الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
أعمال القلوب, التربية والتزكية
عبد الرحمن بن عبد الجبار هوساوي
الظهران
جامع جامعة الملك فهد
1-أقسام النفس في القرآن الكريم. 2- أقسام اللوم المحمود. 3- علامات اللوم المحمود. 4- وجوب المحاسبة قبل العمل وبعده.
أيها الإخوة، من الموضوعات المهمّة التي تحدّث عنها القرآنُ الكريمُ حديثًا مستفيضًا الحديثُ عن النفس الإنسانيةِ، حيثُ تحدث عن خصائصها بتفصيلات دقيقة لا قبل لعلماء النفس بمعرفتها فضلًا عن غيرهم، ولم الاستغراب؟! أليس هو خالقها وفاطرها؟! وصدق الله: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] .
لقد تحدث القرآن عن صعودها وهبوطها، وعن جنوحها واعتدالها، وعن ضعفها وعجزها، وعن تقواها وفجورها، وعن زكاتها وطهارتها، وعن تمردها ومكابرتها، وعن حرصها وشحها، كما لفت الأنظارَ إلى أن التفكر في النفس هو أحدُ وسائلِ إدراكِ الحقِ والاعتبارِ، فقال تعالى: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] ، وقال: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53] .
ولأهميةِ النفس وكونِها محورَ التغيير كما قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال:53] ، إضافة إلى أنها سببُ الشقاء أو السعادة أقسم الله بها فقال: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7] ، وقال: وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:2] .
والنفس في القرآن ثلاثة أنواع، هي النفس الأمارة بالسوء واللوامة والمطمئنة، وكل نفس أخرى فهي تندرج تحت أحدِ هذه الأنواع، وقد اختلف هل هي أنواع أم صفات وأحوال؟ بمعنى: هل لكل إنسان ثلاثُ أنفس، أم له نفسٌ واحدةٌ لها ثلاث أحوال؟ والأرجح أن له نفسًا واحدةً لها ثلاث أحوال، لكنه يُنسبُ إلى ما يغلب من طبعه؛ إما أمّارة أو لوامة أو مطمئنة وإن كان له حظًا من الحالتين الأخريين.
أيها الإخوة، والواقع يشهد بما أخبر القرآنُ الكريمُ من أن الشايعَ بين الناس وللأسف هي النفس الأمارة بالسوء، كما قال تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف:53] ، ووجه الاستدلال أن الأصل في المستثنى أنه الأقلُ دائمًا، وقد أكد هذه الحقيقةَ في هذه الآية بثلاثة مؤكدات يعلمها أهلُ اللغة وهي: (إنّ) والجملة الإسمية ولام الابتداء في الخبر (لأمارة) ، كما دلت عدة آيات أن النفوس الخيّرةَ هي الأقلُ دائمًا، منها: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] ، وقوله: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103] ، وقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء:89] ؛ لذلك كان أهلُ النار أكثرَ بكثير من أهل الجنة، جاء في البخاري عن أبي سعيد عن رسول الله قال: (( يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فعنده يشيب الصغير، وتضع كلُّ ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد ) )، قالوا: وأينا ذلك الواحد؟! فقال: (( أبشروا، فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف ) )، ومن هنا قال بعض السلف:"عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين"، وصدق القائل:
لا تعجبنّ من هالك كيف هوى بل فاعجبنْ من سالم كيف نجا
أيها الإخوة، إن النفس الأمارة بالسوء مذمومة دائمًا ومطلقًا، ليس لها وضع تحمد فيه، وعليه فهي في هذه الحالة مثل الشيطان الرجيم لا يحمد أبدًا، كما قال لأبي هريرة عن الشيطان لما نصحه بنصيحة صحيحة: (( صدقك وهو كذبوب ) )، وانظر إلى صيغة المبالغة في لفظ الرسول ، وكذلك وصف القرآن النفسَ الأمارةَ بصيغة مبالغة: لأَمَّارَةٌ ، إذًا فالنفسُ الأمارة بالسوء والشيطانُ لا تُقبَل نصيحتُهما مهما بدت أنها خالصة، وصدق الشاعر:
وخالف النفسَ والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصحَ فاتَّهمِ
ولمّا كانا بهذه الخطورة في الصدّ عن الحق وتزيين الباطل مقابل عجز الإنسان عن مقاومة شرورهما وتزينهما كان لزامًا على الإنسان أن يلجأ إلى الله مستعيذًا به من شرهما ووسوستهما، ولعل هذا سببُ كثرة استعاذة رسولِ اللهِ بالله من شرور النفس في خطبِه قائلًا: (( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ) ). ومن هذا المنطلق أيضًا علَّم أبا بكر دعاءً يقوله صباحًا ومساءً يستعيذ فيه بالله من النفس والشيطان، روى الترمذي وصححه أن أبا بكر قال: يا رسول الله، مُرني بشيءٍ أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت قال: (( قل: اللهم فاطرَ السمواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، ربَّ كلِ شيءٍ ومليكَه أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذُ بك من شرِّ نفسي ومن شرِّ الشيطان وشِركِهِ، قله إذا أصبحتَ وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك ) ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الإخوة، النفسُ الثانيةُ هي اللوامة، وقد أقسم الله بها في قوله: وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:2] ، واللوامةُ هي كثيرةُ التعنيفِ والتوبيخِ لصاحبها، وقد ذهب بعضُ المفسرين أن وصفها باللوامة ذمٌ لا مدحٌ، والصواب التفصيل بالنظر إلى ما تلوم عليه، فإن لامت على الخير فهي مذمومة وملحَقةٌ بالأمارة؛ لأنها ندمت على فعل الخير، وإن لامت على الشر فهي محمودةٌ وفي طريقها في الرقي إلى مرتبة النفس المطمئنة.
واللوم المحمود نوعان: مؤقّت ودائم، فالمؤقت غير مثمِر، وهو اللوم العابر الذي لا أثر له، كلومِ الإنسانِ نفسَه على التقصير عند سماع موعظة، أو إذا مرت به مصيبةٌ وشدةٌ، أو رأى مبتلًى، لكن لفترةِ الحدث دون أن يعزم على الترك أو الفعل بمقتضى اللوم، فيكون مجردَ حديث نفس، ولذلك اشترط العلماء في التوبة المقبولة شرطين غيرَ الندم كدليلٍ على صدق الندم هما: الإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة.
أما اللوم الدائم فهو المثمر، وهو الذي يستمر أثره في النفس وتعقبه محاسبة ومراقبة، ونتيجته الاستقامة، وهو نوعان: لوم وتأنيب على ارتكاب العمل المحرم؛ كلوم النفس على الزنا وشرب الخمر والغش والخيانة وتعاطي الربا ونحو ذلك، ولوم وتأنيب على التقصير في العمل الصالح، وله صورتان: الأولى: لومُ النفس على التقصير في أصلِ العمل الصالح؛ كترك الصلاة وترك التصدق على المسكين أو عدم قراءة القرآن الكريم ونحوه، والثانية: لومُ النفس على التقصير في الاستكثار من العمل الصالح؛ كلومها على التصدق بمبلغ صغير وكلومها على عدم المواظبة على الورد القرآني وعلى قيام الليل وقتًا قصيرًا ونحوه.
أيها الإخوة، كما أشرنا حتى يكون هذا اللوم نافعًا ومثمرًا لا بد أن يكون جادًا وصادقًا لا تمثيلًا وادعاءً، وله علامات:
أولها: المبادرةُ إلى الترك أو الفعل وتركُ التسويف.
ثانيها: اتخاذُ الأسباب والوسائلِ المعينة على الترك أو الفعل، كهُجران رفقاء السوء الذين يذكّرونه بالمعصية، وكالنوم المبكر وتوقيت المنبّه لمن ينام عن صلاة الفجر، وبدون المبادرة واتخاذ الأسباب يغدو الندم مجرّد دموع التماسيح وأماني، وقد قال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123] ، أي: ليس ما وعد الله من الثواب يحصل بأمانيكم أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب، وإنما يحصل بالإيمان والعمل الصالح. وانظر كيف عرَّض القرآنُ بالمنافقين واعتبرهم كاذبين في ندمهم على عدم الخروج في غزوة تبوك فقال تعالى: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:46] .
أيها الإخوة، إن اللوم والتأنيب الصادق يمكن أن يكون مضادات معنوية تحمي الإنسان من التفريط والتقصير، كما تحمي المضادات الحيوية جسمه من الجراثيم، بل يمكن أن يكوِّن مناعة دائمة للنفس حتى تصبحَ نفسًا مطمئنة، وذلك إذا تعود الإنسان على محاسبة نفسه قبل أي فعل وبعده. يقول الحسن رحمه الله:"إن المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه: ماذا أردت بكلامي؟ وماذا أردت بعملي؟ وإن الكافر يمضي ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها"، ويقول ابن القيم رحمه الله:"المحاسبة قبل العمل وبعده، فأما قبل العمل: فبأن يقف عند أول همه وإرادته ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رُجحَانُه على تركه، وقال الحسن: رحم الله عبدًا وقف عند همّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر، هذا قبل العمل، وأما بعد العمل فبمحاسبتها على طاعة قصّرت فيها فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي، فإن كان مما يستدرك استدركه، وإلا عاد على نفسه باللوم والندم والتوبة والاستغفار، وجدد العزم وسأل الله العفو والصفح والغفران."
وأتمنى لو أن كل واحد منا قبل أن يقدم على عمل سأل نفسه ثلاثة أسئلة: هل هذا العمل يحقق مرضاة الله أم سخطه؟ وهل هذا العمل يحقق أهدافي وغاية وجودي أم لا؟ وهل هذا العمل يقوي أمة الإسلام أم يضعفها؟ فإن كان الجواب بالنفي فلا ينبغي أن يقدم عليه، ولو أجابته نفسه فإنه من الشيطان ومن النفس الأمارة بالسوء.