فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 5777

خطر الابتداع واتباع الهوى

قضايا في الاعتقاد

البدع والمحدثات

عبد الله بن صالح القصير

الرياض

جامع الأمير متعب

أما بعد:

فيا أيها الناس! اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى، ولا تتبعوا الهوى؛ فتضلوا عن الهدى، وإياكم وهذه الأهواء فإنها تورث العمى، وتجلب الشقاء، وتفسد الدين والدنيا والأخرى، فإنكم في زمان آثر الناس فيه الهوى، فأولعوا بالأهواء، وقد قال تعالى في محكم الكتاب: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب [سورة ص:26] ، فإذا كان من الأنبياء من يحتاجون إلى موعظة بهذا الشأن، فكيف بمن دونهم ومن لا يذكر معهم؟! ولا سيما في هذا الزمان؛ ذلك لأن الهوى يعمي عن الحق ويصم ، ويهلك من انتشر بينهم من الأمم.

عباد الله: لقد تواترت النصوص من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح من هذه الأمة في الحث على لزوم طريق الهدى، والتحذير من البدع والأهواء، قال الله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما ًفاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [سورة الأنعام:153] ، وقال سبحانه: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلًا [سورة النساء:59] .

وثبت من غير وجه في الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها من دواوين السنة أن النبي قال: (( خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) ). وفي لفظ: (( أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ، وكل ضلالة في النار ) ).

وثبت عن ابن مسعود قال: خط لنا رسول الله يوما خطا ثم قال: (( هذا سبيل الله ) )، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: (( هذه سبلٌ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ) )ثم تلا قول الله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [سورة الأنعام:153] الآية.

وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( ما من نبي بعثه الله عز وجل في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ) )، وفي رواية: (( يهتدون بهديه، ويستنون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل ) )، والمقصود الحث على إنكار محدثات الأمور المخالفة لهدي النبي وسنته بحسب القدرة والحال، وأدنى ذلك الإنكار بالقلب؛ وذلك بكراهة المحدثات والحذر من أهلها في سائر الحالات.

وفي سنن الدارمي وغيره عن عرباض بن سارية قال: صلى لنا رسول الله صلاة الفجر، ثم وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: (( أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة - يعني لمن ولاه الله أمركم - وإن كان عبدًا حبشيًا؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها النواجذ، وإياكم والمحدثات؛ فإن كل محدثة بدعة ) )، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( من أحدث في - أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ).

معشر المسلمين: ومما ورد عن السلف الصالح من الحث على اتباع الهدى، والتحذير من اتباع الهوى، والإصغاء لأهل الأهواء، قول ابن مسعود: أيها الناس! إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول. قال: قال ابن مسعود: ستكون هنّات وهنات، فبحسب امرئ إذا رأى منكرا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره.

وقال عمر رضي الله عنه: إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تعالى. وقال أيضا: يهدم الإسلام زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن وحكم الأئمة المضلين.

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أوصيكم بتقوى الله تعالى، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله ، وترك ما أحدثه المحدثون بعده.

وقال الحسن رحمه الله: سنتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما؛ بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما بقي الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا.

وسئل إبراهيم بن موسى رحمه الله عن هذه الأهواء؟ فقال: ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة من خير، ما هي إلا نزغة من الشيطان، وعليك بالأمر الأول.

عباد الله: مما سبق يتبين لكم أن التنكر لمنهاج السلف الصالح في الأقوال والأفعال، وتنقص العلماء الأكابر، والتشهير بالحكام على المنابر، وتحديث العوام بما لا يعرفون، وإيغار الصدور والتهويل في الأمور للحكام، والتسبب في تفريق شمل المسلمين، والسعي في إفساد ذات البين، هي الحالقة التي تحلق الدين، والتشديد إلى حدِّ التكفير بما دون الشرك من الكبائر، وغض النظر عن دعاة الشرك والخرافة من كل وثني حائر، والاحتجاج بمتشابه القرآن، وترك الصحيح الصريح مما جاء عن النبي من بيان، والتعاطف مع مثيري الفتن، والتعاون مع كل حزبي نتن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة والدعوة لله على غير ما توجبه الشريعة، ومخالفة أصول عقيدة أهل السنة والجماعة في طاعة الأئمة ونصح الأمة، كل ذلك من أنواع المحدثات التي هي شر الضلالات وآثام المبتدعات ،وهي كفيلة بهدم الدين وجلب الشقوة على المسلمين. فاحذروا عباد الله هذه الأمور ودعاتها.

عن حذيفة أن النبي قال: (( اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق، فإنه سيجيء من بعدي قوم يرجِّعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ) )، وفي رواية قال: (( يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ) ).

نفعني الله وإياكم يهدي كتابه، وجعلنا من خاصة أوليائه وأحبابه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت