العلم والدعوة والجهاد
المسلمون في العالم
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
1-أحوال المسلمين في العالم. 2- موقف الناس تجاه ما يحل لإخواننا المسلمين. 3- إنما المؤمنون إخوة. 4- لماذا كل هذه المصائب والابتلاءات ونحن خير أمة أخرجت للناس؟ 5- واجبنا تجاه ما يحصل لإخواننا.
أما بعد: إن أمة الإسلام أمة مبتلاة، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فما إن يطلق المسلم بصره في أرجاء الدنيا إلا ويرى المسلمين يُذبحون أو يضطهدون أو يشردون، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8] . فالمسلمون مضطهدون في جنوب الفلبين، والمسلمون مستضعفون في الهند وكشمير المسلمة التي يحتلها عباد البقر الذين يحرقون إخواننا وهم أحياء، والمسلمون في سيريلانكا يقتلون في مذابح لا يدري عنها العالم لفقر تلك البلاد ولبعدها، ولا يخفى عليكم جميعا ما فعله الصرب الصليبيون في البوسنة والهرسك وفي إقليم كوسوفا، وقبل ذلك كله هنالك فلسطين التي يدنسها اليهود وقد نسيها المسلمون، وأصبح فينا من لا يهتم بما يجري فيها خاصة بعد مؤامرات الاستسلام والدعوات للتعايش السلمي، ومحاربة الجهاد في سبيل الله.
وبالأمس القريب نقرأ ونسمع عن مذبحتين للمسلمين في تايلاندا ونيجيريا، وعن تعذيب وانتهاك القوات الأمريكية المحتلة بالعراق لأبسط حقوق الإنسان لإخواننا وأخواتنا، ولا نسمع استنكارا من أحد من المسلمين.
إذًا القاسم المشترك بين كل ذلك الظلم هو الإسلام، فهو المطارد وهو الهدف، وللمسلم عند مثل هذه الأنباء وقفات:
أما الوقفة الأولى: فهي مع حديث النبي: (( يوشِك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) )، قيل: يا رسول الله، فمن قلة يومئذ؟ قال: (( لا، لكنكم غثاء كغثاء السيل، يُجعل الوهن في قلوبكم، ويُنزع الرعب من قلوب عدوكم ) )، قيل: وما الوهن؟ فقال: (( حب الدنيا وكراهية الموت ) ).
عباد الله، ما أشد ما يصف هذا الحديثُ واقعَنا، إن المسلمين اليوم أكثر من ألف وخمسمائة مليون مسلم، لكنهم متفرقون متشرذمون، لا يحكمون شرع الله ولا يتحاكمون إليه، بل يتحاكمون إلى مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، وهم أبعد وأخوف ما يكونون من الجهاد في سبيل الله لغفلتهم وانشغالهم بالدنيا، ومن دعا إلى الجهاد فهو الإرهابي المتطرف، والمسلمون اليوم طرفان ووسط: فطرف قد تجاوز الحد وغلا وتطرف، فأصبح يستحل دماء المسلمين والمعاهدين، فيقتل ويسفك الدم في بلاد الإسلام ويفجر المنشآت ويكفر المسلمين ويروع الآمنين، (( يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ) ). وأما الطرف الآخر فهم يوالون الكفار ويحبونهم ويكرمونهم، ويرغبون في أن تصبح بلادنا مثل بلادهم في التحرر والتفسخ الديني والأخلاقي، ويرون أن ما يفعله الكفار في إخواننا المسلمين من تعذيب وانتهاك للأعراض وقتل ما هو إلا من باب السياسة الشرعية التي لا يحق لنا الحديث عنها، فيشيحون بوجوههم كأن الله لن يسألهم عنهم، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] .
وأما الوسط فهم الغالبية العظمى وهم أهل السنة والجماعة الذين يبغضون ويعادون أهل الملل المختلفة، ولكنهم لا يعتدون على أحد من أهل الذمة فضلا عن أن يكون من أهل القبلة، وبغضهم ومعاداتهم لا تمنعهم من المعاملة الحسنة والتلطف في القول مع الكفار، رجاء أن يعجبوا بالأخلاق الإسلامية فيسلموا.
الوقفة الثانية: يقول النبي: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ). إن أعضاء أمتِنا الإسلامية قد اشتكت وطالت شكواها، فهل تداعينا لها بالسهر والحمى؟! هل شعرنا بما يشعر به إخواننا في فلسطين والعراق وهم يضطهدون ويعذبون ولا يعرفون للأمن معنى؟! إن النفوس قد أصابها الشح والبخل والعياذ بالله، فالناس أصبحوا لا يجودون بما يملكون كما كان السلف، وصدق الله تعالى إذ يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] .
أقول قولي وأستغفر الله.
أما بعد: الوقفة الثالثة: لماذا كل هذه المصائب والابتلاءات ونحن خير أمة أخرجت للناس؟!
والجواب هو: إن كان السؤال للتذمر والتشكي فهو أمر محرم؛ لأنّه اعتراض على قضاء الله وقدره، أما إن كان السؤال لمعرفة الداء ومكمنه فإن الله تعالى يقول: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] . إذًا هذه المذابح والمصائب هي بسبب ذنوب المسلمين، كما يقول تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] . فما من دولة إسلامية إلا وفيها دعوة صريحة أو مبطنة إلى الشرك، كتعظيم القبور والأضرحة ودعاء النبي والأولياء والاستغاثة بهم لتفريج الكرب وكشف الغم، وهذا إضافة إلى ما في تلك البلاد من إقصاء لشرع الله وتعظيم للفواحش والمنكرات بأنواعها.
أما الوقفة الأخيرة: فقد يتساءل المسلم: ما واجبنا مع ما يحصل لإخواننا؟
هنالك الكثير مما يمكننا فعله، فمن ذلك وجوب تفعيل الولاء والبراء، فيجب علينا أن نتبرأ من اليهود والنصارى وملل الكفر كلها بلا استثناء، وأن نجعل ولايتنا للمسلمين فقط، فنخرج من بلادنا من لم يكن على ملتنا، ولا نستقدم إلا المسلمين، ولا ننفع إلا المسلمين، يجب علينا أن نثير هموم المسلمين في مجالسنا وننشر الوعي بيننا كي يستطيع المسلم تحديد أعداء الإسلام من أوليائه، بدلا من ملء مجالسنا بشجار اللاعب الفلاني مع آخر وضربه له، وتنصيب أنفسنا قضاة في أمر لن يحاسبنا الله تعالى عنه إلا لأننا خضنا فيه مع الخائضين.
كذلك من الواجب إن أردنا أن يغير الله ما حل بنا أن نغير ما بأنفسنا، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعلينا أن نمنع الأمور التي تجلب علينا غضب الله، علينا ترك المنكرات ومنعها من أسواقنا وبيوتنا وطرقاتنا ومكاتبنا، علينا بتفقد أبنائنا وبناتنا وزوجاتنا؛ إذ لو ضمن كل منا صلاح نفسه ومن يعول فإن المجتمع كله يصبح صالحا، أما بوجود التبرج والسفور والاختلاط وترك الرجال والصبيان للفروض في المساجد وتعطيل حلق حفظ القرآن وانتشار المنكرات في كل مكان على مرأى من الناس وبرضاهم وبدون من ينهى عن المنكر فإن ما أصاب إخواننا سيصيبنا لا محالة، كما قال تعالى: وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83] .
فاتقوا الله عباد الله، وساعدوا إخوانكم المضطهدين في كل مكان بالمال والسلاح والدعاء، ابذلوا الجهد في نصرتهم وإحياء قضيتهم، كي ينصرنا الله على قوى الشر والكفر والعلمنة، وبذلك نكون قد استفرغنا جهدنا، والله حسبنا ونعم الوكيل.