فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 5777

الحلال والحرام

الرقاق والأخلاق والآداب

الزهد والورع

محمد النمر

الطائف

الهويش

-حكم طلب الحلال ,وأسباب وقوع الناس في الحرام - ماذا يجب فعله عند التباس الحلال

بالحرام - بعض صور الكسب الحرام - تربيته صلى الله عليه وسلم صحابته على الورع ونماذج لذلك من حياة السلف - مراتب الورع وفضله

أما بعد:

فيا عباد الله: فإن طلب الحلال واجب على كل مسلم، وإن صار عصيا على العقول فهما، وثقيلا على الجوارح فعلا وذلك بسبب قلة الفقه في الدين والتعلق بالمادة واختلال الموازين إذ كثير من يقدر الرجل من خلال ما يملك وما يلبس وما يركب. والأمر ليس كذلك فالمرء بأصغريه قلبه ولسانه ورب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره. إن فساد التصور جرأ أناسا كثيرين على الحرام ولبس على العامة الحلال، فظنوا أن الحلال مفقود وأن السبيل دون الوصول إليه مسدود وأنه لم يبق وجه سوى الاتساع في المحرمات.

ومن تركنا على المحجة البيضاء يقول: (( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة.. الحديث ) ).

فما على من يحرص على دينه إذا التبس عليه أمر بين حل وحرمة أن يسأل إذا لم يعلم كما كان سلفنا رضوان الله عليهم الذين عناهم قول الله تبارك وتعالى: كلوا من الطيبات واعملوا صالحا. وقوله: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون.

فكل معاملة ليست على أصل شرعي واضح فهي من أكل أموال الناس بالباطل الذي حرمه الله ونهى عنه.

وكم تجرأ الناس على الكسب الحرام: عامل لا يؤدي عمله على وجه صحيح، ورب عمل يقتطع من حق أجيره، وموظف لا ينهض بمسؤولية وظيفته، وتاجر يغش في سلعته، ومتجرئ على التعامل بالربا، ومتاجر بما يفسد عقول الناس ويدمر حياتهم.

ألا ما أشد ضياع من تنكب طريق الهداية فباع نفسه للشيطان هذا رسول الله يجد ثمرة في زاوية البيت ساقطة على فراشه فيرفعها ليأكلها ثم يخاف أن تكون صدقة فيلقيها فقد روى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة عن النبي قال: (( إني لأنقلب إلى أهلي فأجد الثمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها ) )، ويعيش صحابته رضوان الله عليهم بهذا الحذر من الحرام ومن شبهته هذا الصديق كان لا يأكل إلا من خراجه فجاء غلامه يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا، فقال: وما هو، قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية فأعطاني فأدخل الصديق أصبعه في فيه وجعل يقيئ حتى ظن أن نفسه ستخرج.

لقد فهموا قول نبيهم صلوات الله وسلامه عليه لسعد وقد سأل النبي أن يسأل الله له أن يجعله مجاب الدعوة فقال عليه الصلاة والسلام: (( أطب مطعمك تجب دعوتك ) )، تقول عائشة رضي الله عنها: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة؛ الورع، ويقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز.

يقول يحي بن معاذ: الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء، وأسنانه لقم الحلال.

واسمعوا قول سهل التستري: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أريع خصال: إذا جمل الفرائض بالسنة، وأكل الحلال بالورع، واجتنب البذيء من الظاهر والباطن، وبقي على ذلك حتى الموت.

وخذوا هذا ممن نور الله قلوبهم: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، علم أو لم يعلم، ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات.

ولقد بلغ الأمر عند السلف أنهم إذا جلس الواعظ للناس قال العلماء: تفقدوا منه ثلاثا: فإن كان معتقدا لبدة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق،وإن كان سيء الطعمة فعن الهوى ينطق، فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه.

يقول علي بن أبي طالب: إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب، وزاد بعضهم وشبهتها عتاب.

ولقد كان بين الإمام أحمد ويحيى بن معين رحمهما الله صحبة طويلة فهجره أحمد إذ سمعه يقول: إني لا أسأل أحدًا شيئا، ولو أعطاني الشيطان شيئا لأكلته، حتى اعتذر يحي وقال: كنت أمزح، فقال: تمزح بالدين، أما علمت أن الأكل من الدين، قدمه الله تعالى سبحانه على العمل الصالح فقال: كلوا من الطيبات واعملوا صالحا.

واعلموا رحمكم الله أن الورع له أول وهو الامتناع عما حرمته الفتوى وهو ورع العدول، وله غاية وهو ورع الصديقين وذلك هو الامتناع عن كل ما ليس لله مما أخذ بشهوة أو توصل إليه بمكروه، أو اتصل بسيئة مكروه وبينهما درجات في الاحتيال، فكلما كان العبد أشد تشديدا على نفسه كان أخف ظهرا يوم القيامة، وأسرع جوازا على الصراط، وأبعد عن أن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع، كما تتفاوت درجات الناس في حق الظلمة بحسب تفاوت درجات الحرام من الخبث، فإن شئت فاستكثر من الاحتياط، وإن شئت فرخص، فلنفسك تحتاط وعلى نفسك ترخص.

ورسول الله يقول: (( لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به فخافة ما به بأس ) ).

ويقول الفاروق عمر: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام.

وبعد فهل عزت هذه النماذج من المتقين في واقع الناس، لا فالخير في الأمة والحريصون على دينهم كثيرون.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت