححوا عقيدتهم وأصلحوا حالهم بالرجوع إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ?للَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ، وَعَدَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا [النور:55] ، وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ?للَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ?لَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـ?هُمْ فِى ?لأرْضِ أَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَاتَوُاْ ?لزَّكَو?ةَ وَأَمَرُواْ بِ?لْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ?لْمُنْكَرِ [الحج:40، 41] .

إن سلفنا الصالح حين حققوا شرائط هذه الآيات تحقق لهم مضمونها وما وُعدوا فيها. حينما حققوا التوحيد الصافي والإيمان الخالص ونصرة الله بإقامة شرعه صَدَقهم الله وعده، فنصرهم وثبت أقدامهم ومكّن لهم واستخلفهم في الأرض وأبدلهم من بعد خوفهم أمنًا. كانوا لا يرهبون الأعداء، ولا يخافون من قواهم المادية، يقابلون عَددهم بالشجاعة، وعُددهم بالإيمان والثقة بنصر الله.

وحينئذ تتهاوى أمام ذلك كله كل الأرقام والحسابات والمعادلات المادية والبشرية، إِن يَنصُرْكُمُ ?للَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ?لَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160] .

فلنَعُد ـ عباد الله ـ لربنا، ولنكن صادقين في عودتنا، صادقين في عقيدتنا، صادقين في عبادتنا، صادقين في تعاملنا.

إننا إن فعلنا ذلك مكّن الله لنا كما مكّن للذين من قبلنا، وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ?لزَّبُورِ مِن بَعْدِ ?لذّكْرِ أَنَّ ?لأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ?لصَّـ?لِحُونَ إِنَّ فِى هَـ?ذَا لَبَلَـ?غًا لّقَوْمٍ عَـ?بِدِينَ [الأنبياء:105، 106] ، إِنَّ ?لأرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت