فهرس الكتاب

الصفحة 519 من 5777

تذكروا

الرقاق والأخلاق والآداب

أمراض القلوب, الموت والحشر

عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي

عنيزة

جامع السلام

1-بيان الغفلة التي تغلب على الناس. 2- ذكر هادم اللذات. 3- التحذير من نسيان الموت.

4-عظم الموقف بين يدي الله يوم القيامة ، وبعض صوره. 5- موعظة.

أما بعد:

فيا أيها الناس: اتقوا الله حق التقوى... عباد الله ، نقل ابن ماجة بسند صحيح عن النبي أنه قال: (( من كانت همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا راغمة ، ومن كانت همه الدنيا فرق الله عليه أمره ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له ) ).

إخوة الإيمان.. هذه الدنيا نسير فيها سير الواثق ، نلهث خلف سرابها الزائل ، نحث الخطى مسرعين نحو لذائذها الفانية ، وننسى في غمرة ذلك السعي الحثيث لحطامها أن نوجه أنفسنا إلى الخير فيقف بها على جادة التأمل في الحال ومراجعة الحساب.. ويسير بنا الحال وكأننا في سباق محموم مع الزمن وملذاته التي نخشى فواتها... إنه باختصار وصف لحالنا وحال نفوسنا في هذه الدنيا ، وتعالوا بنا إلى وقفة نتأمل فيها الحال ونذكر فيها النفوس في خضم الحياة وسدرة الغفلة ، وما أحوج القلوب الراكدة ، والنفوس الغافلة إلى التذكير.

عباد الله: من خاف الوعيد وقصر عليه البعيد ومن طال أمله ضعف علمه ، وإن ربكم لم يخلقكم عبثا ، ولن يترككم سدى ، فتزودوا من دنياكم ما تحرزون به أنفسكم غدا ، فالأجل مستودع ، والأمل خادع.

تمر بنا الجنائز في مشاهد يومية نرى تجهيزها ويصلي الناس عليها، ويسيرون خلفها ، نشيعها محمولة إلى مثواها الأخير فترى من يلقي عليها نظرات عابرة وربما طاف بهم طائف من الحزن يسير ، أو أظلهم ظلال من الكآبة خفيف ، ثم سرعان ما يغلب على الناس نشوة الحياة وغفلة المعاش... فيا أهل الغفلة كيف ترجى الآخرة بغير عمل، أم كيف ترجى التوبة مع الغفلة والتقصير وطول الأمل ، ويل لأهل الغفلة إن أعطوا لم يشبعوا وإن منعوا لم يقنعوا.

يا أهل الغفلة: هذه الدنيا كم من واثق فيها فجعته ، وكم مطمئن إليها صرعته ، وكم من محتال فيها خدعته ، وكم من مختال أصبح حقيرا وذوي نخوة أردته ذليلا ، سلطانها دول ، وحلوها مرّ ، وعذبها أجاج.. أحوالها إما نعمٌ زائلة ، وإما بلايا نازلة ، وإما منايا قاضية.

يا أهل الغفلة: أكثروا من ذكر الموت، بهذا أوصى نبينا محمد فقال: (( أكثروا من ذكر هادم اللذات ) )، فما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقها ، ومن ذكر الموت وما بعده حق الذكر حاسب نفسه في عمله وأمانيه ، وأيم الله ليوشكن الباقي منّا أن يبلى ،والحي منا ومنكم أن يموت وأن تزال الأرض منا كما أزلنا منها فتأكل لحومنا وتشرب دماءنا كما مشينا على ظهرها وأكلنا من ثمارها ثم نكون كما قال الله: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ، [الزمر:68] وقف رسول الله ذات مرة على شفير قبر فبكى حتى بلَّ الثرى ، ثم قال: (( يا إخواني لمثل هذا فأعدوا ) )، ويسأله عليه الصلاة والسلام رجل فيقول: من أكيس الناس يا رسول الله ؟ فقال: (( أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعداد له ، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ) )، ومن أكثر ذكر الموت أكرمه الله بثلاث: تعجيل التوبة ، وقناعة القلب ، ونشاط العبادة... ومن نسي ابتلي بثلاث: تسويف التوبة ، وترك الرضا بالكفاف ، والتكاسل بالصلاة ، كفى بالموت للذات هادما، وللجماعات مفرقا، وللأماني مقطعا،... واستبدل الأموات بظهر الأرض بطنا ، وبالسعة ضيقا ، وبالأهل مساكنهم ، والتراب أكفانهم ، والرفاة جيرانهم ، لا يجيبون داعيا ، ولا يسمعون مناديا ، كانوا أطول منا أعمارا وأكثر آثارا ، فما أغنى عنهم ذلكم من شيء لما جاء أمر ربك فأصبحت بيوتهم قبورا ، صارت أموالهم للوارثين ، حل بهم ريب المنون ، وجاءهم ما كانوا يوعدون: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ، [المؤمنون: 115] فهل تفكرت يا عبد الله بيوم المصرع الذي ليس لدفعه حيلة ولا ينفع عند نزوله الندم ؟ هل حملنا هم الآخرة والحساب والعقاب الجزاء والثواب ؟ هل استعددنا لمواقف يوم القيامة ، وما أشدها على النفوس ؟ هل نتذكر حين يقف الإنسان بضعفه وعجزه ، يقف العبد بفقره وذله ، يقف العبد بذنبه وخطيئته ، يقف أمام جبار السماوات والأرض ، أمام القوي القهار العزيز الجبار ، من له العز كله والجبروت كله والعظمة والقهر... يقف العبد أمام رب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، يقف العبد أمام التواب جل جلاله ، وقد زالت عن هذا العبد كل مظاهر القوة الزائفة ، فذهب عن الَِملك ُملكه ، وعن السلطان سلطانه ، وعن الغَني عْناه ، وعن القوَي قواه ، لم يبق معه إلا ضعفه وذلته وفقره إلى عفو ربه يقول جل وعلا: ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ، [الأنعام:94]

دخل الخليفة المهدي مسجد رسول الله فقام له كل من في المسجد إلا العالم الرباني ابن أبي ذئب ، فقد بقي مطرقا فلمّا مر به المهدي قال له أحد حاشيته:لمْ تقم لأمير المؤمنين ، فقال:"ذكرت قول الله: يوم يقوم الناس لرب العالمين فقال المهدي: كفى فوا الله لقد وقفت في بدني كل شعرة"، إنه الموقف الذي تنفع فيه الصلات وتفلس فيه العلاقات ، وتخذل فيه الإمعات ، وأعوان الطغاة الذين كانوا في الدنيا يمسكون بذيول المتكبرين والمتجبرين يبيعونهم دينهم بدنياهم ويطيعونهم في معصية ربهم ويعلمون حينذاك بأي حبل ضعيف تعلقوا.. وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ، [إبراهيم:21] إنه الموقف الذي تنكشف فيه كل حيلة ، ويظهر فيه كل زيف ، ويُخذل المنافقون الذين يصلون مع المسلمين وليس الصلاة ولا الموعظة مرادهم ، وحدث النبي فقال: (( يلقى ربكم العبد فيقول: أي فلان ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والأبل وأذرك ترأس وتربع فيقول: بلي يا رب ، فيقول:أفظننت أنك ملاقي ، فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع ، فيقول الله الذي لا تخفى عليه خافية: هاهنا إذا: الآن نبعث شاهدنا عليك ، فيتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليه ، فيختم على فيه ، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فينطق ليعذر من نفسه وذلك الذي يسخط الله عليه ) )، إنه موقف العرض على الله حين: خشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ، [طه: 108] وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلمًا ، [طه: 111] وعًرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدًا ، إنه موقف عظيم تبدد فيه الأموال والقوي ، يقف فيه أمام الله ليسأله عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟.. قال: (( يجاء بابن آدم يوم القيامة كالَحَمل الضعيف فيوقف بين يدي الله جل جلاله فيقول الله تعالى: أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك فماذا صنعت ، فيقول يا رب جمعته وثمرته وتركته أكثر ما كان فارجعني آتك به ، فيقول الله: أرني ما قدمت ،فيقول معيدا: يا رب جمعته وثمَّرته وتركته أكثر ما كان ، فارجعني آتك به ، فإذا عبد لم يقدم خيرا فيمضي به إلى النار ) )إنها مواقف القيامة حين المساءلة مع الله عز وجل... أما من عاشوا في هذه الدنيا يتذكرون تلك المواقف ، يتذكرون ويقولون: إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا ، [الإنسان:10] فإن الله يذكرهم ولا ينساهم... روي في الحديث عن النبي أنه قال (( يؤتى بالعبد فيوقف بين يدي ربه فيضفي عليه المولى جل جلاله كنفه أي ستره لا يفضحه ، فيكلمه ربه وهو أعلم به ، يا عبدي عملت يوم كذا وكذا ؟! عملت يوم كذا وكذا ؟! يقرره بذنوبه في الآخرة ، يقول: بلى يا رب لا ينكر من ذلك شيئا حتى إذا ظن أنه هالك ، قال له الرب الرحيم: فإنني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا اغفرها لك اليوم ) )، وروى أبو ذر عن النبي أنه قال: (( إن عبدا يوقف بين يدي الله فيقول الله: اعرضوا عليه صغار ذنوبه واطووا عنه كبارها ، فتعرض عليه ذنوبه الصغار ذنبا ذنبا يقرر بها ، ويقول: بلى يا رب لا ينكر منها شيئا وهو خائف أن تعرض عليه كبارها ، فيقول الله له: فإني قد غفرتها لك اليوم وأبدلتها كل سيئة بحسنة ، فيقول: يا رب إن لي ذنوبا ما أراها هنا ) )، قالوا أبو ذر: فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه.

إخوة الدين والعقيدة... من منا تفكر في تلك المواقف عند الموت وبعده ، حين ترتعد الفرائض وتبلغ القلوب الحناجر ، وتجثو الأمم على الُّركَب ، وأيقن المذنبون بالهلاك والعطب في ذلك اليوم العظيم حين يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه حين تتطاير الكتب فممسك كتابه بيمينه وآخر بشماله حين تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ، فما ظنكم بنا إخوة الإيمان في ذلك اليوم ترى ما حالنا حينذاك إن لم يتداركنا الله برحمته ؟!.

بأي حال نلاقي الله ونحن من بارزه بالخطايا واستكثرنا من الذنوب ؟! بأي لسان ننطق ونحن نرى عِظَمَ الموقف ؟! كيف الجواب لرب العزة الذي يخاطب بلا حجاب ؟ ينظر العبد يوم ذاك عن يمينه فلا يرى إلا ما قدم وعن شماله فلا يرى إلا ما قدم وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار ، يسأل كل منا عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن عمله ماذا عمل به... إننا نخسر ونخسر وقبل أن يدركك الشيطان.. عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: (( إن الشيطان قال: وعزتك يا رب ، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، فقال الرب عز وجل: وعزتي وجلالي ، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ) )أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي.

التوبة.. التوبة يا عباد الله قبل أن يصل إليكم الموت...

يا أيها الباني الناسي منيته لا تأمنن فإن الموت مكتوب

على الخلائق إن ُسروا وإن فرحوا فالموت حتف لذي الآمال منصوب

لا تبنين ديارا لست تسكنها وراجع النسك فيما يغفر الحوب

فيا أيها العاصي وكنا ذاك ، هلا خرجت وقد عزمت على التوبة ، يا من سود كتابه بالسيئات قد آن لك بالتوبة أن تمحوا ، يا سكران القلب بالشهوات أما آن لفؤادك أن يصحو... إنها دعوة إلى التوبة ، توبة من كل معصية يقارفها العبد في كل شؤون حياته ، في نفسه ودينه وماله وشهواته ومنصبه ، فيا رب...

أسأت ولم أُحسن وجئتك تائبا وأنى لعبد من مواليه مهرب

يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه فما أحد منه على الأرض أخيب

اللهم اختم لنا بخاتمة الصالحين التائبين ، اللهم واجعلنا يوم الفزع آمنين ، واجعلنا ممن يؤتون كتابهم باليمين ، وممن يُرفع مقامُهم في عليين.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتَى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرّة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين. [الزمر53-59]

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم...

الحمد لله على إحسانه... أما بعد:

فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وتوبوا إليه ، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله وإن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه إن الله وملائكته يصلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت