الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
البيوع, الزهد والورع
محمد بن صالح العثيمين
عنيزة
الجامع الكبير
فتنة الأموال والأولاد-
شرع الله لعباده طرقا لتحصيل الأرزاق وتصريفها مبنية على العدل والقصد-
انقسام الناس في ذلك -
حال السلف في تحصيل الأموال وتصريفها وورعهم في ذلك وموقف أبي بكر من الغلام،
وعمر-
حال الناس اليوم وعدم مبالاتهم بأكل الحرام وأكل أموال الناس بالباطل ، ونماذج لذلك-
(الغش في البيع - الحلف الكاذب - منع الأجير حقه - تفريط العامل في عمله)
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم.
عباد الله: الأموال فتنة في تحصيلها، فتنة في تصريفها، لقد شرع الله وهو العليم الحكيم لعباده طرقا لتحصيلها مبنية على العدل والقصد فلا ظلم ولا تفريط ولا إفراط، وشرع لعباده طرقا لتصريفها على الوجه النافع للعبد في دينه ودنياه، فانقسم الناس في ذلك أشتاتا وأسعد الناس بها من اكتسبها من طرقها المشروعة ثم بذله فيما ينفعه في دينه ودنياه، وأشقى الناس بها من اكتسبها على غير الوجه الشرعي ثم أمسكها عن بذلها فيما ينفع أو بذلها فيما هو ضار وبين هاتين المنزلتين منازل.
أيها المسلمون: لقد كان إخوانكم الأولون الذين ملكوا زمام الدنيا ومفاتيح الآخرة يعرفون قدر هذه الأموال فكانوا لا يحصلونها إلا من طريق مباح ولا يصرفونها إلا في طريق نافع سلكوا في تحصيلها سبيل الورع وفي تصريفها سبيل الكرم والبذل المحمود، كان لأبي بكر غلام فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا؟ تكهنت في الجاهلية لإنسان وما أحسن الكهانة ولكني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كل شيء في بطنه. وشرب عمر بن الخطاب لبنا فأعجبه فقال للذي سقاه: من أين لك هذا؟ قال مررت بإبل الصدقة وهم على ماء فأخذت من ألبانها فأدخل عمر يده فاستقاء. هكذا أيها المسلمون كان سلفنا يخرجون الحرام من بطونهم بعد أكله وهم جاهلون به حين أكلوه، وما ضرهم ذلك بل ملكوا به خزائن الدنيا ومفاتيح الآخرة وكانت حياتهم طيبة وعاقبتهم حميدة.
أيها المسلمون: الله أكبر ما أعظم الفرق بيننا وبين هؤلاء؟ ما أعظم الفرق بين قوم يخرجون الحرام من بطونهم وبين قوم يرون الحرام عيانا فيتجرئون عليه ويأكلونه؟ لا يبالون من أين أخذوا المال أمن حلال أم من حرام، فالحلال ما حل بأيديهم والطريقة المباحة للكسب ما أمْلته عليه أهواؤهم وشهواتهم، سواء وافق ما في كتاب الله وسنة رسوله أم خالفه، يأكلون أموال الناس بالباطل بالكذب بالغش بالخيانة لا يتورعون ولا يتنزهون إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.
أيها المسلمون: إن من البَّياعين من يظهر السلعة على أعلى ما يكون من الأوصاف الطيبة وهي في باطنها معيبة يجعل الطيب في أعلاها والرديء في أسفلها يغش الناس بذلك ومن غش فليس من أمة محمد، تبرأ منه رسول الله ، من البياعين من يكذب في ثمن السلعة يقول اشتريت السلعة بكذا أو تسام كذا، وهو كاذب فيأخذ بذلك زيادة في الثمن لكنها تمحق بركته ويأكلها سحتا، ومن المستأجرين من لا يوفي الأجير حقه يأتي الأجير فيعمل عنده العمل ولكنه يماطله بالأجرة، ولقد قال النبي: (( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ) )وقال: (( مطل الغني ظلم ) )ومن الأجراء من لا يعطي العمل حقه يتأخر في بدء العمل ثم يعمل ببطء وتأن وتأخر كأنما يساق سوقا وهو يريد أجرته كاملة كيف تريد الأجرة كاملة وأنت لا تعمل العمل كاملا؟ أليس هذا من الظلم؟ أليس هذا من أكل المال بالباطل؟ إن أجيرا كهذا لا يستحق في دين الله تعالى من أجرته إلا بمقدار عمله وما زاد من الأجرة فحرام عليه.
فاتقوا الله أيها المسلمون وعاملوا الناس بالعدل عاملوهم بما تحبون أن يعاملوكم به، حللوا مكاسبكم اجعلوها غنيمة لكم تعينكم على طاعة الله لا تجعلوها غرما عليكم فتفقدوا بركتها وتستحقوا عقوبة الله، وفي الحديث لا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدق به فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث، إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون [البقرة:88] .
لم ترد.