فهرس الكتاب

الصفحة 1182 من 5777

أهمية تربية الأبناء

الأسرة والمجتمع

الأبناء

صدّوق الونّاس

برج الكيفان

الرحمة العتيق

1-بيان انتشار الفساد في صور مُزيّنة. 2- الأبناء أمانة على أعناق الآباء. 3- قال تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم نارا. 4- حاجة الأبناء إلى التربية الحسنة. 5- تدريب الصبيان على

الصلاة. 6- تدريب الصبيان على الصيام. 7- الرفق في تربية الأبناء. 8- مراقبة الأبناء

والنظر فيمن يصحبون. 9- أهمية التربية بالقدوة الحسنة. 10- التحذير من التناقض بين

الأقوال وبين الأفعال لدى الآباء.

لقد انتشر الفاسد والانحراف في أوساط المسلمين، انتشار النار في الهشيم، وملأ بيوتنا ومدارسنا وشوارعنا وأسواقنا، فأقبل أولادنا على الحرام، شأن البهائم والأنعام، فلا إيمان يردّهم، ولا عقل يردعهم، ولا قوة تمنعهم، بل جنّدت طاقات وقوى عظيمة، ووسائل خبيثة تدعو إلى الفساد وتزيّنه، تدعو إلى الكفر والإلحاد، والانحراف والشذوذ، والدعارة والمخدرات والخمور تحت أسماء كاذبة وشعارات جذابة، فيرى الشباب على شاشة التلفزيون النساء الكاسيات العاريات يرقصن ويغنين باسم الفن، ويرون الأفلام الجنسية في أقبح وأخبث الصور تحت غطاء الحب، ويرون الأفلام التي تعلّم القتل والإجرام، ويرون أيضًا الفكاهيات [التي تميت القلب] تحت غطاء الترفيه والتسلية، وهذه أدنى أضرارها تضييع الوقت وتضييع الصلاة والغفلة عن ذكر الله تعالى، وكفى بذلك ضررًا.

ومن هذه الوسائل التي تحث على الفساد وتصرف عن طاعة الله قاعات اللعب التي لا يخلو منها حيّ من الأحياء، فإنها تستقطب الصبيان والشباب، فيجتمعون فيها اجتماع الذباب على النجاسات، إلى غير ذلك من الوسائل المفسدة المدمّرة، فكان نتيجة ذلك ما نراه من فساد عريض وشرّ عظيم، ينبئ وينذر بمصائب عظيمة وأخطار جسيمة، لا قِبل لنا بها كالخسف والمسخ والقذف والفيضانات والأعاصير والمجاعات والأوبئة وتسليط الأعداء.

أيها الآباء: ما أعظم الأمانة والمسؤولية التي حمّلكم إيّاها الرب سبحانه وتعالى، وما أغلظ العقوبة التي تلحقكم إذا ضيّعتم هذه الأمانة وأهملتم هذا الواجب الكبير، قال عليه الصلاة والسلام: (( كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيّته، فالإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعي في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع راع في مال سيّده، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ) [متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما] .

فسوف تسألون أيها الآباء عن أولادكم، فأعدّوا لهذا السؤال الجواب، فالأولاد فتنة واختبار من الله تعالى لعباده ليرى من يتقي الله فيهم ومن يهملهم ويضيّعهم إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم.

وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. أي: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملا فتأكلهم النار يوم القيامة.

قال علي في قوله تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم نارا: علّموا أهليكم الخير. [أخرجه الحاكم وصححه الألباني في صحيح الترغيب] .

وقال مجاهد رحمه الله قوا أنفسكم وأهليكم نارًا أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدّبوهم. [أخرجه البخاري معلقا] .

فعليكم أن تحفظوا وتنقذوا أنفسكم وأهليكم من النار بالعمل بطاعة الله وبدعوة الأهل إلى ذلك وبحملهم عليه تعليمًا وتأديبًا.

أرأيت أخي المسلم لو أن نارًا أوشكت أن تحرق بيتك وأهلك وولدك ماذا كنت تفعل. سوف تسعى حتما بكل جهد ووسيلة لإنقاذهم، فهلا بذلت قصارى جهدك ووسعك لإنقاذهم من نار الآخر؟

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لرجل: (أدّب ابنك، فإنك مسؤول عن ولدك ما علّمته وهو مسؤول عن برّك وطاعته لك) .

فيجب على الوالدين الاعتناء بالأولاد وتربيتهم، فلا يقتصر على توفير المطالب الدنية من غذاء وكساء ودواء كما يفعل كثير من الآباء، بل حق الأولاد في التعليم والتربية على الأخلاق الفاضلة أعظم وأوكد من حاجتهم إلى غير ذلك.

فإذا صرخ الصبي من الجوع طلبا للطعام، فصراخ قلبه وعقله طلبا للأدب والعلم أشد وأعظم، ولكن أني يسمعه أو يُحسّ به الغافل الأصمّ.

وإذا أمر النبي بإزالة شعر المولود، وأخبر عنه أنه أذى فقال: (( أميطوا عنه الأذى ) ). فأذى الأخلاق الرذيلة والأفكار الرديئة أولى بالإماطة والإزالة.

علّموا أولادكم أصول الإيمان وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر.

وعلّموهم أركان الإسلام وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج إلى بيت الله الحرام.

علموهم الحياء والعفة والصدق وسائر الأخلاق الفاضلة، وجنبوهم الرذائل والفواحش وجميع المنكرات.

بيّنوا لهم الحق ومنافعه ومروهم به، وبيّنوا لهم الباطل ومضاره وحذّروهم منه.

قال النبي: (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع نين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرّقوا بينهم في المضاجع ) )ومعناه: إذا بلغ أولادكم سبعا فأمروهم بأداء الصلاة ليعتادوا عليها، ويأنسوا بها، فإذا بلغوا عشرا فاضربوهم على تركها.

فأمر النبي الآباء أن يعلموا أولادهم الصلاة، وما تحتاج إليه من شروط وأركان، وأن يأمروهم بفعلها بعد التعليم.

(( وفرّقوا بينهم في المضاجع ) )أي فرًقوا بين أولادكم في مضاجعهم التي ينامون فيها حذرًا من غوائل الشهوة، وسدّا لباب الفاحشة.

وفي هذا تربية الأولاد على الصلاة، وتعويدهم عليها، وتربيتهم كذلك على الطهر والعفاف بإبعادهم عن الفواحش وأسبابها.

عن الرّبيّع بنت معوّذ رضي الله عنها قالت: أرسل النبي غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: (( من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم ) )، قالت: فكنّا نصومه بعد، ونصوّم صبياننا - زاد مسلم: ونذهب بهم إلى المسجد، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار.

ففي الحديث مشروعية تمرين الصبيان على الصيام، وتعويدهم على صلاة الجماعة في المسجد. قال عمر للذي أفطر في رمضان موبّخا له: (كيف تفطر وصبياننا صيام؟) .

وعن عكرمة رحمه الله قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما يجعل الكبل في رجلي على تعليم القرآن والفقه. والكبل: هو القيد الضخم.

ثم ينبغي أن تكونوا حكماء في تعليم وتأديب أولادكم وأن تتحلّوا باللين والرحمة والشفقة بهم.

وعليكم أن تراقبوهم في حركاتهم وسكناتهم، في ذهابهم ورجوعهم، في أصحابهم وأخلائهم، فإنهم في مجتمع عظم فيه الفساد، وكثرت وتنوّعت وسائله وطرقه، وقلّ المعلمون والمربون الناصحون، فلا يؤمن عليهم في الشوارع، ولا في المدارس، ولا حتى في البيوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وعليكم أن تستعينوا بالله، وتتضرعوا إليه وتدعوه بصدق وإلحاح أن يصلح أولادنا، قال الله تعلى في وصف عباد الرحمن والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا.

اعلموا أيها الآباء أن التربية القدوة من أهم وأنجح طرق التربية، فقد غرز في فطرة الصبي الميل إلى الاقتداء بالكبار وتقليدهم.

فالطفل في سنواته الأولى يعتقد أن كل ما يفعله الكبار صحيح، وأن آباءهم أكمل الناس وأفضلهم، لهذا فهم يقلّدونهم ويقتدون بهم، فالطفل يأخذ عن أبيه أقواله، وأخلاقه، ومعاملاته مع الأقارب والجيران وعموم الناس دون أن يشعر الأب بذلك.

فعلى الآباء أن يربوا أولادهم بالتوجيهات القولية، وبالترجمة الواقعية لذلك، المتمثلة في السلوك الإسلامي الصحيح في جميع شؤون الحياة.

فإذا أمرنا أولادنا بشيء فلابد أن نسبق إليه، وإذا نهيناهم عن شيء فلنتركه قبل ذلك. وإذا وعدناهم بشيء فعلينا أن نفي به، فالأولاد يتأثرون بأفعالنا المشاهدة أكثر من تأثرهم بأقوالنا المجرّدة.

قال عبد الله بن مسعود: (لا يعدنّ الرجل صبيه شيئا ثم لا ينجزه له) .

وقال أبو هريرة: (من قال لصبي تعال هاك تمرا ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة) .

وقد ذم الله تعالى ومقت الذي يخالف أعمالهم أقوالهم فقال: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.

وقال عليه الصلاة والسلام: (( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى قد كنت أمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وأتِيه ) ) [رواه مسلم] .

بعض الآباء مثلا يدخنون أو يشاهدون الأفلام الخليعة، وينهون أولادهم عن ذلك.

ومن الآثار السلبية لهذا الصنيع أن يسقط هذا الأب من عين ابنه، وتزول تلك الهيبة وذلك التوقير، ومن ثم تصبح أوامر هذا الأب لا قيمة لها فلا يطاع فيها ولا يسمع لها.

يقول لابنه: لا تدخن فإنه مضرّ بالصحة، ثم هو يدخن يقول له: إذا رآه مهملا لدروسه مشتغلا باللهو واللعب: لا تضيع وقتك واحرص على الدراسة، ثم هو يضيع وقته ويقضيه في اللغو واللهو واللعب، وفي لعب الورق والدامة والدومينو [1] وغيرها، من الملاهي. ولا يحرص على ما ينفعه.

فاتقوا الله أيها الآباء، واحرصوا على أن تطابق أقوالكم أفعالكم حتى تتيسر لكم تربية أبناءكم التربية الصالحة الصحيحة. والحمد لله رب العالمين.

[1] الدومينو: هي لعبة الأحجار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت