العلم والدعوة والجهاد
أحاديث مشروحة, القرآن والتفسير
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
1-نص الحديث 2- أول واجب على الإنسان هو معرفة ربّه 3- سبيل معرفة الرب الكتاب
والسنة 4- فضل سورة الإخلاص 5- سورة الإخلاص ثلث القرآن 6- اسم الله الأعظم
أما بعد: فإن أول ما يجب على المسلم معرفته من أصول الإيمان معرفة الله وتوحيده أخبر بذلك الصادق المصدوق.
فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما [1] قال لما بعث النبي معاذًا نحو اليمن قال له إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله فإذا هم عرفوا ذلك - أي إذا هم عرفوا الله تعالى - فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة من أموالهم تُؤخذ من غنيهم فتُرد على فقيرهم فإذا هم أقروا بذلك فخذ منهم وتوقَ كرائم أموالهم.
فهذا الحديث الصحيح دليل على أن أول واجب على الإنسان معرفة الله تعالى وتوحيده، ولكن ما السبيل إلى معرفة الله والمخلوق لا يستطيع أن يحيط علمًا بالخالق لا يقوى عقله ولا بصره على إدراكه وإن كانت فطرته جُبلت على معرفة وجوده سبحانه ومعرفة ألوهيته وربوبيته سبحانه ولكن معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله تعالى شيء لا يطيقه عقل البشر بنفسه لا تدركه عقول البشر بنفسها فما السبيل إلى معرفة الله؟
لا سبيل إلى معرفة الله إلا بالله وقد أنعم وتكرم فعرفنا بنفسه في كتابه وعلى لسان رسول الله ولولا ذلك ما عرفناه، لولا أن الله تعالى عرفنا بنفسه ما عرفناه لهذا المعنى يقول خير الأمة عبد الله بن عباس لما سُئل بما عرفت ربك؟
فأجاب رضي الله عنه من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس خارجًا عن المنهاج ظاعنًا في الاعوجاج.
عرفتُ الله بما عرَّف به نفسه ووصفته بما وصف به نفسه هكذا يقول رضي الله عنه.
ومعنى ذلك الكلام النفيس أن المؤمنين لم يعرفوا ربهم بالقياس المنطقي ولا بالبرهان الجدلي ولكن الله سبحانه تعرف إليهم فعرفوه، ووصف نفسه بنفسه فوصفوه.
قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد [الإخلاص] .
روى البخاري في صحيحه [2] عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي بعث رجلًا على سرية فكان الرجل يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم قل هو الله أحد - يختم دائمًا قراءته في صلاته - بقل هو الله أحد.
فلما رجعوا ذكروا ذلك للرسول فقال: (( سلوه لماذا يصنع ذلك؟ فسألوه فقال: إنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها. أي لأن هذه السورة اشتملت على صفة الرحمن فأنا أحبها لذلك وأحب أن أقرأها دائمًا. فقال رسول الله: أخبروه أن الله يحبه ) ).
وكان سبب نزول هذه السورة العظيمة ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن المشركين سألوا رسول الله فقالوا: أوصف لنا ربك يا محمد - أي صف لنا ربك يا محمد - فأنزل الله قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد [الإخلاص] .
فهذه السورة العظيمة عرفت الرب سبحانه وتعالى، أول ما عرفته باسمه الأعظم الله اسمه الأعظم ومعناه المألوه أي المعبود، فهو سبحانه المعبود بحق دون سواه، ثم وصفته بعد ذلك بصفتين عظيمتين الأحد الصمد وهاتان الصفتان اشتملتا على إثبات سائر صفات الكمال لله سبحانه وعلى تنزيهه سبحانه من صفات النقص فالله متصف بصفات الكمال واحد أحد فيها لا يشبهه غيره: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى:11] .
وهو سبحانه منزه عن جميع صفات النقص فهو"الصمد"أي السيد الذي كَمُلَ في سؤدده، وهو سبحانه العظيم الذي كَمُلَ في عظمته الحليم الذي كَمُلَ في حلمه العليم الذي كمل في علمه، الحكيم الذي كمل في حكمته، فهو سبحانه قد كمل في سائر أنواع السؤدد والشرف هو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار.
وهو في صفات الكمال وأحديته وصمديته في الكمال تنزه سبحانه عن الولد والوالد وعن الشبيه والنظير لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا وليس له نظير ولا وزير.
روى البخاري [3] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ بقل هو الله أحد يرددها في ليلته - أي لم يقرأ غيرها في تلك الليلة - يرددها إلى أن أصبح فلما أصبح ذهب ذلك الرجل إلى النبي فذكر له ما صنع ذلك الرجل كأنه يتقالها - أي يرى أنه لم يأتِ إلا بالقليل - لم يقرأ ليلته إلا بـ قل هو الله أحد.
فقال النبي: (( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ) ) [4] .
وروى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي قال لأصحابه: (( أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلته ثلث القرآن فقالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ فقال: قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) ) [5] .
وفي لفظ لمسلم أنه قال: (( إن الله قد جزء القرآن ثلاثة أجزاء فجعل"قل هو الله أحد"جزءًا من أجزاء القرآن ) ).
ومعنى هذا أن القرآن الكريم أُنزل على ثلاثة أقسام فقسم منها الأحكام والتشريعات وقسم منها الوعد والوعيد وقسم منها الأسماء والصفات التي بها نعرف الرب سبحانه وتعالى.
فهذه السورة اشتملت على الأسماء والصفات الإلهية بلفظ موجز فهي ثلث القرآن بهذه المثابة.
روى النسائي [6] وأصحاب السنن عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أنه دخل بالمسجد مع رسول الله فإذا رجل يصلي يدعو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. فقال النبي: (( والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى وإذا دُعي به أجاب. الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد هذا هو اسم الله الأعظم الذي إذا سُئل به سبحانه أعطى وإذا دُعي به أجاب ) ).
أيها المسلمون ادعوا الله سبحانه وتعالى ادعوه بأسمائه الحسنى وصفاته العلي وتقربوا إليه بذلك فإنه سبحانه يحب ذلك يحب أن يثني عليه عبده وأن يصفه بصفات الكمال والجلال وأن يلهج لسانه بذلك وأن يتقرب لربه بذلك ويتعرف على ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون [الأعراف:180] .
وقال تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء:110] .
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
نسألك أن ترحمنا وتعفو عنا وتغفر لنا وتدخلنا الجنة وتعيذنا من النار يا أرحم الراحمين.
سبحان الله العظيم رب العرش الكريم سبحان الله وبحمده.
[1] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب (30) الزكاة (40) باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة (2/529) ومسلم (1/50و51) .
[2] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد باب ما جاء في دعاء النبي مته إلى توحيد الله (6/2686) .
[3] أخرجه البخاري في صحيح في كتاب (69) فضائل القرآن باب فضل قل هو الله أحد (4/1915) .
[4] أخرجه مسلم في صحيحه (1/556) .
[5] أخرجه مسلم في صحيحه (1/556) .
[6] أخرجه أحمد (5/349و350و360) وأبو داود (1493) والترمذي (3475) وابن ماجة (3957) وغيرهم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.
أما بعد... فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102] . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71] .
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تُدان.
وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .
وقال: (( من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [1] .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علىَّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] أخرجه مسلم في صحيحه في الصلاة باب الصلاة على النبي (1/306) .